أخر المقالات

تأمُّل في معنى العبقرية

الكاتب : مي أبو العلا

العبقرية

إن كلمة "عبقري" - لغوياً - تعني النبوغ والذكاء والتفوق، وهي تشير عموماً إلى كل حسن ندر جماله وعزت بداعته، لذا كان العرب يطلقونها على أنفس الأشياء وأقيمها لديهم مثل: الزرابي أو البسط والسجاجيد فاخرة الصنع، فنقرأ في قوله تعالى "مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ"
ولكنني كلما تأملت معنى كلمة "عبقرية"، وجدت أن معناها لا يحوم حول معنى الذكاء والنباهة أوالندرة والبداعة فحسب، وإنما يحوم كذلك حول استمرارية العطاء ودوام التأثير وتجدده. وحتى لا يندهش البعض من كلامي، سأحاول توضيح مفهوم كلمة "عبقرية" كما أراها وأشعر بها.
إننا نصف شخصاً ما بالعبقرية حين نشعر فيه بذكاء حاد ونباهة متفردة ونبوغ فذ. لكن متى يمكننا مثلاً أن نصف عملاً ما بالعبقرية؟
إن عبقرية العمل – أي عمل – تكمن في استمرارية تأثيره على المتلقى – إنها حقاً تعني "عطاء لا ينضب"، فأنت حين تقرأ كتاباً وتنتهي منه – حتى لو كان رأيك فيه أنه ممتاز وحتى لو أضاف إليك الكثير، فإنه لا يكون عبقرياً إلا إذا أجبرك على قراءته مرات ومرات، بل وأضاف إليك شيئاً جديداً لم تتلقاه عند قرائتك له في المرة الأولى ، وكذا في كل مرة. فإنك لا تنهل منه المعرفة دفعة واحدة وإنما دفعات.
الفيلم العبقري هو الذي يثير فيك مشاعر في كل مرة تشاهده فيها، مهما كثرت عدد مرات مشاهدتك له – العبقرية هنا لا تتعلق بمضمون العمل وإنما تتعلق بتأثيره على المتلقي، لا يهم إن كان للكبار أو الصغار ولا حتى إن كان يتحدث عن قضية هامة أم مجرد موضوع للتسلية. فهو في كل مرة يضحكك أو يبكيك أو يستفزك أو يلهمك أو يواسيك أو يعزيك أو يفرحك أو يغضبك أو يؤلمك، ولا تنضب تلك المشاعر أبداً ولا تفتر قوتها مهما كثرت مرات مشاهدتك له – تلك هي العبقرية
وكذلك عبقرية اللوحة التي تجبرك على تأملها طويلاً كلما نظرت إليها، تشاهدها المرة تلو الأخرى وفي كل مرة تجذبك وتثير انتباهك واهتمامك وتحث فكرك، فتأبى إلا أن تشاهدها كل مرة مشاهدة المنبهر الذي يراها للمرة الأولى.
وعبقرية المكان لا تكمن دوماً في جماله الخلاب وإنما تكمن أساساً في كم النشوة التي يمنحها لك في كل مرة تذهب إليه – كل مرة تشعر وكأنك في إحدى الجنان – تغمرك سعادة أو حنين أو حزن أو ترتسم على وجهك ابتسامة رغماً عنك، بل وقد يذرفك دمعاً رغماً عنك، وعبقريته تعزى دوماً لاستمرارية ذلك العطاء الساحر حيث يفيض عليك بكم دافىء من المشاعر في كل مرة تزوره فيها.
والعبقرية عموماً لها وجهان، فقد تعزى عبقرية العمل إلى المتلقي نفسه بقدر ما تضيف له جديداً في مختلف مراحل عمره حيث يزداد نضجاً وتزداد قدرته على الاستيعاب، فينهل من فيض العطاء أكثر.وأحياناً تكمن عبقرية العمل في ذاته فيكون له أكثر من منظور، فكلما نظرت له برؤية معينة أو من زاوية ما، تلقيت شيئاً وحين تنظر له من زاوية أخرى تلقيت شيئاً مختلفاً وتجد أن العمل جوهرة متعددة الأوجه، ومع كل مرة تستعرضه فيه يتكشف لك وجهاً جديداً.
لذا فإن أكثر الكتب عبقرية على الإطلاق هو القرآن الكريم، لأن عبقريته تكمن في ذاته وجمال معانيه وصوره وقصصه وبلاغته، وفي الوقت نفسه تتعلق بالمتلقي – أي متلقي مسلماً كان او غير مسلم - حيث ينهل المرء منه كلما ازداد نضجاً وكلما ازداد إيماناً وكلما ازداد شوقاً وحباً وبوجه عام، كلما ازداد استعداداً للتلقي! ومهما جودته وقرأت تفسيراته وحاولت فهم معانيه، فإنك - في كل مرة – تقرؤه فيها يضيف إليك شيئاً جديداً؛ وإحساساً جديداً؛ ومعرفة جديدة. تلك هي العبقرية.
مي أبو العلا

التعليقات