الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

عقول وشاشات

الكاتب : تامر المغازي

ماذا تفعل عندما تكتشف أن هناك ثقباً ما في جيبٍ من جيوبك؟
ماذا تفعل عندما تكتشف أن هناك فجوةً ما بين دخلك ومصروفاتك؟
بكلِ تأكيدٍ ستقوم برتق الفجوةِ وترقيعها كي لا تتسع وتمتد وتستمر خسارتك، وربما يكون هذا مبلغ علمك في وقتٍ ما وتكتفي بما فعلت، أن تعالج العرض الذي ظهر أمام عينيك وتمنع تأثيراته الوقتية، وربما تعملُ عقلك لأبعد مدى، وتحاول أن تكتشف ما الذي سبب ذلك، هل هي ميدالية المفاتيح الثقيلة بجيبك أم هو كان أحد اللصوص حاول سرقتك، فإن عرفت السبب سيبطل العجب وينتهي ظهور العرض وتعالج المرض.
فخبرني بالله عليك ألم تكتشف الفجوة الأهم في حياتك؟ ألم تتساءل بينك وبين نفسك أن هناك مسافةً ما تفصل بينك وبين أبنائك كلهم أو بعضهم؟ ألا تقول في سرك وصراخك أن ولدي عنيدٌ؟ ألا تقولين في مجالسك وفي صلاتك أن إبنتك لا تفهمك وأنك تستصعبين تربيتها وترويضها؟ أرتقت الفجوة أم أمسكت بالمشرط الجراحي وأخذت تبتر العلاقة بينك وبين ولدك ببرود جراحٍ متمرسٍ!
هل سائلت نفسك ما سبب الفجوة وهل سألتها كيف ضاعفتها؟
أنا وأنت ربما نكون من جيلٍ تربى على يد جيلٍ قريبٌ منا تقنياً، أعتقد أن جيل الآباء الذي تربى على الإستماع لمحطات الإذاعة القليلة ثم شهد طفرةً تقنية – بحسب وقتها – بإطلاق القناتين الأولى والثانية، ولكن هذه الطفرة إستمرت بغير تطورٍ لعدة سنين حتى نشات أنت ذاتك على ذات القنوات الإذاعية ونفس القناتين التلفزيونيتين، أونسيت أنك كنت تستمع حتى مطلع التسعينات للقرآن الكريم الذي يختم التلفاز به برامجه كل ليلة وتنتظر صباحاً حتى تنقلب الشاشة الثابتة من بثها وينطلق الإرسال ليومٍ جديدٍ لبضعة ساعاتٍ، وهو الأمر ذاته الذي مرت به محطات الإذاعة حتى منتصف التسعينات، فكر للحظة أن تقوم بشرح الفقرة الأخيرة التي قرأتها تواً لأحد أبنائك أبناء الألفية الجديدة أو العقد الأخير منها، يكفيك أن أقول لك ما قاله لي ولدي ذات مرة من سنةٍ أو يزيد بينما أنا أتحدث معه عن الهواتف النقالة، فقد صدمني حين إستوقفني في منتصف كلامي وهو يتساءل مندهشاً: أكان هناك يوماً ما هواتف محمولة دون كاميرات!
أفقت يومها من غفوتي وإكتشفت فجوتي، بالطبع نشرت كلماته كحالةٍ عابرة على موقع التاوصل الإجتماعي فيس بوك وإكتفيت ببضعة تعليقات متندرة وتملكني الغرور بزيادة عدد مرات الإعجاب على status، ولكني يومها ليلاً تأملت الموقف بعمق، وإكتشفت وأنا أناقش نفسي أن الطفل معه كل الحق، فهو قد بدأ هو وجيله من حيث إنتهينا، فنحن عشنا عصراً غير الذي يعيشونه، لا أنسى كيف أن جدتي الراحلة كانت الوحيدة التي تمتلك هاتفاً منزلياً في شارعها المجاور للجامعة بالمنصورة كل سنين طفولتي المبكرة، وكان كل مغتربٍ يتواصل مع ذويه عبر هاتف جدتي وجدي، لا أنسى كيف كانت تقطع المنصورة طولاً كي تقوم بحجز مكالمة دولية لأمريكا كي تطمئن على خالي المهاجر هناك! قل لي كم مرةٍ تواصلت مع أحبتك المغتربين "اليوم" واليوم فقط عبر "الواتس آب"!
أما وقد إصطبغت مصر بالصبغة الإستهلاكية بدايةً من السبعينات من القرن الماضي فقد ظهرت العواقب مؤخراً، ظهرت بعد أن قام الجيل الذي ولد ونشأ في الثمانينات بتربية الجيل الذي ولد في الألفية الجديدة، بعد ان قام جيلٌ باللهاث وراء لقمة العيش في كل مكانٍ وبطول اليوم وعرضه بتربية الجيل الحالي، بل قل قام جيلٌ بالإنشغال عن تربية جيلٍ، فظهرت الأعراض جليةً واضحةً هذه الأيام، عناداً وشقاقاً وبعداً وتباعداً بيننا وبين أبنائنا، لا نحاول أن نقترب منهم ولا يدركون هم بحكم ضآلة خبراتهم كيف يقتربون منا، أونطلب منهم أن يبطئوا من سرعاتهم كي نلحق بهم أم نلهث نحن خلفهم كي نلاحقهم؟
الإجابة أن علينا نحن البحث والتنقيب، أن علينا الواجب والمطاليب، علينا أولاً تشخيص المشكلة، الإعتراف بالمرض، أن ننظر للحظاتٍ في المرآة ونواجه أنفسنا، أن نقتنع أننا المخطئين، أن نوقن أن علينا التقارب مع أبنائنا اكثر، أن نخصص وقتاً للتفاهم و مساحةً للتفهم، فهل نستمر في دفن أعناقنا في الرمال كالنعام البري أم نستفيق؟ خطر لي مؤخراً أن أحول بعض ألعاب إبني الإفتراضية لألعابٍ واقعية أكافئه فيها كلما أنجز إنجازاً كما يفعل معه صاحب المزرعة السعيدة، هلا فكرنا خارج الصندوق!
أفنقتنع أنه كلما إقتربت وجوهنا من شاشات الآيباد والتابلت في جلساتنا العائلية وعلى موائد طعامنا كلما بعدت المسافة بين عقولنا وعقولهم رغم قرب أجسادنا من أجسادهم؟
أنفعل هذا قبل فوات الأوان!

التعليقات