الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

تاريخ البيت العتيق 2

رفع إبراهيم عليه السلام للقواعد
تُجمع الروايات التاريخية أن إبراهيم عليه السلام ترك هاجر وولدها إسماعيل عليه السلام بوادي مكة، وهو وادي غير ذي زرع، مطلقًا دعوته الشهيرة: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}(سورة إبراهيم: الآية 37)، ثم عاد إليهم في إحدى زياراته لهم طالبًا ذبح ولده إسماعيل عليه السلام امتثالاً لرؤية رآها، فكان فداء إسماعيل عليه السلام بكبشٍ عظيم، ثم كان أمر رفع قواعدالبيت العتيق؛ و"القواعد جمع قاعدة وهي السارية"(ابن كثير؛ تفسير ابن كثير؛ ج1؛ ص 176).
أما كيف عرف إبراهيم عليه السلام موضع البيت، فهناك روايات كثيرة في ذلك؛ منها ما ذكرها ابن كثير في تفسيره:
"وقال السدي إن الله عز وجل أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل ابنيا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة فقام هو وإسماعيل وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت فبعث الله ريحا يقال لها الريح الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية فكشفت لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس"(ابن كثير؛ تفسير؛ ج1؛ص 179).
ومنها ما قاله السيوطي في "الدر المنثور":
"وأخرج الديلمي عن علي عن النبي في قوله {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} الآية قال جاءت سحابة على تربيع البيت لها رأس تتكلم ارتفاع البيت على تربيعي فرفعاه على تربيعها"(السيوطي؛ ص 307).
أما الأزرقي فيذكر رواية أخري لتحديد مكان البيت؛ وهي:
"حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: بلغني والله أعلم أن إبراهيم خليل الله تعالي عرج به إلي السماء فنظر إلي الأرض مشارقها ومغاربها فاختار موضع البيت فقالت له الملائكة: يا خليل الله اخترت حرم الله تعالي في الأرض قال: فبناه من حجارة سبعة أجبل قال: ويقولون خمسة وكانت الملائكة تأتي بالحجارة إلي إبراهيم من تلك الجبال"(الأزرقي؛ ص 53).
وما يذكره الأزرقي يخالف القرآن الكريم، وما قال به المفسرون والمؤرخون من وجوه عدة، فإبراهيم عليه السلام أمر بالبناء ورفع القواعد في المكان الذي أختاره الله عز وجل لذلك ولم يختار هو ذلك المكان بنفسه، كما أن الذي ساعد إبراهيم عليه السلام في البناء إسماعيل عليه السلام وليس الملائكة كما تحكي رواية الأزرقي.
ويروي الحافظ ابن كثير في تفسيره الكثير من الروايات المطولة والقصيرة حول بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام للبيت العتيق، وفي رواية عن علي ابن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ يحكي كيف حدد مكان البيت لإبراهيم عليه السلام:
"قال بن جرير أخبرنا هناد بن السري حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن خالد بن عرعرة أن رجلا قام إلى علي رضي الله عنه فقال ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض فقال لا ولكنه أول بيت وضع في البركة مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا وإن شئت أنبأتك كيف بني إن الله أوحى إلى إبراهيم أن بن لي بيتا في الأرض فضاق إبراهيم بذلك ذرعا فأرسل الله السكينة وهي ريح خجوج ولها رأسان فاتبع أحدهما صاحبه حتى أنتهت إلى مكة فتطوت على موضع البيت كطي الحجفة وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فبنى إبراهيم"(ابن كثير؛ تفسير ابن كثير؛ ج1؛ ص 179).
وكان إبراهيم عليه السلام يبني وإسماعيل عليه السلام ينقل له الأحجار علي عاتقه، وكان البناء يرتفع، فقرب له إسماعيل حجرًا يقف عليه ليطاول البناء، وهو الحجر الذي سمي فيما بعد مقام إبراهيم وعليه أثر قدميه الكريمتين غائرتين في الحجر.
وقد اختلفوا في معني قوله تعالي: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}(سورة البقرة؛الآية: 127 )، فاستدل منه بعضهم علي أن البيت كان موجودًا قبل إبراهيم عليه السلام، وأن ما قام به إبراهيم ليس سوى البناء علي الأساس. وأستدل منه فريق أخر علي أن إبراهيم عليه السلام شيد القواعد والبناء، وقد ذكر الشوكاني طرفًا من هذا في "فتح القدير" إذ يقول:
"ومعنى ترفع تبنى قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما ومنه قوله سبحانه {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} وقال الحسن البصري وغيره معنى ترفع تعظم ويرفع شأنها وتطهر من الأنجاس والأقذار ورجحه الزجاج وقيل المراد بالرفع هنا مجموع الأمرين"(الشوكاني؛ فتح القدير؛ ج4؛ ص 34).
وقال ابن الجوزي: "القواعد أساس البيت واحدها قاعدة"(ابن الجوزي؛ زاد المسير؛ ج1؛ ص 144)، وأضاف: "وقال ابن عباس وابن المسيب وأبو العالية رفعا القواعد التي كانت قواعد قبل ذلك"(ابن الجوزي؛ ص 145). وذكر القرطبي في تفسيره أن القواعد هي الأساس كما في قول أبي عبيدة والفراء، وحكى عن الكسائي أنها الجدر، والمعروف ـ في رأيه ـ أنها الأساس.
والصحيح ما قال به الحافظ بن كثير من أن البيت العتيق قد بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهو أول بناء للبيت ثابت بالنصوص القطعية الثبوت، والأخبار المتواترة والآثار، أما ما دون ذلك فهي أخبار وروايات ظنية الثبوت لا يمكن القطع بصحتها.
البيت ما بين إبراهيم عليه السلام وقريش
بعد وفاة إبراهيم عليه السلام؛ ظل البيت العتيق في رعاية إسماعيل عليه السلام حتى وافته المنية، "ودفن بالحجر مع أمه فولي البيت بعده ثابت بن إسماعيل ونشر الله العرب من ثابت وقيدار فكثروا ونموا ثم توفى ثابت فولي البيت بعده جده لأمه مضاض بن عمرو الجرهمي وضم بني ثابت فصار ملكًا عليهم وعلي جرهم فنزلوا قيقعان بأعالي مكة وكانوا أصحاب سلاح كثير ويتقعقع منهم، وصارت العمالقة وكانوا بازلين بأسفل مكة إلي رجل منهم ولوه ملكًا عليهم يقال له السميدع"(القطبي؛ ص 44و45).
ثم أن بني إسماعيل عليه السلام وجرهم ضاقت عليهم مكة فتفسحوا في البلاد يلتمسون عيشهم، ويزعم البعض ـ تبعًا لرواية الأزرقي ـ "أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم إلا احتمل معه من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة وبالكعبة حيث ما حلوا وضعوه فطافوا به كالطواف بالكعبة حتى سلخ ذلك بهم إلي أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم من حجارة الحرم خاصة، حتى خلقت الخلوف بعد الخلوف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان وصاروا إلي ما كانت عليه الأمم من قبلهم من الضلالات"(الأزرقي؛ ص 116). كما يؤكد الأزرقي علي أن أول من أدخل الأصنام إلي الكعبة هو عمرو بن لحي، وذلك من حديثٍ يرويه عن ابن عباس عن النبي ـ صلي الله عليه وسلم. غير أن ما يهمنا في هذا السياق هو أن الناس قد بعدوا عن دين إبراهيم عليه السلام، وغيروا وتغيروا عبر هذه الفترة الزمنية التالية لإبراهيم عليه السلام وإسماعيل عليه السلام، وقد تولى علي مكة والبيت العتيق خلال هذه الفترة الزمانية قبيلتان هما؛ جرهم ثم العمالقة، أو العمالقة ثم جرهم ـ حسب بعض الروايات التاريخية، قبل أن تتولي قبيلة خزاعة أمر البيت العتيق. فالبيهقي يروي عن علي ابن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ أن البيت انهدم فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم(شبالة؛ ص 95). كذلك روى الفاسي عن الأزرقي بسنده في "أخبار مكة" ذات الرواية التي رواها البيهقي عن علي ابن أبي طالب(الفاسي؛ ص 93) ـ كرم الله وجهه، مما قد يؤكد بعض الشيء سابقية بناء العمالقة علي بناء جرهم للبيت العتيق خلال هذه الفترة الزمانية. وبه جزم الطبري، "وذكر المسعودي ما يقتضي أن الذي بني الكعبة من جرهم هو الحارث بن مضاض الأصغر لأنه لما ذكر خبرهم قال فيه: إن الحارث هذا زاد في بناء البيت ورفعه كما كان عليه من بناء إبراهيم"(الفاسي؛ ص 94). ويذكر السهيلي في "الروض الأنف" أن البيت العتيق بنته جرهم مرتين وصفة هذين البناءين الترميم والإصلاح لما سببه السيل للبيت(شبالة؛ ص96).
ويذكر إبراهيم باشا رفعت أن في زمان سيادة جرهم للبيت؛ "جاء سيل جارف هدم الكعبة فبنته جرهم علي قواعد إسماعيل، وكان الباني رجلاً يدعى أبا الجارود"(رفعت؛ مرآة الحرمين؛ ج1؛ 1401ه/1981م؛ ص 197)، وهي رواية تفارق الروايات السابقة التي تكاد أن تكون قد أجمعت علي أن من أعاد بناء البيت من جرهم هو الحارث بن مضاض.
ويذكر القطبي أن خزاعة لما نازعت جرهم أمر ولاية مكة، قام مضاض بن عمرو الجرهمي فـ"عمد إلي غزالتين من ذهب كانتا للكعبة، وما وجد من الأموال التي تهدي للكعبة فدفنها في بئر زمزم، وكانت بئر زمزم قد نضب ماؤها. فحفرها بالليل، وأعمق ودفن فيها تلك الغزالتين، والأموال فحطم البئر، واعتزل جرهم، وأخذ معه بني إسماعيل"(القطبي؛ ص 45) عليه السلام. ثم سادت الأمور لخزاعة إلي أن كبر شأن قصي بن كلاب بن مرة؛ وهو من بني كنانة.
وبعد أن سادت أمور مكة لقصي بن كلاب بن مرة ولقريش، كان أول من جدد بناء الكعبة من قريش بعد إبراهيم عليه السلام علي حد رأي الماوردي(الفاسي؛ ص 94)، ويذكر الفاسي: "أما بناء قصي بن كلاب فذكره الزبير بن بكار قاضي مكة في كتاب النسب لأنه قال: وقال غير أبي عبيدة من قريش بن عبد العزى بن عمران العنبسي أخذ قصي في بنيان البيت وجمع نفقته ثم هدمها فبناها بنيانًا لم يبن أحد ممن بناها مثله"(الفاسي؛ نفسه).
بناء قريش للبيت
يذكر ابن كثير في سيرته روايةً تسرد لنا الأسباب التي دفعت بقريش لإعادة بناء البيت العتيق، والعوامل المحيطة بعملية البناء وتفاصيل هذه العملية، والتي منها الدور الحاسم الذي لعبه صلي الله عليه وسلم في القضاء علي الفتنة التي شبت بين القرشيين حول الحجر الأسود؛ إذ يقول ابن كثير:
"قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه السلام خمسًا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها وإنما كانت رضما فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك أن نفرا سرقوا كنز الكعبة وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة وكان الذي وجد عنده الكنز دويك مولى بني مليح بن عمرو من خزاعة فقطعت قريش يده ويزعم الناس أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها وكان بمكة رجل قبطي نجار فهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها"(ابن كثير؛ تفسير ابن كثير؛ ج1؛ ص181).
وهذا النجار القبطي هو باقوم الذي ذكرته بعض الروايات ونصت عليه ـ كما في رواية الأزرقي ـ والذي جعل في جدران الكعبة الداخلية صورًا صورها ولم تعترض عليها قريش إلي أن أمر الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ بمحوها في عام الفتح كما أكدت روايات كثيرة. ويتابع ابن كثير روايته فيذكر أمر الحية التي زعم أنها كانت تحمي جب (كنز) الكعبة؛ فيقول:
"وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تطرح فيها ما يهدي لها كل يوم فتتشرق على جدار الكعبة وكانت مما يهابون وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت فاها فكانوا يهابونها فبينا هي يومًا تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله إليها طائرًا فاختطفها فذهب بها فقالت قريش إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا عندنا عامل رفيق وعندنا خشب وقد كفانا الله الحية فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها قام بن وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم فتناول من الكعبة حجراً فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبًا لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس"(ابن كثير؛ نفسه).
وفي رواية أخرى أن الذي بدأ بالهدد قبل الوليد رجلاً لم تعينه الروايات باسمه، وأن يده شلت بعد أن حاول نزع حجرًا من الكعبة، فذكرت الرواية مثل ما قاله الوليد بن المغيرة من دعاء حتى بدءوا نقضها، وهي رواية فيها الكثير من المبالغة لأن الله يعلم ما في الصدور، وهو يعلم من أراد مس بيته بسوء ومن يريد تعميره، غير أنه يمكن قبول هذه الرواية وغيرها مما علي شاكلتها، تحت ما يمكن تسميته بالخوف الميتافيزيقي من الأماكن المقدسة.
وقد واصلت قريش نقض حجارة الكعبة إلي أن وصلوا إلي حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضًا، ويذكر ابن كثير في روايته أن رجلاً من قريش أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أيضًا أحدهما، فلما تحرك الحجر انتفضت مكة بأسرها فانتهوا عن ذلك الأساس. ويتابع ابن كثير روايته عن ابن إسحاق؛ فيقول:
"ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن يعني الحجر الأسود فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحاوروا وتخالفوا وأعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دمًا ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا لعقة الدم فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسًا ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وكان عامئذ أسن قريش كلهم قال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ففعلوا فكان أول داخل رسول الله فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال هلم إلى ثوبٍ فأتى به فأخذ الركن يعني الحجر الأسود فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم أرفعوه جميعاً ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ثم بنى عليه وكانت قريش تسمى رسول الله قبل أن ينزل عليه الوحي (الأمين)"(ابن كثير؛ نفسه).
ومن الأسباب التي دفعت بقريش للتفكير في إعادة بناء الكعبة؛ ما ذكره الفاسي عن الحريق الذي أصابها حين جمرت، وكذلك السيل العظيم الذي دخلها وصدع جدرانها وكان سببًا حاسمًا في وهنها(الفاسي؛ ص 95). ويروي الأزرقي خبرًا بسنده يذكر فيه "أن امرأةً ذهبت تجمر الكعبة فطارت من مجمرتها شرارة فاحترقت كسوتها وكانت ركامًا بعضها فوق بعض فلما احترقت الكعبة وهنت جدرانها من كل جانب وتصدعت وكانت الخرف الأربعة عليهم مظللة والسيول متواترة، ولمكة سيول عوارم فجاء سيل عظيم علي تلك الحال فدخل الكعبة وصدع جدرانها وأخافهم ففزعت من ذلك قريش فزعًا شديدًا وهابوا هدمها وخشوا أن مسوها أن ينزل عليهم العذاب"(الأزرقي؛ ص 160)، ثم انتهي بهم أمرهم إلي إعادة البناء كما ذكرنا في رواية ابن كثير عن ابن إسحاق سابقًا، "فنقلوا الحجارة ورسول الله يومئذٍ غلاملم ينزل عليه الوحي ينقل معهم الحجارة علي رقبته فبينا هو ينقلها إذ انكشفت نمرة كانت عليه فنودي يا محمد عورتك"(الأزرقي؛ 161)، ثم كان من أمر إتمام البناء دون وضع الحجر السود وقد تنافسوا عليه إلي أن صار الدم حكمًا بينهم، فعدلوا عن الدم إلي أول حكمٍ يدخل البيت عليهم، فكان الرسول ـ صلي الله عليه وسلم، ثم كان أمر الحل التوفيقي الذي رآه الرسول ـ صلي الله عليه وسلم؛ "فرفع القوم الركن وقام النبي (صلي الله عليه وسلم) علي الجدار ثم وضعه بيده فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي (صلي الله عليه وسلم) حجرًا ليشد به الركن فقال العباس بن عبد المطلب: لا وناول العباس النبي (صلي الله عليه وسلم) حجرًا فشد به الركن فغضب النجدي حيث نحي فقال النجدي: واعجباه لقوم أهل شرف وعقول وسن وأموال عمدوا إلي أصغرهم سنًا، وأقلهم مالاً فرأسوه عليهم في مكرمتهم وحوزهم كأنهم خدم له أما والله ليفوتنهم سبقًا وليقسمن عليهم حظوظًا وجدودًا ويقال: أنه إبليس"(الأزرقي؛ 164).
وقد نقصت قريش في بنائها للبيت عما كان علي بناء إبراهيم عليه السلام، لقلت نفقتهم الحلال التي أنفقوا منها علي بناء البيت، وقد أكد هذا النقصان أكثر من خبر.

مراجع هذه الحلقة:
1. إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ دار المريخ ـ الطبعة الثانية ـ الرياض ـ 1401ه؛ 1981م.
2. ابن الجوزي ـ زاد المسير ـ المكتب الإسلامي ـ الطبعة الثالثة ـ بيروت ـ لبنان ـ 1372ه.
3. ابن كثير ـ تفسير ابن كثير ـ دار الفكر ـ دمشق ـ 1401ه.
4. الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ دار الثقافة العربية ـ بيروت ـ لبنان ـ الطبعة الثالثة ـ 1399ه/1979م.
5. السيوطي ـ الدر المنثور ـ دار الفكر ـ دمشق ـ 1993م.
6. الشوكاني ـ فتح القدير ـ دار الفكر ـ مصر ـ بدون تاريخ.
7. الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ مكتبة النهضة الحديثة ـ مكة ـ 1956م.
8. القرطبي ـ تفسير القرطبي ـ دار الشعب ـ الطبعة الثالثة ـ القاهرة ـ مصر ـ 1404ه.
9. عبد الكريم القطبي ـ إعلام العلماء الأعلام ببناء المسجد الحرام ـ دار الرفاعي ـ الرياض ـ الطبعة الأولي ـ 1403ه؛ 1983م.
10. محمد بن عبد الله ثابت شبالة ـ بيت الله الحرام الكعبة ـ دار الإيمان ـ الطبعة الأولي ـ الإسكندرية ـ مصر ـ 2008م.

التعليقات