الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

آهات بهية

الكاتب : على المحلاوى

حدثت وقائع ما سيرد ذكره في إحدى قرى دلتا مصر.

يقال أن في تلك القرية كان هناك شابين نشأوا وتربوا معاً في بيت واحد. وسلك كل واحد منهما مسلك مختلف في التعليم.
أحدهما أخذ التعليم الأزهري طريقه وتدرج فيه حتى حصل على العالمية ولقب "بالأزهري". أما الآخر فسلك التعليم الحكومي، ولأنه كان حاد الذكاء ومتفوقاً سافر إلى المدينة ثم إلى الخارج وعاد حاملاً درجة الدكتوراه ومعها الفكر والملبس الأجنبي، ولقب من أهل قريته البسطاء بـ"الأفندي".
ورغم منبتهما الواحد فلقد باعدت الغربة والتعليم بينهما في الأفكار والتوجهات فكانت نظرة الأزهري للأفندي نظرة توجس وشك واستغراب.
أما الأفندي فلأنه حاد الذكاء، واسع المعرفة، مما جعله ينظر للأزهري نظرة استعلاء واحتقار، ليس له فقط ولكن لأفراد قريته جميعاً. فهو يرى، ولذكائه الفتاك، أنه العاقل الحكيم وباقي القرية أغبياء، معدومي الفكر والتطور، وأن رسالته أن ينتشل هؤلاء الجهلاء من الظلام إلى النور، وأن له الحق في قيادة هذه القرية لأنه العارف بأسباب العلم، ويملك مفاتيح المعرفة والحقيقة، ولو يعرف حق قدره لحمل على الأعناق.
وقدرت الأقدار أن وقع الاثنان في حب فتاة بالقرية، ذات حسن وجمال، تدعى "بهية".
نشأت "بهية" وتربت في منزل عمدة القرية، تخدمه نظير حمايته ورعايته لها. ولشدة جمالها، راقت في عين العمدة. ولولا صغر سنها وكبر سنه، وخوفه من نظرة أهل القرية له لتزوجها وحظي بها لنفسه دون شباب القرية.
حاول كلا من الأزهري والأفندي التقرب إليها واستمالتها، وتنافسا للنيل بها. ونتيجة هذا التنافس حدث أن وقع بينهما الخصام.
احتارت "بهية" بينهما، ولكنها في النهاية مال قلبها إلى الأزهري لمعرفتها به ودوام العشرة وحسن الاخلاق. وهذا ما كان. فتمت الخطبة والزواج، وكان فرحاً مشهوداً حضره جميع أهل القرية وعلى رأسهم العمدة، الذي وافق على هذا الزواج على مضض لأنه يرى أن تلك الجميلة خسارة في هذا المعتوه المدعو الأزهري.
وكان الجميع سعداء إلا واحدا، وهو "الأفندي". ولأنه حاد الذكاء، واسع المعرفة، لم يرضى بما جرى وأنكر أنه خسر وفشل في نيل مراده بالزواج من "بهية". فكيف حدث هذا؟! فبدلاً من أن تأتي إليه "بهية" طالبة القرب منه والزواج به إذ هي ترفضه وتفضل الغبي الأزهري. هذا والله لهو الخطأ الكبير، ولابد من تصحيحه. ومن يقوم بتصحيح هذا الخطأ الفادح إلا أنت يا حاد الذكاء. نعم، فلا يمكن أن ينتصر الظلام والجهل (الأزهري) على النور والمعرفة (الأفندي). كيف لهذا المتخلف أن يأخذ تلك الصبية بارعة الجمال، التي يفوق جمالها جمال ملكات الجمال ؟! لابد لتصحيح الوضع من حيلة! ولتكن أي وسيلة للتفريق بينها وبين الأزهري.
فتفتق ذهنه الوقاد عن وسيلة، وهي استغلال العمدة لنيل ذلك .
فإذا أصبح الصباح عرض الأمر على العمدة، فطالبه بالتدخل فوراً للتفريق بين الزوجين لأن "بهية" مكرهة على هذا الزواج، وأنه تم بدون رضائها. وحيث أن لا إكراه في الزواج، فيجب فسخ هذه الزيجة، لأنه مخالف (للشرع). وبما أنه سيترتب على هذا الفسخ الضرر بسمعة "بهية"، خاصة وأن الأزهري قد دخل بالفعل بها، فإنه سيضحي في سبيلها ويقبل الزواج بها (وكله فدا عيون "بهية"!).
بعد تفكير طويل وتأمل من العمدة، وافقه على طلبه. ولكنه اشترط شرطاً ذا مغزى، وهو أن تقضي عدتها قبل الزواج بها في منزل العمدة، حتى تكون في (رعايته). وفهم الأفندي الحاد الذكاء المغزى ووافق على الامر.
وفي المساء أحضر الأزهري عنوة وأمر بالتطليق، فرفض بشدة. فكيف لهم ذلك وقد ذاق طعم جسد "بهية" وآهاتها وهي في أحضانه. الموت أقرب له من ذلك.
ولرفضه حجز بمحبس مجاور لمنزل العمدة. وأحضرت "بهية" لمنزل العمدة وتم الطلاق على الورق.
ولأن "بهية" كم كان يتمناها العمدة، وكام داعبتة في أحلامه، ولأنها لم تعد عذراء، ولأنها تصدر آهات رهيبة، غريبة تخطف الألباب والعقول عند مضاجعتها، والعمدة يعلم بهذا جيداً (لا تسألني كيف؟!). كان العمدة يدعوها إلى غرفته بعد منتصف الليل.
وكان يتردد صوت الآهات الصادرة من شباك غرفة نوم العمدة ليتردد صدادها في محبس الأزهري، فيستقبلها بألم وحسرة وغضب لا مثيل له. بينما الأفندي، الحاد الذكاء، الجالس تحت الشباك ، مستمتعاً بسماع آهات "بهية"، ممنياً نفسه بأنه في القريب العاجل وعند انقضاء العدة وستكون تلك الأصوات بفضله هو، وله هو، ومتشفياً في الأزهري وهو يرى ردة فعله في محبسه من خلال شباك زنزانته وهو يسمع تلك الآهات الصادرة من زوجته السابقة. والأزهري كالثور الهاج في محبسه وقد طار عقله، وكلما تعالت الآهات زادته هياجاً على هياج.
مرت أيام العدة بطيئة على الأفندي وهو جالساً نهاراً أمام الباب ، ليلاً تحت الشباك. وبعد انصرام العدة، ذهب للعمدة لتنفيذ ما وعد. فطلب منه العمدة أن يأتي غداً. وفي الغد أخبره أنه في ضوء الظروف الراهنة لا يستطيع أن يوفي بما وعد (إذاً متى؟!). الإجابة، في الغد باكرا.
وحل المساء
"بهية": في أحضان العمدة، عشيقته مساءً وخادمته نهاراً.
"الأزهري": لا زال في محبسه هائجاً، مستمعاً متألماً لآهات "بهية".
"العمدة": مستمتعاً ليلاً، واعداً نهاراً.
"الأفندي": تحت الشباك ليلاً، مستمعاً، متمنياً، متخيلاً مع آهات وتأوهات "بهية"، طالباً متوسلاً نهاراً.
وحل الصباح..........................................................................................
ثم جاء المساء........................................................................................
انقضى الشتاء.......................................................................................
هبت رياح الخريف...............................................................................
(وما زال الأفندي جالساً ينتظر)


( ما قبل النهاية )

بقي لنا أن نعرف أن ما لم يدركه هؤلاء الرجال أن آهات "بهية" التي خطفت ألبابهم وأطارت عقولهم لم تكن آهات نشوة و متعة. وإنما كانت آهات ألم وحسرة على ما وصلت إليه من حال.

( النهاية )
____________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________
الهامش:
هناك أمرين لا يعرف لهما تفسير إلى الآن، أحدهما في الرواية والآخر بعدها.
أما أمرما في الرواية، فكلما كان يمر حمار من حمير القرية على منزل العمدة الجالس أمامه الأفندي الحاد الذكاء، يأخذ الحمار بالنهيق و يقف ولا يريد أن يبرح المكان، ولا يعرف السر في ذلك.

أما ما بعد الرواية، فهو أن كل من قرأ أو عرف بتلك القصة ممن تحالفوا مع العسكر أصبحوا ينهضون من نومهم في منتصف الليل فزعين ليتحسسوا أجساد زوجاتهم ليتأكدوا أن زوجاتهم لا زلن باقيات في فراشهم ولم تذهبن إلى العمدة.

التعليقات