الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

تاريخ البيت العتيق 3

إعادة بناء الكعبة بعد الإسلام
بعد أن بلغت شمس الإسلام رونقها، واستدار بدر الدين مرسلاً ضياه علي كامل الجزيرة العربية والشمال الشرقي من أفريقيا وبلاد فارس، كان لازمًا علي هذه الشمس أن تعبرها بعض السحابات، وكان علي هذا البدر المستدير أن يتناقص، كما يقول الشاعر:
توقى البدور النقص أهلةٌ ويتوفاها النقصان وهي كوامل
وقد كانت الفتنة الكبرى محركًا لكثير من الأحداث التالية في تاريخ الإسلام، وينبوعًا تسقى منه التيارات الإسلامية علي اختلاف مواقفها.
ولم تكن مكة بعيدة عن هذا كله، وهي في القلب تستقبل الجميع ليطوفوا بالبيت العتيق، فقد تحرك منها جيش الحسين بن علي ـ رضي الله عنهما ـ إلي حيث حوصر في كربلاء وقتل الحسين ـ رضي الله عنه ـ وكذلك اتخذ عبد الله بن الزبير ابن العوام ـ رضي الله عنهما ـ من مكة مركزًا لحركته الانفصالية عن الخليفة الذي بويع قهرًا. ويذكر الأزرقي في "أخبار مكة":
"لما أبطأ عبد الله بن الزبير عن بيعة معاوية، وتخلف وخشي منه، لحق بمكة ليمتنع بالحرم، وجمع مواليه، وجعل يظهر عيب يزيد بن معاوية ويشتمه ويذكر شربه للخمر وغير ذلك ويثبط الناس عنه، ويجتمع الناس إليه فيقوم فيهم بين الأيام فيذكر مساوي بني أمية فيطنب في ذلك، فبلغ ذلك يزيد بن معاوية، فاقسم أن لا يؤتى به إلا مغلولاً، فأرسل إليه رجلاً من أهل الشام، في خيل من خيل الشام... وجمع ابن الزبير أصحابه، وتحصن بهم في المسجد الحرام وحول الكعبة، وضرب أصحاب ابن الزبير في المسجد خيامًا ورفافًا يكتنون بها من حجارة المنجنيق ويستظلون فيها من الشمس، وكان الحصين بن نمير قد نصب المنجنيق علي أبي قبيس وعلي الأحمرـ وهما أخشبا مكة ـ فكان يرميهم بها فتصيب الحجارة الكعبة، حتى تخرقت كسوتها عليها، وصارت كأنها جيوب النساء، فوهن الرمي بالمنجنيق الكعبة، فذهب رجل من أصحاب ابن الزبير يوقد نارًا في بعض تلك الخيام، مما يلي الصفا بين الركن الأسود والركن اليماني، والمسجد يومئذٍ ضيق صغير، فطارت شرارة في الخيمة فاخترقت، وكانت في ذلك اليوم رياح شديدة، والكعبة يومئذٍ مبنية بناء قريش مدماك ساج، ومدماك من حجارة من أسفلها إلي أعلاها، وعليها الكسوة، فطارت الرياح بلهب تلك النار فاحترقت كسوة الكعبة واحترق الساج الذي بين البناء، وكان احتراقها يوم السبت لثلاث ليال خلون من شهر ربيع الأول قبل أن يأتي نعي يزيد ابن معاوية بسبعة وعشرين يومًا... فضعفت جدارات الكعبة، حتى أنها لتنقض من أعلاها إلي أسفلها، وتقع الحمام عليها، فتناثرت حجارتها وهي مجردة متوهنة من كل جانب... فلما أدبر جيش الحصين ابن نمير... دعا ابن الزبير وجوه الناس وأشرافهم وشاورهم في هدم الكعبة، فأشار عليه ناس غير كثير، بهدمها، وأبي أكثر الناس هدمها، وكان أشدهم عليه إباءً عبد الله ابن عباس، وقال له: دعها علي ما أقرها عليه رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، فإني اخشي أن يأتي بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم وتبنى فيتهاون الناس في حرمتها، ولكن أرقعها، فقال الزبير: والله ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه أو أمه، فكيف أرقع بيت الله سبحانه، وأنا انظر إلي ينتقض من أعلاه إلي أسفله... فأقام أيامًا يشاور وينظر ثم أجمع علي هدمها، وكان يحب أن يكون هو الذي يردها علي ما قاله رسول الله (صلي الله عليه وسلم ) علي قواعد إبراهيم، وعلي ما وصفه رسول الله (صلي الله عليه وسلم) لعائشة رضي الله عنها"(الأزرقي؛ ص 201-205).
وكانت هذه هي الأسباب التي دفعت ابن الزبير؛ علي جملتها؛ أن يقدم علي هدم الكعبة وإعادة بناءها، "وكان هدم ابن الزبير لها يوم السبت في النصف الثاني من جمادي سنة أربع وستين، وبناها علي قواعد إبراهيم وأدخل فيها ما أخرجته قريش من الحجر، وزاد في طولها علي بناء قريش نظير ما زادته قريش في طولها علي بناء الخليل... وجعل لها بابين لاصقين الأرض أحدهما بابها الموجود اليوم والأخر المقابل له المسدود"(الفاسي؛ ص 97)؛ وقد أعتمد ابن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ علي حديث عائشة ـ رضي الله عنها. فقد جاء في البخاري: "عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لها: "يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهدٍ بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين بابًا شرقيًا، وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم""(البخاري؛ صحيح البخاري؛ج1؛ 1421ه؛ 2001م؛ ص 383)
وصفة البناء التي في الحديث هي ذاتها صفة ما صنع عبد الله ابن الزبير ـ رضي الله عنهما، ويروي الأزرقي خبرًا يوضح أن ابن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ عندما بنا الكعبة كان ذلك علي القواعد كاملة، ونصه: "أخبرني محمد بن يحيي، عن الواقدي عن محمد بن عمرو عن أبي الزبير، قال: سمعت عبد الرحمن بن باسط يقول: دعانا ابن الزبير، خمسين رجلاً من قريش، فنظرنا الأساس، فإذا هو واصل بالحجر، مشبك كاصابع يدي هاتين، وشبك أصابعه، فقال ابن الزبير: اشهدوا ثم بني"(الأزرقي؛ ص 217).
ويذكر الفاسي أن ابن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ انتهي من بناءه وعمارته للبيت في ليلة السابع والعشرين من رجب سنة 64هـ(الفاسي؛ ص98).
وفي عهد عبد الملك ابن مروان حاصر جيش الأمويين مرة أخري مكة، لكن الجيش هذه المرة كان تحت أمارة الحجاج بن يوسف الثقفي، وعندما فرغ الحجاج بن يوسف من قتل عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ "كتب إلي عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ليس منها وأحدث فيها بابًا آخر واستأذنه في رد ذلك علي ما كان عليه في الجاهلية، فكتب إلي عبد الملك أن يسد بابها الغربي ويهدم ما زاد فيها ابن الزبير من الحجر ويكبسها به علي ما كانت عليه ففعل ذلك الحجاج وبناؤه في الكعبة الجدار الذي من جهة الحجر بسكون الجيم والباب الغربي المسدود في ظهر الكعبة عند الركن اليماني وما تحت عتبة الباب الشرقي... وترك بقية الكعبة علي بناء ابن الزبير"(الفاسي؛ ص99)، وكان ذلك كله سنة 74هـ.
ويذكر ابن كثير في تفسيره:
"وَفَدَ الحارث بن عبيد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته فقال عبد الملك ما أظن أبا حبيب يعني بن الزبير سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها قال الحارث بلى أنا سمعته منها قال سمعتها تقول ماذا قال قالت قال رسول الله إن قومك استقصروا من بنيان البيت ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع هذا حديث عبد الله بن عبيد بن عمير وزاد عليه الوليد بن عطاء قال النبي ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شرقيًا وغربيًا وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها قالت قلت لا قال تعززًا أن لا يدخلها إلا من أرادوا فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه حتى يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط قال عبد الملك فقلت للحارث أنت سمعتها تقول هذا قال نعم قال فنكت ساعة بعصاه ثم قال وددت أني تركت وما تحمل"(ابن كثير؛ تفسير ابن كثير؛ص 183).
البناء الأخير
بانتقال الخلافة الإسلامية إلي الآستانة مع آل عثمان، صار عصرها يعرف باسم عصر العثمانيين؛ وخلال تك الفترة الزمانية الممتدة من الدولة الأموية إلي عصر الخلافة العثمانية؛ تعرض البيت العتيق لظروف مناخية وبيئية قاسية، لعل أخطرها هو تلك السيول التي يحصى بعضها رشدي صالح ملحس محقق كتاب "أخبار مكة" للأزرقي، والتي بلغ عدد ما أحصاه منها حتى عام 1350هـ 85 سيلاً؛ من أجل ذلك تسابق الخلفاء والملوك والناس علي ترميم وإصلاح ما قد يتلف أو يسقط أو يخرب من الكعبة.
وفي عام 1039هـ؛ اجتاح سيلٌ عظيم مكة، يصفه لنا رشدي صالح ملحس:
"في صباح يوم الأربعاء تاسع عشر من شهر شعبان سنة 1039، وقع مطر غزير بمكة المكرمة وضواحيها لم يسبق له مثيل، ونزل معه برد وتغير ماء زمزم بملوحةٍ شديدة. وفيما بين العصرين جرى السيل في وادي إبراهيم فجرف ما وجده أمامه من بيوت ودكاكين وأخشاب وأتربة ثم دخل الحرم الشريف، وبقي جريان السيل إلي قرب العشاء، فبلغ الماء إلي طوق القناديل المعلقة حول المطاف، ودخل الكعبة المشرفة بارتفاع مترين عن قبل بابها، وقد أحصي من مات في السيل المذكور فبلغ نحو ألف نسمة.
وفي عصر اليوم التالي سقط من تأثير السيل الجدار الشامي بوجهيه، وانجبذ من الجدار الشرقي إلي حد الباب الشامي ولم يبق سواه، ومن الجدار الغربي من الوجهين نحو السدس وسقطت درجة السطح، وبقيت المياه في الحرم نحو ثلاثة أيام، وانسابت في السراديب إلي أسفل مكة وبقيت الأحجار والأتربة مما كان السيل جرفها أمامه، فتألفت منها كثبان داخل الحرم وخارجه توازي بارتفاعها قامة إنسان."(ملحس ملحق بكتاب: الأزرقي).
"وعلي أثر ذلك نزل الشريف مسعود بن إدريس شريف مكة والعلماء والأهلون إلي بيت الله الحرام حيث رفعوا الميزاب ومعاليق الكعبة ووضعوها في غرفة في بيت السادن الشيخ جمال الدين بن قاسم الشيبي الحجبي... ثم أرسلوا هذا النبأ إلي استانبول عن طريق مصر"(الأزرقي؛ص 356).
وقد جرت محاولات للترميم حتى صدر فرمان من السلطان مراد خان في أوائل شهر ربيع الثاني من سنة 1040هـ إلي عامله محمد باشا الألباني والي مصر "بانتداب السيد محمد بن السيد محمود الحسيني الأنقراوي المعين حديثًا قاضيًا للمدينة المنورة ناظرًا من قبل جلالته علي عمارة بيت الله الحرام، وأجاز السلطان لوالي مصر بانتخاب شخص أخر من قبله يساعد السيد المذكور، وأمر بإرسال المؤن والأموال لإنفاقها في سبيل ذلك"(الأزرقي؛358).
ومع غرة شهر جمادى الأول سنة 1040هـ؛ "جمعت أحجار الكعبة المتناثرة في صحنة الحرم وشرع النحاتون في نحت الأحجار الجديدة"(الأزرقي؛ص 359)، واستمر العمل قرابة الستة أشهر، ومع نهاية شهر ذو القعدة غسلوا البناء الجديد للكعبة بماء زمزم وبخروها وقد سجل لوح من الرخام تاريخ هذا البناء نقر في السادس من ذي القعدة سنة 1040هـ؛ وهذا نصه:
"بسم الله الرحمن الرحيم. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. تقرب بتجديد هذا البيت العتيق إلي الله سبحانه وتعالي، خادم الحرمين الشريفين، وسائق الحجاج بين البرين والبحرين السلطان بن السلطان، السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان بن السلطان محمد خان خلد الله تعالي ملكه وأيد سلطنته في أواخر شهر رمضان المبارك المنتظم في سلك شهور سنة أربعين وألف من الهجرة النبوية، وعلي صاحبها أفضل التحية. سنة 1040"(الأزرقي؛ص 270).
وقد صاغ لفظ النقش الذي علي اللوح السيد محمد الآنقروي قاضي المدينة وناظر العمارة.
وظل البناء علي حاله، لكنه كان يحتاج من حين لأخر لترميم وإصلاح؛ ففي عام 1377هـ/1957م لوحظ وجود تصدعات في بعض الجدران، وقد استغرقت الترميمات قرابة الشهرين حيث أقيم احتفال يوم 11 شعبان سنة 1377هـ بانتهاء الترميمات.
ويبدو أن تاريخ البيت العتيق قد ارتبط ـ ولفترات طويلة ـ بتاريخ السيول التي اجتاحت مكة علي مدار تاريخها، ولقد حلل إبراهيم رفعت الأسباب الكارثية للسيول التي ألمت بالبيت العتيق بأن "مكة واد تحف به الجبال فإذا هطلت الأمطار بشدة تجمعت في الأودية بسرعة وهرعت إلي مكة فكونت في كثير من أماكنها بحيرات... وإذا علمت أن المسجد الحرام وطئ عن الشوارع بنحو ثلاثة أمتار أدركت أنه عند طغيان السيول يتحول إلي بحيرة بعيدة الغور"(إبراهيم رفعت؛ ص 197).
وفي عهد الملك فهد تم ترميم آخر للكعبة وفق نظام هندسي عالي الجودة، حيث تم معالجة أحجار الكعبة معالجة كيميائية، ووضع مواد خاصة لا تخلف تجويفات هوائية بين الأحجار، وقد جري الترميم علي مرحلتين، اختصت المرحلة الأولي بالجدران الخارجية، والثانية بالجدران الداخلية.

مراجع هذه الحلقة:
1. إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ دار المريخ ـ الطبعة الثانية ـ الرياض ـ 1401ه؛ 1981م.
2. ابن كثير ـ تفسير ابن كثير ـ دار الفكر ـ دمشق ـ 1401ه.
3. الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ دار الثقافة العربية ـ بيروت ـ لبنان ـ الطبعة الثالثة ـ 1399ه؛ 1979م.
4. البخاري ـ صحيح البخاري ـ دار التقوى للتراث ـ الطبعة الأولي ـ مصر ـ 1421ه؛ 2001م.
5. العبدري الحجبي ـ إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام ـ مطبوعات نادي مكة الثقافي الأدبي ـ مكة ـ 1405ه؛ 1984م.
6. الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ مكتبة النهضة الحديثة ـ مكة ـ 1956م.

التعليقات