الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

تاريخ الحج للبيت العتيق - الحلقة الرابعة

لقد تأسست مدنية مكة المكرمة أثر تشييد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام للبيت العتيق؛ ودشن للحج بنداء إبراهيم عليه السلام الرمزي في الناس بالحج، وقد روت لنا كتب التاريخ والتفاسير وغيرها الكثير من الروايات عن حج الأنبياء قبل إبراهيم عليه السلام، غير أن الروايات الموثوق بها تؤكد تواتر الحج منذ عهد إبراهيم عليه السلام إلي أن صار فريضة خُص بها المسلمين. ويبدو أن اسم مكة لم يكن معروفاً قبل إبراهيم عليه السلام.
وليس لدينا أي مؤشرٍ أو دليل عن الكيفية التي كان عليها الحج قبل رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام للقواعد، ولو بشكلٍ إجمالي دون الخوض في التفاصيل.
وإجمالاً؛ يُستنتج من الروايات القائلة ببناء آدم عليه السلام للبيت، أن آدم قد عرف مناسك الحج، "وأخرج عبد بن حميد عن الحسن والضحاك مثله وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قيل له ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه قال علم شأن الحج فهي الكلمات"(الشوكاني؛ فتح القدير؛ ج1؛ ص 72).
وتذهب الروايات التي أكدت رفع إبراهيم عليه السلام للقواعد وولده إسماعيل عليه السلام، إلي أن جبريل عليه السلام قد أتى إبراهيم عليه السلام وعلمه مناسك الحج قبل أن يطلق دعوته العالمية بالحج في العالمين. ويروي ابن كثير في تفسيره عن مجاهد أن جبريل عليه السلام جاء إلي إبراهيم عليه السلام بعد أن أتم رفع القواعد؛ و"أخذ بيده فأخرجه فانطلق به إلى الصفا قال هذا من شعائر الله ثم انطلق به إلى المروة فقال وهذا من شعائر الله ثم انطلق به نحو منى فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة فقال كبر وارمه فكبر ورماه ثم انطلق إبليس فقام عند الجمرة الوسطى فلما جاز به جبريل وإبراهيم قال له كبر وارمه فكبر ورماه فذهب الخبيث إبليس وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئًا فلم يستطع فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام فقال هذا المشعر الحرام فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات قال قد عرفت ما أريتك قالها ثلاث مرات قال نعم"(ابن كثير؛ تفسير ابن كثير؛ج1؛ ص 184و185).
كما روي ابن كثير رواية أخري في هذا السياق عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما: "قال إن إبراهيم لما أرى أوامر المناسك عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه إبراهيم ثم انطلق به جبريل حتى أتى به منى فقال هذا مناخ الناس فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم أتى به إلى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب فأتى به جمعا فقال هذا المشعر ثم أتى به عرفة فقال هذه عرفة فقال له جبريل أعرفت"(ابن كثير؛ ص 185).
وظل الناس يحجون علي تلك الطريقة التي عرف بها إبراهيم عليه السلام المناسك، كما بينا في الروايات السابقة، وكذلك كان إسماعيل عليه السلام وأبناءه، ومن سكن البيت معهم من جرهم، ومن آتاه حاجًا في زمانهم، إلي أن تبدلت الأمور بتعاقب السنين، وخفى عن الناس أصل نسكهم والغاية منه، واتخذوا من الحجارة أصنامًا، لأسباب متعددة، إلا أن قصد البيت العتيق الذي هو المعني اللغوي للحج ظل جاريًا في موسم سنوي، فيقصده من كان حنفيًا ـ علي دين إبراهيم عليه السلام ـ ويقصده الأعراب من كافة بقاع الأرض.
والعرب في الجاهلية؛ كما يقول جواد علي في مصنفه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"؛ كانوا على أديان ومذاهب، فمنهم من آمن بالله، ومنهم من آمن بالله وتعبد للأصنام تحت زعم أنها تقربهم من الله، ومنهم من تعبد للأصنام زاعمًا أنها تضر وتنفع، ومنهم من دان باليهودية والنصرانية، ومنهم من دان بالمجوسية، ومنهم من توقف، فلم يعتقد بشيء، ومنهم من آمن بتحكم الآلهة في الإنسان في الحياة فقط، وببطلان كل شيء بعد الموت.
فرغم مظاهر الشرك التي سادت شبه الجزيرة العربية؛ ظل الحج في موسمه، لكن كعادةٍ أو تقليد؛ فالدين في اللغة: هو العادة والشأن، وكما تقول العرب: ما زال ذلك ديني: أي عادتي، والدين قد يكون في كلامهم أيضًا بمعنى الطاعة والتعبد؛ فمنذ العصر الجرهمي والعربي حريص علي أداء مناسك الحج في وقتها المعلوم، فقد ميز الشهر الذي يكون فيه الحج عن أسماء الأشهر الأخرى باسم "ذي الحجة"، وباسم "شهر الحج"، وكما يذكر جواد علي في "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" أن النصوص الجاهلية أوردت اسم شهر يعرف بـ"ذ حجتن"، أي: "ذي الحجة"، "فكل الأفعال الدينية القديمة لها تجسيد مادي، وهو أمر لم يترك لاختيار العابد، بل تحكمه قواعد محددة، فهي لا تمارس إلا في أماكن محددة، وفقاً لآليات محددة"(سميث؛ محاضرات في ديانة الساميين؛1997م؛ ص98)، ومهما كانت العقيدة التي يدين بها العربي فإنه كان يأتي البيت؛ كما تقول أبكار السقاف:
"من أعماق الصحاري وأطراف البوادي كان العربي في غضون هذا العصر يقبل ساعيًا يسعى بالبيت ويطوف به سبعًا تتركه العقيدة بأنه إنما قد أقبل للإله زائرًا ومن ثم كان حرصه علي أداء أصول الزيارة.. ولما كانت أصول هذه الزيارة تنحصر في إتباع ما قد شرعه السلف من شعائر تنحصر في الإحرام والوقوف بعرفة والمزدلفة وهدي البدن وسائر المناسك حتى المناداة والتلبية فقد كان العربي يحرص علي القيام بأداء هذه الأحكام التي كان يختتمها بالتهليل وبالتلبية التي تحتم عليه، إذا كان صابئًا، أن ينادي:
لبيك إن الحمد لك *** والملك لا شريك لك
إلا شريك هو لك *** تملكته وما ملك"(السقاف؛ الدين في شبه الجزيرة العربية؛ج4؛ 2004م؛ ص 41).
وكان الذي غيَّر نص التلبية في العصر القرشي؛ هو عمرو بن لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الخزاعي، عندما تمثل له إبليس بذلك.
والروايات التاريخية تخبرنا أن موسم الحج في الجاهلية كان موسمًا ثابتًا؛ هو الربيع على رأي كثير من المستشرقين؛ أو الخريف على رأي المستشرق ولهوزن؛ وذلك بسبب ما ذكر عن النسيء ومن رغبة قريش وغيرها في أن يكون في وقت محدد سنويًا. وقد ذهب المستشرق ولهوزن وغيره إلى تعدد بيوت الأرباب التي كان يحج إليها الجاهليون في شهر ذي الحجة، وإلى عدم حصر الحج عند الجاهلين بمكان واحد. فلم يكن الحج؛ بمعناه اللغوي وكتقليد شعائري متبع؛ إلى مكة وحدها، بل كان إلى مواضع عديدة ذكر ابن الكلبي ـ كمصدر رئيسي ـ الكثير منها، وسرد جواد علي في "المفصل" وغيره بعضها نقلاً عن ابن الكلبي والطبري وغيرهما. فكان لكل قبيلة أو مجموعة من القبائل مواضع بها أصنام يقدسونها ويتقربون إليها الحج والذبح والطواف، وقد قدم لنا ابن الكلبي في "الأصنام" والطبري وغيرهما من الدلائل علي وجود بيوت لبعض الأصنام كان الناس يزورونها ويتقربون إليها ويذبحون عندها ويطوفون حولها ويلبّون تلبية الصنم الذي يطوفون حوله. مثل بيت اللات في الطائف، وبيت العزُى على مقربة من عرفات، وبيت مناة، وبيت ذي الخلصة، وبيت نجران، وغيرها.
وكذلك اختلفوا في التلبية كما اختلفوا في الإهلال بالحج، فقريش كانت تلبيتهم: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك". وتلبية من أهل من العزى هي: "لبيك اللهم لبيك، لبيلك وسعديك، ما أحبنا إليك". وتلبية من هل من الات هي: "لبيك اللهم لبيك، لبيك كفى ببيتنا بنية، ليس بمهجور ولا بلية، لكنه من تربة زكية، أربابه من صالحي البرية". وكانت تلبية من أهل شمس هي: "لبيك اللهم لبيك، لبيك ما نهارنا نجره، ادلاجه وحره وقره، لا نتقي شيئًا ولا نضره، حجًا لرب مستقيم بره". وكانت تلبية من أهل من ود هي: "لبيك اللهم لبيك، لبيك معذرة إليك". وتلبية عك، أنهم كَانوا إذا بلغوا مكة، يبعثون غلامين أسودين أمامهم، يسيران على جمل ويقولان: "نحن غرابا عك". وإذا نادى الغلامان بذلك صاح من خلفهما من أهل عك: "عك إليك عانية، عبادك اليمانية، كيما نحج الثانية، على الشداد الناجية". ويستعد الجاهليون للحج عند حضورهم موسم سوق عكاظ. فإذا انتهت أيام السوق، وأراد منهم من أراد الحج، ذهب إلى مجنة، فأقام بها إلى هلال ذي الحجة، ثم رحل عنها إلى ذي المجاز، ومنه إلى عرفة، فإذا كان يوم التروية، تزودوا بالماء وارتفعوا إلى عرفة. هذا بالنسبة إلى التجار، الذين كانوا يأتون هذه المواضع للتجارة. أما بالنسبة إلى غيرهم؛ كما يذكر جواد علي في "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"؛ فقد كانوا يقصدون الحج في أي وقت شاءوا، ثم يذهبون إلى عرفة للوقوف موقف عرفة، ثم يلتقون جميعًا بمزدلفة للإفاضة. وكان حج أهل الجاهلية يبدأ بالإهلال، يهلّون عند أصنامهم، ويلبون إليها، فإذا انتهوا من ذلك قدموا مكة، فكان الأنصار مثلاً يهلون لمناة في معبده، أي أنهم كانوا يغادرون يثرب إلى معبد الصنم، فيكونون فيه لمراقبة هلال ذي الحجة، فإذا أهلّوا لبوّا، ثم يسير من يسير منهم إلى مكة، لحج البيت. وفي العصر الجرهمي؛ فـ"كانت الإفاضة في الجاهلية إلي صوفة أخزم بن العاص، وكان له ولد تصدق به علي الكعبة يخدمها فجعل إلي حبشية بن سلول الخزاعي الإفاضة بالناس من أجل نذره الذي نذر، وكان إلي حبشية حجابة الكعبة وإمرة مكة فحينما يقف الناس في الموقف يقول حبشية: أجز يا صوفة فيقول صوفة أجيزوا أيها الناس فيجوزون، وولي الإفاضة بعده ولده أخزم الذي نذره للكعبة وقام بخدمتها مع أخواله من جرهم وأعقب أخزم علي الإفاضة ولده من بعده في زمن جرهم وخزاعة حتى انقرضوا"(رفعت؛ 1401ه/1981م؛ ص 315). وفي العصر القرشي صارت الإفاضة في عدوان بن قيس بن غيلان بن مضر. لهذا سميت أعمال الحج جميعها بالمناسك؛ "وأصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردد إليه إما لخير أو شر قال ولهذا سميت مناسك الحج بذلك لترداد الناس إليها"(ابن كثير؛ تفسير ابن كثير؛ ج 3؛ ص 234).
وظل أمر العرب علي هذا التقليد والأتباع في شأن الحج حتى عهد سيادة قريش علي البيت زمان قصي بن كلاب، "وكانوا علي دينين حلة وحمس، فالحمس قريش ومن والاها من كنانة وخزاعة والأوس والخزرج وقضاعة وجديلة وغطفان وعدوان وغيرهم من قبائل العرب سموا بذلك لتحمسهم في دينهم، والحماسة: الشجاعة، والأحمس: الشجاع أو لأنهم احتموا بالحمساء وهي الكعبة، وكانت قريش إذا زوجت عربيًا من بناتهم شرطوا عليه أن كل من ولدت منه فهو أحمسي علي دينهم يرون ذلك أحفظ لشرفهم وأبسط لسلطانهم"(رفعت؛ 1401ه/1981م؛ 308).
وكانوا يؤدون مناسك الحج، مع بعض التغييرات التي تطرأ علي أي عادة أو تقليد متبع ليس علي عقيدة، فمن جملة ما تركوا وغيروا عن سابقيهم الجرهميين، أنهم تركوا الوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة إلي الوقوف بالقرب من الحرم جهة نمرة، وعن عائشة قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة.
وكانوا لا يسمحون لأحدٍ من الذين يدينون بالحلة أن يطوف بالبيت العتيق إلا إذا لبس ثوبًا من ثياب أحمسيًا، سواء بالشراء أو بالإيجار(رفعت؛ 1401ه/1981م)، وعدد أشواط الطواف حول الكعبة عند الجاهليين سبعة أشواط، فقد كان الطواف سبعة أشواط مقررًا عند غير العرب أيضًا، والعدد سبعة هو من الأعداد المقدسة المهمة عند الشعوب القديمة. والروايات التاريخية تذكر أن الطائفين بالبيت كانوا على صنفين، صنف يطوف عريانًا، وصنف يطوف في ثيابه. ويعرف من يطوف بالبيت عريانًا بـ"الحلة"، أما الذين يطوف بثيابهم، فيعرفون بـ"الحمس"، وأضافت بعض الروايات التاريخية إلى هذين الصنفين، صنفًا ثالثًا قالوا أنه "الطلس"؛ وقد وصفهم محمد بن حبيب بإنهم بين الحلة والحمس، يصنعون في إحرامهم ما يصنع الحلة، ويصنعون في ثيابهم ودخولهم البيت ما يصنع الحمس. وكانوا لا يتعرون حول الكعبة، ولا يستعيرون ثيابًا، ويدخلون البيوت من أبوابها، وكانوا مع الحلة ويصنعون ما يصنعون، وهم سائر أهل اليمن، وأهل حضرموت، وعك وعجيب، وإياد بن نزار.
ويحكي ابن كثير عن طواف العراة بالكعبة وسببه، فيقول:
"وكانت العرب ما عدا قريشًا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها وكانت قريش وهم الحمس يطوفون في ثيابهم ومن أعاره أحمسي ثوبًا طاف فيه ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ومن لم يجد ثوبًا جديدًا ولا أعاره أحمسي ثوبًا طاف عريانًا"(ابن كثير؛ تفسير ابن كثير؛ ج2؛ ص 209).
ويعلل إبراهيم رفعت وجود طواف العراة بالبيت في الجاهلية، "فإذا ما أتي الواحد منهم [يقصد من يدين بالحلة] باب المسجد رجلاً كان أو امرأة قال: من يعير مصونًا من يعير ثوبًا إلخ فإن وفق لثوب أحمسي لبسه وطاف به وإن لم يوفق ألقى ثيابه بباب المسجد من الخارج ثم دخل عريانًا فيبدأ بأساف ـ صنم ـ ليستلمه ثم يستلم الركن الأسود ثم يأخذ عن يمينه ويطوف جاعلاً الكعبة عن يمينه فإذا ختم طوافه سبعًا استلم الركن ثم استلم نائلة ـ صنم ـ فيختم به طوافه ثم يخرج فيجد ثيابه كما تركها لم تمس فيأخذها"(رفعت؛ 1401ه/1981م؛ ص 310).
ويبدو أن مثل هذه الروايات عن طواف العراة بالبيت، وما قيل في تعليل سواد الحجر الأسود، من أنه أسود ـ علي زعم بعض الروايات ـ من حيض النساء عليه، قد جعلت البعض يغالي في تصوراته الذهنية؛ التي لا يوجد سند حقيقي يرجحها؛ بأن يذهب إلي تصور وجود عبادة جنسية كانت منتشرة في شبه الجزيرة العربية، ومركزها الكعبة المشرفة.
ولعل ما ذهب إليه سيد القمني في مصنفه "الأسطورة والتراث"، من تصور وجود عبادة جنسية مركزها مكة(القمني؛ الأسطورة والتراث؛1993م)، مشيدًا تصوره هذا علي استنتاجات لغوية لا تصلح لأن تكون دليلاً قاطعًا علي وجود مثل هذه العبادة، ومستندًا علي روايات ضعيفة قد يسردها المؤرخون والمفسرون في كتبهم في سياقات تنفي وجودها وتثبت ضعفها، ومعتمدًا علي استنتاجات بعض المستشرقين الذين لم يقفوا علي حقيقة الأمور في شبه الجزيرة العربية في تلك الأزمنة المبكرة، وكذلك مقولات وكتابات لفرويد وغيره يدعي برويها ـ سيد القمني ـ علمية منهجه وموضوعيته، وقد أثبت علم النفس الطبي تجاوزه لهذه المقولات والكتابات التأسيسية في علم النفس وما بها من مغالطات تعود لأنها كانت محاولات تأسيسية أثبتت التجارب العملية والاستنتاجات النظرية اللاحقة قصورها. كل ذلك وهو يقيم علي نفسه الحجة، بأن ما يذهب ـ سيد القمني ـ إليه من تصورات هو محض ترجيحات لا حقائق يمكن للباحث الركون إليها وإلي صحة زعمها، إذ يقول القمني شاهدًا علي نفسه:
"الحقيقة أننا لم نعثر بهذا الصدد [أنثوية الإله المعبود وتأسيسه اللغوي] علي مؤيدات واضحة، إنما عثرنا علي ما يضع الأمر موضع الترجيح، فقد جاءت لنا النصوص القتبانية بأسماء نساء دخلن سلك الكهنة وقدمن أنفسهن كمنذورات للمعابد، كما جاءنا نقش من معين يصور إلهة علي هيئة امرأة تحمل سنابل في يدها اليسري، وتنشر الخير فوق الجميع بيدها الأخرى"(القمني؛ الأسطورة والتراث؛1993م؛ ص 121).
والنقوش التي حاول القمني أن يرجح بها زعمه، إنما هي تنتمي لسياقات علي أطراف الجزيرة العربية ـ إذا ثبت صحة رويه وعدم اقتطاعه من السياق النصي للنقش ـ يمكن أن تتأثر بسياقات حضارية أخري متاخمة لهذه الأطراف يوجد بها ما يدعيه من عبادة الأنثى، غير أنه لا يثبت وجود مثل هذه العبادة بشعائرها الجنسية بشكل مركزي في مكة؛ ولا يسمح السياق السردي لتاريخ الحج بمناقشة مثل هذه الأمور أكثر من هذا.

مراجع هذه الحلقة:
1. إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ دار المريخ ـ الطبعة الثانية ـ الرياض ـ 1401ه؛ 1981م.
2. أبكار السقاف ـ الدين في شبه الجزيرة العربية ـ سلسلة نحو آفاق أوسع ـ الجزء الرابع ـ دار الأنتشار العربي ـ الطبعة الأولي ـ بيروت ـ لبنان ـ 2004م.
3. ابن الجوزي ـ زاد المسير ـ المكتب الإسلامي ـ الطبعة الثالثة ـ بيروت ـ لبنان ـ 1372ه.
4. ابن كثير ـ تفسير ابن كثير ـ دار الفكر ـ دمشق ـ 1401ه.
5. السيوطي ـ الدر المنثور ـ دار الفكر ـ دمشق ـ 1993م.
6. الشوكاني ـ فتح القدير ـ دار الفكر ـ مصر ـ بدون تاريخ.
7. جواد علي ـ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ـ المؤلف ـ الطبعة الثانية ـ بغداد ـ العراق ـ 1413ه/1993م.
8. روبرتسن سميث ـ محاضرات في ديانة الساميين ـ ترجمة : د. عبد الوهاب علوب ـ المشروع القومي للترجمة ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة ـ مصر ـ 1997م.
9. سيد القمني ـ الأسطورة والتراث ـ سينا للنشر ـ الطبعة الثانية ـ القاهرة ـ مصر ـ 1993م.
10. عبد الناصر بليح ـ الكعبة ودور آل سعود في تطويرها ـ العلم والإيمان للنشر والتوزيع ـ الطبعة الأولي ـ دسوق ـ كفر الشيخ ـ مصر ـ 2003/2004م.
11. محمد إبراهيم الفيومي ـ في الفكر الديني الجاهلي ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ مصر ـ بدون تاريخ.
12. هشام بن محمد بن السائب الكلبي ـالأصنام ـ دار الكتب المصرية ـ الطبعة الثالثة ـ القاهرة ـ مصر ـ 1995م.

التعليقات