الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

أسطورة مونديال البرازيل 2014: ولمسُهَا بالأيدي بين اللاعبين حرامُ.

الكاتب : بدر غياتي

أسطورة مونديال البرازيل 2014: ولمسُهَا بالأيدي بين اللاعبين حرامُ.

~ بقلم : بدر غياتي ~

ليس صدفة أن أتواجد بالقرب من الكأس الغالية .. لكني للأسف لا أستطيع لمسها .. ترى من منعني من حلمي اللذيذ؟ ميسي Messi حكاية من بين فرسان الساحرة المستديرة، ولام Lahm الألماني القصير المكير، يلمس الذهب وهو يحاول استرجاع الذاكرة!! يحمل المجد الجديد الذي أطل على ألمانيا التي كانت بالأمس القريب ممزقة، لكنها جمعت ولملمت وأدت وأقنعت في بطولة لم تقنع أحدا بمستواها .. الكل تائه في سطوة اللحظة .. تناقض اللحظة بتناقضات العالم .. القديسون بأمجادهم يتحدثون .. وحكاية متكررة لأبطال تتكسر أحلامهم عند شواطىء المجد، فيم آخرون يدخلون قصورالأمجاد والتتويج ..

أعشق القدم اليسرى .. قدم السفاحين الذين لم تتم محاكمتهم على جرائمهم الكروية .. القدم الآتية من بعد زمكاني آخر .. ونتحول إلى طقوس العبادة والخشوع في محراب الساحرة المستديرة، ونصير شياطين في محراب الصلاة، بعدأن نوحد الآلهة الكروية، ونلقي بطقوس الإيمان والصيام، ونكفر أعدائنا في مضمار التنافس في شغف اللعبة، حيث يتحول الفوز عبادة مقبولة يفوز بحسناتها أصحاب الفريق الفائز، ويصير الجميع في فسطاطين، منقسمين كل يلقي بالآخر في دائرة الكفر والزندقة .. والفرق تتهاوى كلها كأحصنة تتعب وأخرى تصاب وبعضها يصر على إكمال عقد المجد وصعود المنصة ...

القدم اليسرى، خلقها الله بخواص متفردة في بلد القدم الأسطورية القادمة من بلاد الفضة "الأرجنتين" .. بلاد "ماريو كيمبس Mario Kempes" 1978، والأسطورة الحية مارادونا D.A.Maradonna 1986، والقادم من بعيد بسحر قدمه الوراثية ''دي ماريا Di Maria" .. إنها بلاد "الأعسر De Zurda"، وبلاد "الرابونا Rabona" .. بلاد راقصي التانغو، بلاد الفضة التي تنتج الذهب، منجم للاعبين لا ينضب معينه ... الذين ذابوا كفص الملح في بحور الألمان .. الذين ليس لهم أمان .. لا أمان مع الألمان .. آلات تحصد بدون رحمة .. تؤدي دورا هتلريا جديدا في حرب كأس العالم التي تخوضها شعوب كروية هذه المرة، لا دور فيها لتنديدات "بان كيمون Ban ki moon" السخيفة، الذي لم يعد أحد يهتم لكلامه أو مقامه، وصرنا نخاف على صحته من كثرة قلقه على الأوضاع في بؤر التوتر، ومن لازمته المتكررة مثل تغيير الطفل لحفاظاته '' ندعو الأطراف لضبط النفس ..'' ، أو حوارات الطرشان العقيمة في مجلس الأمن، ولا ينبري أحد للخروج للتنديد إذا قصفت مرماك بسباعية أو حتى عشارية مثلما حدث لأهل الدار '' السحرة البرازيليون: بعد أن أبطل السحر وانقلب السحر على الساحر"، بل فقط صمت رهيب، وأقلام صحفية لاذعة، ومقامرون أو معربدون أو سكيرون في المقهى أو في الحانة، يأبون العودة للبيت، وكأن على رأسيهما الطير، وكأن البورصة حيث يملكان أسهما فيها قد أحرقت من طرف مجهول، بأسلحة المهارات والخطط الدفاعية والهجومية، وبفرسان يحملون أعلاماً فوق صواري السفن التي أبحرت صوب بلاد السحرة كي تغنم بقراريط الذهب .. من عيار 18، لمصممها الإيطالي ''سيلفيو غازانيغا Silvio Gazzaniga"..

إنها ''كأس عالم معولمة Coupe du monde mondialisée''، تركت أشلاء المتصارعين على الذهب والثروات الطبيعية، في جنبات الملاعب قبل أن تنتقل تلك الأشلاء إلى المشافي ليعاد ترميمها وعلاجها التلطيفي، وتنسى مداعبة الكرة لشهور، لكنها الهوس يجعلها تصرعلى العودة المظفرة بغية تكرار نفس المخاطرة، وشروى المغامرة ...

كأس بين منكسرين داخل وخارج البساط العشبي، متكسرين بكسور ومكسِرين للجماجم بهاماتهم أو بضرباتهم اللعينة، ومكسَرين في فقرات ظهوهم تظهر لهم النجوم في رابعة النهار، ولا أدري هل هناك فرق بين عضاض ومكسر للعظام؟ وماذا تقول قوانين بلاتر الحاكم يأمر الله في دولة المملكة الكروية؟؟؟ وكأنها أعطاب اضطرارية، لكن المدربين المتضررين وهم يقودون عربة الفريق، قد تعوزهم قطع غيار أصلية ملائمة ، حينما تشتد وكداء السفر إلى النهائي الحلم .. لأنها تقضي على حلم النجوم الذي يروى بشغف اللعبة. وبين عضاض من طينة "سواريزكولا" الذي أسف على تصرفه الجميع إلا أنا لأنها لغة بان كيمون ، واستحق عقابا لا أظن أنه سيشفي غليلي أو غليل الإيطالي ''جورجيو كيلليني Giorgio Chiellini"، وخروج من باب صغير لأبطال النسخة السابقة ''الماتادور الإسباني : الأهوج هذه المرة"، بعدما كانوا ''أبطالا Des héros''قبل أربع سنوات، وصاروا قمحا ناعما وطريا في دوامة الطواحين الهولندية، عادوا بعدها أدراجهم ''أصفارا Des zéros" شديدة الدوران في سبورة الملعب وكأنها ثيران تافهة تائهة، تنتظر أن يجهز عليها مصارع الثيران في الحلبة، في ملعب عشبي غدا جحيما تحت أقدامهم ...

جاءت الفرق الكبرى الأخرى كفرنسا وانجلترا وإيطاليا والبرتغال، كضيوف شرف لا غير ولا ضير، وكأنها في فسحة صيفيةعلى الطرف المقابل من الكرة الأرضية، قضتها في فنادق أرض الأمازون، وفضلت أن تسخو بمجدها على فرق مغمورة، فظل العيب يلازم لاعبيها حتى جاءت رصاصة الرحمة على يد فرق عتيدة غرقت في بركها، وكُشِفَتْ سوءاتها وعيوبها، وتم طردها خارج المسابقة غير مأسوف عليها ... وثلة من الفرق المغمورة نافست كأحصنة سوداء، لكنها أصرت على العودة لبلدانها كي تحتفي بالخروج المشرف، وكي تُنْسِيَ الجماهير الغاضبة شظف العيش وغلاء الأسعار وبالمقابل رخص البشر .. في سوق النخاسة .. وكأن الدول الفاشلة تستلذ طعم الخسارة بما يشبه ''Euphémisme '' أو تحسين وتجميل القبيح، الذي يحوله السياسيون بذكائهم لحفلة يدعون فيها الجميع، كي يرقص رقصة الوداع فوق جثة التعاسة التي ما تلبث أن تستيقظ في الصباح ..

يتحدثون عن عدم أحقية ميسي – ليس دفاعا عنه أو غيره- للقب أفضل لاعب في البطولة، لكنهم نسوا أن اللقب يعود دوما للاعب الخلوق الذي يصل النهائي!! وزيدان قد حرمه في صائفة 2006 بعدما أسقط بنيان ‘’ماتيرازي ‘’Matterazzi المستفِز بضربة نُحِتَتْ لها التماثيل، رغم تفوقه على كانافارو بالكثير، أول مدافع يفوز بالجائزة. صحيح أن ميسي لم يؤد بشكل مبهر في النهائي، ويتحدث الجميع عن ظلم طال الجائزة ... وكأن صنوف مغامراته في كسر أعناق المدافعين قد طالها النسيان، وتُركت على الرفوف، وأن له الفضل في وصوله للنهائي مع فريقه، بعد موسم فاشل مع الفريق الكطلوني ... وقد نسي الجميع أن البطولة باهتة من الأصل والفصل، سواء من حيث الفرجة أو من حيث الإبداع في التنظيم... مثل كل شيء صار باهتا وزجاجيا هلاميا في هذا العالم الموبوء .. حيث شربة الماء أضحت موضوعا للحرب في دواليب عصبة الأمم بصيغتها الديكتاتورية الجديدة ..

النفاق الكروي ليس له حدود عند الجماهير من الفايسبوك ومرورا بالمقاهي إلى الملاعب نفسها، يتتبع الجميع بحب قل نظيره نجومهم وفرقم، ويحسدون الفرق الأخرى والنجوم الآخرين ويناصبونهم العداء، حتى لو لعبوا أفضل من فرقهم! وقد يحدث أن يقصى فريق أحدهم، فيتحول إلى تشجيع فريق لا يعلم عنه شيئا سوى كونه أكبر مصدر للموز في العالم ''كوستاريكا مثلا"، لئلا يفوز الآخر بشيء حُرم منه فريق أحدهم؛ أو أن يتحول فجأة أحدهم لنصرة ميسي ولو لم يحب الأرجنتين يوما، ولا علم شيئا عن تاريخها، أو لتشجيع رونالدو فقط لأنه مدريدي متشبع بتطرف الكرة - ذاك السم اللعين- الذي يغذيه الإنسان كعادته بجشعه وأنانيته، ورغبته في الفوز بكل شيء .. إنه ذكاء الغباء، وسيكولوجية إنسانية مريضة .. تدفع بالشخص للدفاع عن اللاعبين بسيف لساني سليط، وكأنه أحدهم زميل قديم تشارك معه برودة الجو في ليالي الشتاء، والبلل والرعشة، أو أنه رجل أعماله الذي كلفه بالتفاوض، وفي حقيقة الأمر الأَمَرِّ، أنه لا ينافح سوى عن رأيه المتعجرف، وثقافته الكروية الضحلة والفقيرة ..

الدول المسلمة شاركت بفريقين، قدما أحسن ما لديهما ''إيران والجزائر'' -مع فارق طبعا - بلد سني وآخر شيعي، من معكر محور الممانعة ''في قول الحق"، هكذا صرنا أمام العالم في السياسة وكذلك في زمن القدم .. وقد برع محاربو الصحراء أو ''ثعالبها Les Fennecs'' من منافسة أصحاب اللقب بشراسة العربي والمسلم التي فقدناها منذ زمن في مفاوضات السياسة، وبعد أن مللنا من أحكام التاريخ واسقاطاته الاهتزازية الثقيلة علينا بمقولة " الإنسان عربي كائن شفوي" الذي يبحث عن النماذج الذرائعية، الآن وقد صار البون واضحا كاسحا، وأن لا فضل لأحد على على أحد إلا بالتقوى في جميع الميادين .. فقط علو الهمة والاستعداد يخلق الفارق ..
القيدوم هو بلاتر ، ذاك الوجه المألوف فوق كرسي مؤسسة عالمية عريقة، تحرس العقيدة الجديدة والأفيون الجديد اللذيذ الذي لا يسأم أحد من خلطه بنكهة الانتظار والترقب والمراهنة والصياح والعشق والعاطفة التي تغلب على الخطط وآراء المدربين واختياراتهم، حيث يصير الجمع المتحلق حول المرناة''التلفاز" مدربا عن بعد ''Entraîneur freelance"، وتنتقل الصراعات المذهبية الكروية تلقى بالصرعى بعد أن تنتقل إلى الفضاء الأزرق، وينسى الجميع، بأن زمام الأمور هي للمدربين ولأرجل اللاعبين، معتقدين أنهم يمارسون رياضة الأصابع "Play Station" التي يتحول فيها الذي لا يمارس الكرة واقعا إلى هداف بارع، وإلى قيدوم فريق يعانق الألقاب بلا هوادة، وينفس عن نفسه كربة عدم براعته في لعب كرة الأرجل .. وينسى ضحكات زملائه واستهزاءاتهم المرة، وهو يستعرض مهارات غبية أو يرفس الكرة بعيدا ويلقي بها إلى جهنم .. أو يلقي بها في مكان تعود منه فارغة من الهواء، فيطلق ساقيه للريح فاسحا المجال لساقيه في ممارسة رياضة الجبناء ..

ميسي الأسطورة المَرْوِيةُ في حكايات ألف ليلة وليلة الكروية .. لكنها كانت ليلة يألف ليلة .. ليلة حالكة ... دمعت فيها مآقي الكرة وقلوب المشجعين .. والأعسر جَاَنبَ التاريخ .. وترك فسحة للألمان كي يتربعوا بعد أن ملوا من دور الوصافة ومن برونزيات متكررة طعمها صارا مرا مع الأيام ..

فيليب لام يتشارك حمل شارة العميد مع الدهقان "ميسي" ويتشاركان قصر القامة، وتاريخاً للأبطالِ لا ينمحي بسرعة. تشاركا نهائيا فيه تقاطعات ومصادفات .. رئيسة للأرجنتين، ومستشارة ألمانية، فوق أرضِِ تحكمها أيضا امرأة ونون النسوة .. نسوة أصبحن قريبات من رياضة كانت حكراً على الرجال في وقت مضى، مثل السياسة .. و"فيليب لام Philipp Lahm" يحمل الكأس اللامعة الصفراء الذهبية، يعيد شرف أجداده في اللعبة الذين حملوها أول مرة في صائفة 1974 .. وتحرم أهل البلد المضياف في حق الغرباء والعولمة، والقاسي في حق شعبه الفقيرالذي لا يملك شروى نقير يقيم أوده، وربما دعوات المستضعفين قد نالت من السياسيين وألاعيبهم، وأسقط في أيدي منتخب ظل يبنى ''وهما مريحا Château en carte''، لبس لبوس
قضى نحبه أمام جزار ألماني لا يعرف الرحمة هو الآخر، مثل شرطة ريو دي جانييرو ... وألصق العار ببلد الكرة والسحرة وبشواطئ " كوبا غابانا copa gabbana"، وكذا بتمثال المسيح الفادي الذي يطمئن البرازيليون وهم يرونه يحمي المدينة من سخط ولعنة قادمتين، لكنهم نسوا أنه الله في عليئه لا يصطبر على ظلم العباد للعباد ..

وما بين خيبات السياسة وخيبات كرة القدم .. خيط ناظم وعامل مشترك؛ الأحزان في المآقي والدموع مثل السواقي ..
خيوط حكاية كأس تنقضي، تتسلل إلى العدم .. تقطع وعدا جديدا في أرض الدب الروسي في سنة 2018، وفي كنف الرجل المضياف ''بوتين Poutine" الذي يستضيف أهل الملفات الساخنة، وسخونة أجواء المدرجات الكروية مستقبلا وهو السياسي الصنديد القابع فوق المصالح ..

يُنْفَضُ الغبار عن رواية تتكرر كل أربع سنوات، عن ملحمة أسطورية لم تُدَون بالكامل بعد .. أبطالها مزيفون وحقيقيون.. يسدل ستارُ مسرحها المعشوشب .. ليطالها غبار جديد .. وتفتح صفحة جديدة بعد أربع سنوات قادمة...

لا تحزموا حقائبكم، فخلف كل كأس عالم يموت، كأس عالم جديد، و"سيزيف" الأسطوري لم تعد على أكتافه الصخرة الكروية ، بل أصبح يحملها أطفال يولدون على أطراف الشوارع في الضفة الأخرى من عوالم الفقر المدقع، في القارات الخمس، ثمة في مكان ما حيث يتصايحون بلقب بطل جديد على غرار ميسي أو رونالدو وغيرهما، بعد أن تحملهم رياح الإعتزال .. يقلدونهم في كل شيء .. وهم يتقاذفون كرة كرتونية، بلا أمجاد وهم حالمون بغد أفضل قد يتحقق أو لا يكاد مثل سراب، وهم لايبالون، يحملون أحلاما صغيرة كأجسادهم الطرية .. فِيمَ أهلهم ينتظرون الإغاثة من المنظمات العالمية .. دموع فرح وحزن في الجنوب وأخرى في الضفة الشمالية لنصف الكرة الأضية، التي تهاتفني يوميا وهي تعطس وتسعل جراء المرض ..

البون شاسع وتدركه الأفهام .. لكن رياضة الأبطال تلد الأبطال من رحم المعاناة ... كي يذرفوا دموعا من حدقات جديدة بالقارة العجوز .. مهد اللعبة، التي لم تعد مجرد لعبة ... أكتب هذه السطور وغزة صارت تعبد الموت ... إلى أن تستيقظ الأمة النائمة من شخيرها.. حتى إشعار آخر..

ومع كل دمعة وفرحة في النهائي الحلم مثل أيام الدنيا، ومع بطل جديد .. حكاية جديدة أيضا مع المعشوقة الكروية .. تمر حكايتي من فج إلى فج ، ومن بلد لبلد .. تتقاذفها الأقدام والهام .. من أجساد الأبطال، وخلف دروب الرواية ، يبرز اللاعب الأعظم وهو الإنسان، يسافر على راحلته قاطعا الأمكان والأزمان، ومخلفا وراءه ذكريات تصنعها كرته، كل مونديال كروي وأنتم بخير. ♥♥
~ تحياتي الكروية~ من حكاية كأس العالم 2014.
▬▬▬▬▬▬▬▬
©(بدر غياتي 2014)

التعليقات