الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الإيجارات القديمة في مصر، تراكمات وتشريعات

الكاتب : تامر المغازي

يمضي الزمن ويجري تحولاته على جدران العمارات والبنايات القديمة في مصر، وكما يرسم الزمن خطوطه على جدران العمارات العتيقة تجده يرسم خطوط حزنه على وجوه ملاك العقارات القديمة، وترحل حكومات وممالك وتخبو جمهوريات و زعامات وتقوم ثورات بينما يعاني أصحاب العمارات وملاك العقارات من مشكلةٍ مزمنةٍ لم تنجح أي حكومة ولا نظام سابق في حلها طيلة السنوات الماضية، حيث باتت القيمة الإيجارية للعديد من الشقق السكنية في مصر اليوم أقل ربما من سعر كيلو واحد للخضر والفاكهة أو حتى قطعة حلوى يشتريها الأطفال.
وكانت بداية الأزمة - غير المحسوسة وقتها - عندما صدرت عدة قوانين بعد قيام ثورة يوليو ورحيل الملك فاروق عن حكم مصر، وتتابعت القرارات لعدة أعوام خلت، وكان كل قرار يقضي وقتها بخفض الإيجارات بنسبة 15%، وكان أول القرارات يختص بتخفيض الإيجار للأماكن التى أنشئت منذ أول يناير 1944 وحتى 15 سبتمبر 1952 إعتبارا من إيجار شهر أكتوبر 1952 بما قيمته 15%.

تبع ذلك تخفيضان آخران في قيم الإيجارات العقارية المصرية بقيمة ١٥% ثم ٣٥%، ونتج عن ذلك أن إقتربت بشدة القيم الإيجارية بغض النظر عن موقع العقار، فالقيمة في مصر الجديدة وجاردن سيتي تقترب من بولاق والسيدة زينب، ثم ألغى مادتين من قانون ١٢١لسنة 1947 وهو الإلغاء الذي حرم حق المالك فى السكن بعد وفاة المستأجر وحقه فى الهدم وإعادة البناء.
وإستمرت الأمور كما هي حتى نهاية حكم الرئيس محمد أنور السادات، الذي أصدر القانون ١٣٦ لعام ٨١، والذي نص على أنه لا يجوز للمؤجر ان يطلب اخلاء المكان ولو انتهت المدة المتفق عليها فى العقد الا لاحد الاسباب الاتية :
1-الهدم الكلى او الجزئى للمنشات الايلة للسقوط والاخلاء المؤقـت لمقتضيات الترميم والصيانة وفقا للاحكام المنظمة لذلك بالقوانين السارية .
2-إذا لم يقم المستاجر بالوفاء بالاجرة المستحقة خلال خمسة عشر يوما مـن تاريـخ تكليفه بـذلك بكتاب موصى عليه مصحوب بعلم الوصول دون مظروف او باعلان علـى يـد محضر ولا يحكم بالاخلاء اذا قام المستاجر قبل اقفال بـاب المرافعة فى الدعوى باداء الاجرة وكافة ما تكبده المؤجر من مصاريف ونفقات فعلية .
ولا ينفذ حكم القضاء المستعجل بطرد المستاجر مـن العـين بسبب التاخير فى سـداد الاجرة اعمالا للشرط الفاسخ الصريح اذا ما سدد المستاجر الاجرة والمصاريف و الاتعاب عـند تنفيذ الحكم وبشـرط ان يتـم التنفيذ فـى مواجهة المستاجر .
فاذا تكرر امتناع المستاجر او تاخره فى الوفاء بالاجرة المستحقة دون مبررات تقدرها المحكمة حكم عليه بالاخلاء او الطرد بحسب الاحوال .
3- اذا ثبت ان المستاجر قـد تنازل عن المكان المؤجر , او اجـره من الباطن بغير اذن كتابى صريح مـن المالك للمستاجر الاصلى , او تركـه للغير بقـصد الاستغناء عـنه نهائيا وذلك دون اخلال بالحالات التـى يجـيز فـيها القانـون للمستاجر تاجـير المكان مفروشـا او التنازل عـنه او تاجـيره مـن الباطن او تركـه لـذوى القربى وفقا لاحكام المادة 29 من القانون 49 لسنه 1977 .
4- اذا ثبت بحكـم قضائى نهائى ان المستاجر استعمل المكان المؤجر او سمـح باستعماله بطريقة مقلقة للراحـة او ضـاره بسلامة المبنى او بالصحـة العامة او فـى اغراض منافية للاداب العامة .
وإستمرت الأمور على حالها إلى أن جاء الرئيس مبارك وأصدر القانون رقم ٤ فى ٣٠ يناير عام ٩٦، الخاص بالإيجارات الجديدة والذي بدأ العمل به اعتبارا من‏31‏ يناير‏1996‏ بشأن سريان القانون المدني علي عقود الإيجار اللاحقة علي العمل به‏,‏ والتي يطلق عليها عرفاً في مصر "الإيجارات الجديدة"، أما عقود الإيجار القائمة والمبرمة في تاريخ سابق علي سريانه في‏31‏ يناير‏1996,‏ فهي تخضع لأحكام القانونين رقمي‏1977/49‏ و‏1981/136,‏ والقوانين الصادرة قبلهما‏(‏ خاصة فيما يتعلق بالامتداد القانوني للإيجار وقواعد تحديد الأجرة‏).
وقد ترتب علي صدور القانون رقم‏1996/4‏ العديد من المشاكل القانونية التي ازدحمت بها المحاكم‏,‏ ومن أهمها تلك الناشئة عن انتهاء مدة الإيجار وبقاء المستأجر بالرغم من ذلك شاغلا للعين بدون سند قانوني وبدون الوفاء بالأجرة‏,‏ الأمر الذي ترتب عليه إحجام العديد من الملاك عن تأجير الأعين المملوكة لهم ولجوئهم إلي إغلاقها في وجه التأجير حتي بعد صدور القانون رقم‏1996/4.‏ ومع بقاء القيم الإيجارية القديمة التي تخضع لقوانين صدرت في عهدي الرئيسين عبد الناصر والسادات ونشوء قيم إيجارية جديدة بموجب القانون الذي صدر في عهد الرئيس مبارك صارت هناك شقة تستأجر بمبلغ ربما يقل عن العشرة جنيهات إلى جوار شقة أخرى تستأجر بقيمة تفوق الألف جنيه في نفس المنطقة السكنية بل وفي نفس العقار.

وقد عرض أحد الخبراء وهو الدكتور هشام عبد الصبور شاهين حلاً للمشكلة بطريقة مبتكرة تفضي لفتح العقارات المغلقة وتوفير عدد أكبر من الشقق لتكون متاحة للإيجار وبذلك يحدث إتزان بالسوق عندما يكون المعروض والمتاح أكثر من أو يساوي المطلوب، وتلخص الحل في الآتي:
لنفترض مثلا أن إيجار الشقة سبعة جنيهات، والمستأجر أو ورثته يدفعون هذا المبلغ منذ أربعين أو خمسين سنة، فتقوم الحكومة بوضع الجدول الآتي للسنوات الخمس التالية كالآتي:
السنة الأولى: يدفع المستأجر عشرة أضعاف القيمة شهريا، أي: 70 جنيه شهريا.
السنة الثانية: يدفع المستأجر ضعف قيمة العام الماضي، أي: 140 جنيه شهريا.
السنة الثالثة: يدفع المستأجر ضعف قيمة العام الماضي، أي: 280 جنيه شهريا.
السنة الرابعة: يدفع المستأجر ضعف قيمة العام الماضي، أي: 560 جنيه شهريا.
السنة الخامسة: يدفع المستأجر ضعف قيمة العام الماضي، أي: 1120 جنيه شهريا.
وكما يبدو من تاريخ القوانين المحددة للإيجارات في مصر فقد تغير حال المالك والمستأجر، مرةً يكون القانون في صالج المالك، ومرة يكون في صالح المستأجر، يجري ذلك تبعاً للظرف التاريخي والتوجه السياسي والإقتصادي للدولة، ويظهر جلياً أننا نفتقد لمنظومة تسير الأمور كلها في مصر ما بين رئيسٍ ورئيس، أو نظامٍ ونظام، ويبدو أكثر جلاءً أننا اليوم بحاجة إلى تعديلات تشريعية كثيرة تخص العلاقة بين المالك والمستأجر بوجهٍ خاص، فهي مشكلة تؤرق تقريباً كل بيتٍ في مصر، وبحاجة لحزمة أكبر من التعديلات التشريعية للقوانين المصرية، ويبدو أن هذا اليوم سيكون قريباً، فمن ضمن أول قراراتٍ إتخذها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قراره بتشكيل لجنة "الإصلاح التشريعي" والتي تختص بتعديل القوانين المصرية لتتواءم مع أحكام دستور مصر المعدل في مطلع العام الحالي.

التعليقات