الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

مجدي عبيد.. معادلة مسرحية جماهيرية


"الجيل ينسى كي يعيش
ويجئ جيل ثم ينسى كي يعيش،
يا هوله قدر الشواذ..
الأقوياء الذاكرة!"
(نجيب سرور: لزوم ما يلزم)

لقد تعرفتُ بـ(مجدي عبيد) منذ أكثر من ربع قرن، في ليلة لم يكن عمريّ وقتها قد جاوز الثانية عشر عامًا؛ هجرتُ ليلتها اللعب مع الأقارب من أجل الذهاب إلي المسرح حيث كان يُقدم مسرحيته الأولى مع فرقة ببا المسرحية (جحا وبقرة السلطان)، ثم تعددت اللقاءات معه ومع عروضه المسرحية. وخلال الأسطر التالية؛ سأحول أن أحلل تلك المعادلة التي كأنها هذا الفنان المخرج حيث حقق متعة المشاهدة والتلقي، وقدم رسالته وأخلص لها أيما إخلاص.

1. الرحلة
قدم (مجدي عبيد) عبر رحلة طويلة امتدت لأكثر من ربع قرن مع مسرح الثقافة الجماهيرية، عددًا غزيرًا من العروض المسرحية بدأها سنة 1986م مع فرقة ببا المسرحية بعرض (جحا وبقرة السلطان)، وكان أحدثها زمانيًا مع فرقة الغربية القومية بعرض (قوم يا مصري) في 2011م. وما بين هذين العرضين كان عطاء (مجدي عبيد) الفني لمسرح الثقافة الجماهيرية عطاءً متميزًا وخاصًا، وذلك لخصوصية المعادلة الفنية التي عليها (مجدي عبيد).
لقد كان جحا وحماره الحكيم المشاكس في (جحا وبقرة السلطان) هو بداية عروض الكباريه السياسي في أعمال (مجدي عبيد)، والتي جاء علي امتدادها عروض (السوس)، (حكاية الفلاح عبد المطيع)، (ورحلات بن بسبوسة) والتي كانت كوميديا سوداء بسبب نهايتها حيث حصل المواطن (ابن بسبوسة) في نهاية رحلاته بين الوطن والبلاد العربية مغتربًا علي الكفن كدلالة علي فقدان الأمل تمامًا، وأنه ليس ثمة خلاص من معاناته سوى القبر. كذلك كانت عروضه (جحا في المزاد) و(أهرمات للبيع)، و(المهرج)، و(أخبار أهرام جمهورية)، و(الزير المهلهل)، (إمرؤ القيس في باريس)، و(بكره)، والتي تنتمي إلي مسرح الكباريه السياسي بدرجةٍ أو بأخرى، حيث لا تخلو عروض (مجدي عبيد) مطلقًا من الحس الكوميدي الساخر، الذي يسخر من معاناتنا وإحباطاتنا اليومية والقومية. ولم يفارق هذا الحس الساخر أشد المواقف قتامه في عروضه، ولا أرهفها رومانسية، أو إخلاصها إنسانيًا، فباتت السخرية اللذعة هي السمة الرئيسية أو خلطة التوابل الأساسية في معادلته الفنية.
غرق (مجدي عبيد) حتى أذنيه في المصرية والإقليمية العربية، فباتت مشاكلنا اليومية واحباطاتنا العربية المشتركة هي الملمح الأساسي والجوهري في عروضه؛ في (السوس) فساد الإدارة، وفي (رحلات ابن بسبوسة) و(سيرة شحاته سي اليزل) ضياع قيمة الإنسان وأحلامه وغربته التي بلا نهاية، وفي (صياد اللولي) و(بكره) ضياع الحلم، وفي (أهرمات للبيع) و(المهرج) إهتراء الانتماء، وفي (مولد يا عالم) و(الزير المهلهل) ضياع الأرض العربية وتوغل الصهيونية.
إن التركيز النقدي علي الأعمال الإخراجية لا يجعلنا نغفل عن الإسهامات الإبداعية الأخرى لـ(مجدي عبيد) خلال رحلته الفنية، حيث شارك بالتمثيل في العديد من العروض المسرحية بجماعة المسرح المصري بقصر ثقافة الريحاني، والفرقة المركزية، وفرقة السامر، والبيت الفني للمسرح، والقطاع الخاص. كما أن له بعض الأدوار المميزة في عددٍ من المسلسلات التلفزيونية منها (حديث الصباح والمساء) علي سبيل المثال لا الحصر، وكذلك شارك في عدد من الأفلام السينمائية.

2. النص المسرحي
تعامل (مجدي عبيد) عبر معادلته مع عدد من المؤلفين المصرين والعرب؛ منهم: (حمدي عيد)، (مجدي الجلاد)، (نبيل بدران)، (السيد حافظ)، (أحمد عفيفي)، (وليد يوسف)، (سعد الدين وهبه)، (إبراهيم الحسيني)، (محمد الفيل)، (سمير عبد الباقي)، (محمود الطوخي)، (بهيج إسماعيل)؛ ومن العرب: (عبد الكريم برشيد)، (محمد الماغوط).
ويمكننا القول إن (مجدي عبيد) في تعامله مع النص المسرحي، تكون له معادلته الخاصة، حيث يتراجع النص المسرحي عن صدارته في العرض المسرحي لصالح الإخراج المسرحي، ولصالح مفهوم المخرج مؤلف العرض المسرحي. إن (مجدي عبيد) لا يكتفي بالإخراج المسرحي الذي هو تنظيم لمجموعات من العلامات البصرية والسمعية، كما أنه لا يعتمد علي الوجود التقليدي للنص المسرحي، بل قد ينشأ النص المسرحي من فعل العرض المسرحي نفسه، ويمكن مراجعة عدد من النصوص المسرحية مع المعالجات الإخراجية التي قدمها (مجدي عبيد) للوقوف علي مدى التراجع الذي يحدث للنص المسرحي في صورته الأولي أمام نص العرض المسرحي الذي قدمه (مجدي عبيد).
إن تدخلات (مجدي عبيد) النصية تكون لصالح معاصرة نص العرض المسرحي للحظة الراهنة التي يقدم لحظتئذ في سياقها عرضه، أو لصالح البيئة المحلية للمدينة التي يقدم فيها مكانيًا عرضه، ثم لصالح ممثلي العرض المسرحي الذين يقومون بأداء العرض، مما يمنح العرض طازجته؛ وما زلت أذكر ذلك النص الموازي الذي قدمه فريق كامل من الأطفال في عرض (نقول إيه) لم يكن لهم وجود في نص المؤلف، لكن كان لهم كل الحضور في نص العرض المسرحي، وكذلك الكورس في عرض (صياد اللولي).
كما أن (مجدي عبيد) يعتمد علي جسد الممثل والكتلة البشرية كثيرًا في صياغة عرضه المسرحي، فنجد أن للكوميديا الحركية نصيب ومساحة في أعماله، كما نجد استخدامه للمجموعات البشرية لصياغة الفضاء المسرحي أو للإعادة إنتاجه وتوجيه دلالاته تشغل مساحةً بارزة في أعماله كما في: (أهرمات للبيع)، (مولد يا عالم)، (إمرؤ القيس في باريس).

3. الشخصية المسرحية
يتوافر للشخصيات المسرحية التي يقدمها (مجدي عبيد) عروضه مجموعة من الخصائص، سنستعرضها بعضها معًا؛ ومنها:
1. القدرة علي إثارة الاهتمام: فـ(جحا) شخصية تراثية فكاهية قادرة في تجليها الأول علي إثارة الاهتمام، كذلك (ابن بسبوسة) الذي طاردته الظروف الصعبة في الوطن للهجرة والعمل في البلاد العربية التي تمنح للأجنبي أفضلية علي العربي، وتمنح لجميع الجنسيات أفضلية علي المصري بسبب تنازل الحكومة المصرية عن مواطنيها وإهمال رعايتهم في الخارج والداخل. كذلك شخصيات (إمرؤ القيس) و(عبد الرحمن الداخل) و(شحاته سي اليزل)/(دون كيشوط) كانت قادرة في العروض التي تضمنتها علي الاستحواذ علي انتباه واهتمام المتلقي بها، لصالح العرض المسرحي لا لحسابها الخاص، كذلك شخصيتي (مشكاح وريمة) في مسرحية (نقول ايه).
2. تمثل قطاعاً معيناً من البشر: تمثل شخصيات عروض (مجدي عبيد) قطاعًا عريضًا من البشر محليًا، فليس (ابن بسبوسة) الذي يسعى للهجرة للعمل بالخارج إلا مثالاً لعدد كبير من المصريين طيلة الأعوام الثلاثين الماضية، كما أن ذلك الشاب الحالم في (بكره) إلا نموذجًا لعدد كبير من الشباب، وليس حلم (الصياد) بالفوز بلا عمل إلا طموح عدد كبير من المصريين في السنوات العشر الأخيرة عبر المسابقات التي أنتشرت في التلفاز والفضائيات كما جاء في عرض (صياد اللولي).
3. تمتلك خصائص فردية تميزها عن غيرها: لعل أبرزها (جحا) بطبيعته التراثية، ثم (شحاته سي اليزل) بطبيعته الدونكشوطية العبثية، ثم (مشكاح وريمة)، ثم (عامر الأعور) بخصائصه العربية اللاذعة، ثم (عبد المطيع) المستكين الخاضع دائمًا وللجميع.
4. شخصية ديناميكية ومتطورة تبعاً لاحتكاكها بالحياة: ولعل هذا أعم ما يميز شخصية الصياد أو زوجته في عرض (صياد اللولي) حيث تتحرك أحلام الشخصيات مع العثور علي اللؤلؤة، وتتوحش مع تنامي الصراع، ثم تتحول لليأس مع ضياع الحلم. شبه ذلك قد نجده في (رحلات بن بسبوسة) حيث أحلام الرخاء مع الهجرة للعمل بالخليج، ثم تحطم الحلم عند الاصطدام بالواقع الأجوف اللا إنساني، ثم العودة للوطن حيث لا يجد هذا المدرس لنفسه ملاذًا سوى ارتداء الكفن.
ويجدر بنا أن نشير إلي أن ما يسمى بالشخصيات الثانوية في عروض (مجدي عبيد) يكون لكثير منها حظًا وافراً من اهتمامه كمخرج، فيعتني بتفاصيلها وأدائها، لتخرج علينا شخصيات مميزة مثيرة، قادرة علي التعلق بذاكرتنا، فليّ أن أذكر شخصيات: (المصري كريم العنصرين) من عرض (السوس) مع فرقة ببا، و(حارس السفارات) من عرض (رحلات بن بسبوسة)، و(شيخ بندر التجار) من عرض (صياد اللولي)، .......إلخ.

5. العرض المسرحي
تتعدد محاولات المفكرين والمنظرين المسرحين في محاولة تعريف "المسرح"، ولعل تعريف (برونر) بأنه فضاء ظل أو خيال، هو أبسطها وأوجزها. بينما يُعد تعريف (بيتر بروك) له بأنه مساحة فارغة ومؤدي وحدث ومشاهد علي اتفاق بالفرجة، هو الأدق إجرائياً إذ أنه يحيلنا إلي مكونات العملية المسرحية بشكلٍ محدد. وتعرف الدكتورة (نهاد صليحة) العرض المسرحي بأنه "اقتطاع زماني ومكاني لمؤدي يقدم فعلاً مسرحياً لمشاهد".
وأتصور أن (مجدي عبيد) يُعرف المسرح ـ أو العرض المسرحي ـ بأنه تشكيلُ في الفضاء المسرحي ـ مهما كان شكل هذا الفضاء ـ مع استغلال طاقات الممثل وجسده والاستفادة منها إلي أبعد حدٍ ممكن ومتاح، مراهنًا علي طرح ما هو آني وطازج من مشاكل الإنسان ومعاناته، بمعالجات كوميدية ساخرة تحقق المتعة.
رغم طول الجملة التي أتصور بها تعريف (مجدي عبيد) للمسرح (العرض المسرحي)، إلا أنها تقدم لنا توصيفًا ـ من وجهة نظري ـ للمعادلة المسرحية التي يعتمد المخرج (مجدي عبيد) تقديمها للمشاهد المصري، سواء كان قاهري، أو إقليمي في الصعيد أو في الدلتا.
وعملية تشكيل الفراغ المسرحي، واشتغاله، واحدة من أهم وأبرز العمليات في معادلة (مجدي عبيد) المسرحية، أيًا ما كان هذا الفراغ، فأنه يستطيع أن يشكل فيه عالمًا مسرحيًا هو عالم العرض المسرحي الخاص به، لقد فعل ذلك في ببا في تجاربه الأولى حيث لم تكن لدى الفرقة خشبة مسرح مجهزة بشكل حقيقي لتقديم عروض مسرحية، فقط ما يشبه المصطبة الممتدة أسفل جدار هي شاشة للعرض السينمائي، وهي مصطبة ترتفع عن الأرض مترًا واحدًا تقريبًا ولا يتجاوز عمقها الأمتار الثلاث، بينما تمتد لحوالي أربعة عشر مترًا تقريبًا. كذلك شكل المكان في منفلوط في عرض (المهرج)، وفي بهتيم في (مولد يا عالم)، وكذلك في بيت ثقافة الباويطي حيث قدم عرضين؛ هما : (الزير المهلهل)، و(أيامنا الحلوة). وكان يستطيع أن يعيد ترتيب عالمه المسرحي وتشكيله داخل العلبة الإيطالية عندما كانت هذه العروض تنتقل لتقدم بها في مهرجانات الثقافة الجماهيرية المختلفة.
أما عملية اشتغال الفراغ، فبها يعيد (مجدي عبيد) إنتاج دلالة المكان المسرحي عبر مجموعة من الإضافات البسيطة، أو تغيير الإضاءة أو التشكيل بواسطة جسد الممثلين، أو عبر الحركة المسرحية. ففي عرض (صياد اللولي)، قدم مشهدًا كاملاً علي سلم في مقدمة المسرحي مكون من أربع درجات ولا يزيد عرضه عن 120 سنتيمتر تقريبًا، وتمت عليه حركة مسرحية معقدة بين (مسعد) و(صابرين) بطلي العرض عبرت عن دخولها في متاهة وحيرة نتيجة للصراع الدائر حول اللؤلؤة التي عثر عليها الصياد (مسعد). كذلك كانت عملية اشتغال الفراغ بارزة في عرضي بيت الباويطي السابق الإشارة لهما، ففي عرض (الزير المهلهل) كان ثمة قطعة ديكورية واحدة يعاد تشكيلها طيلة العرض المسرحي لينتج منها عوالم متعددة.

6. التشفير والشفرات
يُقصد بالتشفير Codification عملية تصنيع الشفرة/الكود/الرسالة التي ستكون وحدة الاتصال بين المرسل والمستقبل وفقاً لنموذج الاتصال اللساني لـ (رومان ياكوبسون)، فالتشفير عملية تاريخية اجتماعية تصبح من خلالها الأعراف أو التقاليد الخاصة بشفرة معينة تقاليد راسخة علي صعيد واسع.
وفي العروض الأدائية هناك ثلاثة شفرات أساسية تنشط عبر هذه العروض وتكون عملية الإرسال والتلقي؛ وهي:
1. الشفرة الثقافية Cultural Code: وهي تخص كل من المرسل والمتلقي باعتبارهما أعضاءً في الجماعة البشرية التي لها ثقافتها الخاصة بها.
2. الشفرة الدرامية Dramatic Code: وهي تتعلق بجموع المعارف المتاحة حول الدراما.
3. الشفرة المسرحية Theatrical Code: وهي تتعلق بالمعارف المتاحة حول المسرح وتقاليده وطرائق التمثيل والأداء.
وهذه الشفرات هي التي تشكل أفق الانتظار/التوقع "Horizon of expectations" الخاص بالمتلقي، فاسم العمل الفني يشكل ملمحاً، ونوع العمل يشكل مجموعة من التوقعات لدي المتلقي.
وأستطيع القول عبر متابعتي لتجربة (مجدي عبيد) الإخراجية، أنه يعيد إنتاج الشفرات الثلاثة، فعلي مستوى الشفرة الثقافية أذكر أنه في عرض (رحلات بن بسبوسة) أعاد إنتاج دلالة كلمة (ونس) ثقافيًا حيث صارت تعبر عن إقامة علاقة جنسية، وأشتغل علي الدلالة الجديدة التي أعيد إنتاجها، فكانت مصدرًا من مصادر الكوميديا في هذا العرض. ويستطيع المتابع لعروضه أن يستخلص اشتغالات (مجدي عبيد) علي إعادة تشفير الشفرة الدرامية، والشفرة المسرحية، خاصة فيما يتعلق بطرائق التمثيل والأداء ومفاهيمنا عنها.

7. النص الموازي
إذا اعتبرنا أن العرض المسرحي في كليته نصًا، فإنه يُقصد بالنص الموازي Le Paratexte العتبات Seuils أو هوامش النص، وهي تشتمل علي كل من: العنوان (عنوان العمل المسرحي سواء كان العنوان الأصلي للمسرحية كما أراده المؤلف أو العنوان الذي أراده ووضعه المخرج وجاء مغايرًأ أو مخالفًا لعنوان المؤلف)، والعناوين الفرعية (إذا وضعت عناوين فرعية داخل العرض المسرحي عبر لافتات أو ما يماثلها من علامات تعنون أجزاء العرض المسرحي)، والمقدمات (وهي التي تسبق العرض المسرحي مثل كلمات يلقيها المخرج أو أحد المسئولين عن العرض أو القائمين علي العملية الإنتاجية أو مكان العرض أو المنظمين)، والبوستر، والبامفلت وما به من كلمات للمخرج أو للمؤلف أو لأحد القائمين أو المسئولين عن العرض أو فريق العمل نفسه أو غيرهم وبه أحيانًا عبارات إهداء، او تنويه، أو شكر، وأنواع أخرى من العلامات الثانوية والإشارات الكتابية أو غيرها. فالنص الموازي Le Paratexte؛ عبارة عن نصوص مجاورة ترافق نص العرض المسرحي في شكل عتبات وملاحق قد تكون داخلية أو خارجية، ولها عدة وظائف بعضها دلالية، وأخرى جمالية. إن مصطلح النصوص الموازية الذي وضعه جيرار جينيت، يتضمن إشارة تُبعِد إلى حدٍّ ما فكرة التفاعل بين العتبات والنصوص المرتبطة بها، فالموازاة تحمل معنى الانفصال أي أنها تُقصِي فكرة الاتصال، ولذلك فاستعمالنا للمصطلح لا ينبغي أن يؤخذ بحرفيته، فالعلاقة القائمة بين العتبات والنصوص التي تنتمي إليها هي على الأصح علاقات تفاعلية، دون أن ينفي ذلك وجود استقلالية نسبية لكل جانب.
ولا تحظى كلمات المخرج التي يشتمل عليها بامفلت العرض المسرحي بأي اهتمامٍ نقدي، وفي تقديري هي قد تصلح باعتبارها نصًا موازيًا لنص العرض المسرحي، وينتجه ذات مخرج العرض، لأن تكون مدخلاً نقديًا لعالم العرض المسرحي.
وبالتأكيد ليس كل المخرجين يهتمون بهذه الكلمات التي توضع علي بامفلت العرض المسرحي، وما لها من تأثير علي تلقي العرض المسرحي، باعتبارها أحد عتبات العرض المسرحي باعتباره نصًا.
وقد لاحظت عناية (مجدي عبيد) الخاصة بما يدون من كلمات علي (بامفلتات) عروضه المسرحية، وليس متاحًا لي الآن كل هذه الكلمات التي دونها في بامفلت العرض تحت مسمي (كلمة لا بد منها) وأستطيع أن أتصورها مستمرة في كل عروضه، وصيغة عنوان الكلمة التي يوجهها (مجدي عبيد) لجمهوره تشي بالأهمية والضرورة الملحة، بما قد يشير إلي إنها ملتصقة بالعرض المسرحي، أو كأنها جزءٌ أصيلٌ منه، لا مجرد نص موازي يمكن إهماله عند تلقى العرض المسرحي.
بالتأكيد لا يحصل كل المشاهدين علي نسخة من هذا البامفلت، كما أن كل المشاهدين لا يمكنهم قراءته بفضل الأمية المتفشية فينا طبعًا، لذلك قد يري البعض في هذين التأكيدين المحتملين مسوغًا لإهمال دراسة هذه الكلمة التي تحملها البامفلت، لكن العناية التي يتعامل بها (مجدي عبيد) مع بامفت العرض المسرحي والتدقيق في صياغته وشكله، وطريقة عرض الأسماء وتلك الكلمة التي يكتبها تحت مسمى (كلمة لا بد منها) ومحتواها، تجعل من دراسة هذه الكلمة باعتبارها نصًا موازيًا وعتبة من عتبات العرض المسرحي ضرورة نقدية قد تكون كاشفة في تأويله أو تفسيره، كما أنه لن تكون نوعًا من الترف النقدي أو ما شابه ذلك.
ويمكننا أن نلمح ملامح مشتركة في كلمات تلك، منها ما هو ذاتي، حيث يتوجه بكلمة خاصة إلي أسرته، وهي ذات دلالة ومتغيرة من كلمة عرض إلي أخر، فمثلاً في بامفلت عرض (مولد يا عالم) نجده يدعو أولاده لتعلم أبجديةً جديدة هي أبجدية الحجارة، وهذه كانت جزء من رسالة العرض إلي جمهوره، لكننا نجدها واضحة ومباشرة في نصٍ موازٍ توجه به عبر البامفلت إلي أولاده حيث يقول:
"طفلي: نديم ونوار..: أبجدية جديدة أدعوكم لتعلمها.. لغة الحجارة علكم تصلحوا ما أفسدناه...".
وفي عرضه الأحدث لفرق قومية الغربية (قوم يا مصري) يقدم التحية إلي شهدائنا الأبرار شهداء ثورة 25 يناير، كأنه يهدي العرض إليهم. كذلك سنجد أن لمجانين المسرح ومريديه وأعضاء الفرق المسرحية التي يعمل معها والفنانين والمؤلفين نصيبٌ من كلمات التي يصدرها بـ (كلمة لا بد منها)
ومثل هذا النوع من الدراسات الخاصة بالنصوص الموازية يحتاج إلي توافر تلك النصوص (البامفلت) لدراستها ودراسة علائقيتها بالعرض المسرحي، باعتباره نصًا أساسيًا جاءت تلك الكلمات علي هامشه؛ هذا جزء من أجزاء معادلة مجدي عبيد المسرحية.



التعليقات