الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

مُنَاغَاةُ الواقع بالواقع ..!

الكاتب : بدر غياتي

شباب احترقت زهرة عمره، في بلد يشتد لهيب نار الظلم فيه كأنه كوكب الزهرة ... ربما سيزهر ذات يوم بعد أن تمر جميع الفصول ويصل الربيع .. أو ربما سيمني النفس بالعيش فوق كوكب النار، ربما أصبح كائنا ناريا طوال الوقت بدل أن يضرم النار في جسده .. منتفضا في وجه واقع مر .. مناغاة ..

يحسبون الفقير هبأة .. تذروها الرياح في يوم عاصف .. البعض يقول سوف يصبح بخير .. والبعض يجود بدريهمات بيضاء علها تنفعه في يوم أسود .. وبعضهم في السر صار يتصدق .. إنه تلميذ مجتهد ل يستعد لامتحان الدار الآخرة لا يراه أحد .. ولا يحب الظهور .. مناغاة ..

أم وأب محياهما بغربة ليالي الشتاء .. يَجِدَّانِ في تربية ابن قد يصير بعدها وزيرا متحذلقا أو لصا أو لا شيء، أو صاحب مال وفير ببطن منتفخة، أو مواطنا صالحا، جوازه بلون الغربة في البلد .. وربما قاضيا لا يستطيع سوى محاكمة الطرف الأضعف في هذه السلسلة الشبيهة بسلسلة غذائية حيوانية .. حيوان مفترس في بطنه الجميع .. في آخر السلسلة كالعادة.. مناغاة ..

الأخبار صارت قادمة من كل مكان ... من كل حدب وصوب .. لا تنتقي أحدا ولا تفرق، تطرق كل بيت وفضاء ... الكل عندها سواسية ... لا يفر منها سوى من أنار غرفة وحيدة .. وأطفئ أزرار كل شيء .. في هذا العالم ذي السواد البهيمي .. نرتاع ونفزع من سماع أخبار تطبخها دولة تبيع الحرية مقابل براميل النفط والمصلحة، مقابل إيقاف نشاط العقول أو نشاط نووي محتمل في حكم النية، نخاف أن نصير ماعز "رد الفعل الشرطي Réflexe conditionnel"، نضيع بين الإثارة والإستجابة والقوالب المصبوبة، للعالِم بافلوف Pavlov، نصير دون أن نشعر أداة حيوانية تنساق وراء كل شيء ولاشيء .. مناغاة ..

الحاكم اعتقد أنه يفصل في كل نازلة، قاضِِ لكل النوازل .. مقولة : "ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء" منسوبة بحسبه إلى غيور على كرسيه الذي اختلط بروحه.. ديمقراطيته معيبة، مغتر بديمقراطيته، يصر أنها ولدت معه ... له فسطاطين .. عن يمين وعن شمال .. من هم في صفه، ومن هم أعدائه الذين يرميهم أبد الدهر بالمؤامرة .. تاجه أسطوري .. يراه ويتحسسه طوال الوقت ..مخافة أن يفقد فحولة الحكم .. وحريماً وخدماً وحشماً يفرون إلى الدهليز إذا صار العرش مهددا .. مناغاة ..

الأكل والدواء وجهين لعملة واحدة .. داءنا في طعامنا .. ودائنا أيضا صار دوائنا عوض مداواة أسقامنا .. والمرض يبحث عن وجه ثالث منبوذ على نفس العملة والجوع صار سلاحا سياسيا وتجارة مربحة .. مناغاة ..

تعليم زائف .. أشخاص زائفون .. إدارات باردة جامدة .. كبرودة الموت .. الزيف والرداءة في كل شيء .. أضحى توهم المعرفة أقوى من سلاح المعرفة .. فِيمَ الأجداد الذين غادروا إلى رمس القبر .. كانوا يقولون أن المعرفة تعلمك كل يوم أنك لا تعلم شيئا .. مناغاة ..

تكنولوجيا ... فورة .. حواسيب، ألواح إلكترونية، هواتف ذكية .. واستعمالات غبية .. حمقى بالحرص ينتحرون .. مناغاة ..

إخوة متشاكسون ... إرث، حسد، كره وبغض بلون جذوة النار ... يصيرون كل يوم قصة مكررة تعيسة مثل رواية "الإخوة كارامازوف" للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، والأرض وما فوقها وما لَصِقَ بها، دوما محور للصراع .. مناغاة ..

القوم يجتاحهم حب الرذيلة دوما .. يقتات منها طعاما يزرعه سنابل كأنها رؤوس الشياطين في أرض قاحلة .. والمستعمر شرب طلا (خمر) السياسة .. وحكوماتنا تعربد بدله أمام الشعب .. الذي يجري كالمجنون .. ويفر كالمطارد .. وابن خلدون على شاهد قبره : المغلوب يفنى في سياسة الغالب .. مناغاة ..

دين الصورة .. دين الذقن .. ليس دين القدوة .. في الغالب دين بدون عقل .. أو عقل بلا دين .. دين التنظير .. لا يتعامل مع عناصر الواقع .. جيل لا يعرف الغسل من جنابة .. ولا يسبغ وضوءه للصلاة، هائم تائه في بريق في الضفة الأخرى من المتوسط .. جسده هنا، وروحه وقلبه هناك، صار يعبد بلدا يطأها بالكبرياء والتمني ..أو بأجساد .. مناغاة ..

الحب مفقود في هذا العالم .. صار فقط في حبكة رواية .. يضيع في صفحات كتاب صار أصفرا .. ورق يأكله النسيان .. يعلوه غبار يباع على رصيف أو فوق خزانة .. بالقرب .. من محل أحذية تلمع في اليوم ألف مرة .. مناغاة ..

تخشب الكلام .. وحقيقة مُرَّةُُ خير من وهم مريحِِ .. صار محالا ألا أروي واقعا يفقد تفاصيله الجميلة كل يوم، واقع مُسَنَّنُُ، يُنْبِتُ الأنياب بسرعة أفكاك القروش البيضاء .. كي يلتهم من جديد دون رحمة .. إنها : مناغاة .. مناغاة .. من نوع آخر.. إنها :
مناغاة الواقع بالواقع!
▬▬▬▬▬▬▬▬
©(بدر غياتي 2014)

التعليقات