الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الصين : قوة عالمية صاعدة

الصين : قوة عالمية صاعدة
بقلم : أحمد عبده طرابيك

استطاعت جمهورية الصين الشعبية منذ اتباع سياسة الانفتاح عام 1979 ، أن تحقق انجازات كبيرة علي مختلف المستويات والمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية ، ومنذ ذلك التاريخ والعالم بأسره يقف مبهورا أمام معجزة الاقتصاد الصيني التي تمضى بوتيرة متسارعة الخطى وتحقق معدل نمو مطرد سجل رقما مزدوجا اعتبارا من العام 2000 لا يقل عن عشرة بالمائة سنويا ، الأمر الذي لم تحققه أي دولة حتى اليوم ، بما في ذلك الكيانات الاقتصادية الثلاثة العالمية الكبرى " الولايات المتحدة ، اليابان ، ألمانيا " ، حتي بات الهاجس الكبير لدي الولايات المتحدة والدول الغربية بشكل عام هو التنامي المتسارع للاقتصاد الصيني ، والذي بدوره ينعكس بشكل إيجابي علي الجوانب الأخري ، لا سيما السياسية والعسكرية ، وبات السؤال الذي يتردد في أصداء صناع السياسة الغربية هو ، هل ستهيمن الصين علي العالم في المستقبل المنظور ؟ أو علي الأقل هل ستكون الصين قطباً عالمياً يكون نداً للهيمنة الغربية ؟
من قلب دول العالم الثالث النامي ظهرت الصين كقوة اقتصادية صاعدة استطاعت أن تحقق نموا اقتصاديا متزايداً ، أهلها لأن تنافس اقتصاديات الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ، وقد كان للتوجهات الإقتصادية التي تبنتها الصين دوراً كبيراً في قوة الإقتصاد الصيني ، حين اتبعت الدولة سياسة الإنفتاح لتشجيع الإستثمارات ، حيث شهدت الصين مجموعة من التغيرات السياسية منذ السبعينيات لعب فيها بعض الزعماء دوراً كبيراً في مقدمتهم الزعيم " دنج شياو بينج " بالإضافة إلى الشعار الذي تبناه مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني والمعروف باسم " العصرنات " الأربع " الولوج والإنفتاح على العالم ، تغيير المناهج التعليمية والبحث من أجل الحصول على التكنولوجيا الحديثة ، تحديث الصناعات الصينية ، التحول نحو اقتصاد السوق " .
تمثل الصين ثاني أكبر اقتصاد عالمي ، ومن ثم فهي قوة اقتصادية عالمية ، استطاعت خلال فترة زمينة وجيزة تحقيق معدلات نمو سريعة ، من خلال البراعة في اختيار القطاعات الاقتصادية التي تقود عملية النمو الاقتصادي بجدارة واقتدار ، لذلك أصبحت الصين تمتلك أعلي أربعة مصارف علي مستوي العالم من حيث القيمة الرأسمالية ، كما أن بناء قاعدة اقتصادية عملاقة تقوم علي التنوع في مختلف المجالات من خلال الاستفادة القصوي من العنصر البشري الذي جعلته عامل قوة في بناء الاقتصاد الصيني وليس عامل ضعف مثلما تعاني كثيراً من دول العالم من فائض سكاني يمثل لديها عالة علي الاقتصاد الوطني .
يشكل الناتج المحلى ، وإجمالي الصادرات والواردات ، واحتياطي العملات الأجنبية معاً ، المؤشرات الأساسية في تقييم القوة الاقتصادية لأي دولة من الدول ، وللتعرف على القوة الاقتصادية الصينية ، يمكن ملاحظة تلك المؤشرات الثلاثة في الاقتصاد الصيني ، حيث الزيادة المضطردة في إجمالي الناتج المحلى والقيمة الإجمالية للاستثمارات الخارجية ، فقد وصل الناتج المحلى الإجمالي الصيني إلى 25.66 تريليون يوان " 3.7 تريليون دولار أمريكي " بمعدل زيادة سنوي بلغ نسبته 11.4 % ، وارتفعت استثمارات الأصول الثابتة الصينية بنسبة 24.8 % ، كما قفز الإنتاج الصناعي الصيني بنسبة 18.5 % ، وبلغ حجم الاستثمارات الخارجية المباشرة التي تدفقت إلى الصين خلال العام الماضي 76.9 مليار دولار أمريكي ، كما بلغ حجم القيمة الإجمالية للتجارة الخارجية الصينية إلي 2.5 تريليون دولار أمريكي عام 2012 ، في حين بلغ حجم احتياطي العملات الأجنبية 1.7 تريليون دولار أمريكي لدي المؤسسات المالية الرسمية ، دون الأخذ في الاعتبار حجم العملات الأجنبية لدي الأفراد والقطاع الخاص ، وكذلك الاحتياطي من الذهب والمواد الإستراتيجية الأخري التي لا تباع إلا بالعملات الأجنبية .
إن تضافر العوامل الطبيعية والبشرية والتنظيمية ، وكذلك التاريخية والسياسية والثقافية ، لعبت دوراً كبيراً في تنامي قوة الإقتصاد الصيني ، الذي أصبح ينافس كبريات الإقتصاديات العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ، غير أن الصين لا زال أمامها طريق طويل وشاق ، ومجموعة من التحديات لمواصلة تفوقها الإقتصادي على الصعيد العالمي .

علاقات الصين السياسية
تنامي الحضور الصيني كقوة اقتصادية يستوجب عليها الحضور سياسيا وعسكريا علي الساحة الدولية ، فالتواجد السياسي الصيني يظهر بصورة واضحة خلال السنوات الماضية في كثير من المناطق الهامة من العالم ، وأصبح للصين دور سياسي هام علي الساحة الدولية ، من خلال مشاركتها النشطة والفعالة في القضايا الدولية وخاصة قضايا الشرق الأوسط باعتباره أهم مواطن الطاقة في العالم ، وكذلك القارة الأفريقية أهم مصادر المواد الخام المعدنية والزراعية .
ترتبط الصين بعلاقات تاريخية قوية مع العالم العربي ، وقد كانت الصين باعتبارها عضو دائم العضوية بمجلس الأمن الدولي داعماً قويا للقضايا العربية العادلة ، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية - القضية الأولي للعالم العربي والإسلامي - ، فالصين كانت أول دولة غير عربية تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية وتفتح مكتباً لها في العاصمة بكين ومن أوائل الدول التي اعترفت بإعلان الاستقلال ورفعت مستوى تمثيل المكتب إلى سفارة وكانت آخر عضو دائم في مجلس الأمن الدولي يعترف بإسرائيل ، كما أن الصين لم يكن لها في أي وقت مضي أي أطماع استعمارية في العالم العربي .
كما أصبح الوجود الصيني في أفريقيا أمراً لافتاً ، فالاستثمارات الصينية في دول القارة تزايد بشكل قوي خلال العقدين الأخيرين ، خاصة في قطاعات التعدين ، والتنقيب عن النفط والغاز ، والإنشاءات ، وكذلك في البنية التحتية ، الأمر الذي جعل من الصين الشريك التجاري الأول لمعظم الدول الأفريقية .
تعمل الصين علي إعادة تعريف المصالح الأمنية للبلاد ، فقد أصبحت الضرورة الاقتصادية تمثل عاملا جوهريا في صياغة الإستراتيجية الأمنية الخارجية للصين ، خاصة أن أكثر من‮ ‬90٪‮ ‬من ورادات النفط والغاز يتم مرورها عبر البحار والمحيطات ، وبالرغم من القوة العسكرية الصينية الكبيرة ، إلا أنه بات من الأهمية علي الصين تطوير قدراتها البحرية ،‮ ‬وتأمين الممرات المائية الدولية ، ومن ثم زيادة التواجد العسكري خارج حدودها ، فالعنصر الأمني الذي يساعد الصين على أن تكون قوة عالمية ،‮ ‬هو تطوير قواتها البحرية ، الذي يعد عنصر هام في تأمين تجارتها الدولية ، ومصادر الطاقة لها ، وتوفير عنصر " الهيبة " الدولية كقوة عالمية .

القوة الناعمة‮ ‬والحضور الثقافي العالمي للصين‮ :
تبقي القوة الناعمة والحضور الثقافي للصين من أهم عوامل دخول الصين كقوة عالمية صاعدة ، فقد نشأت جمهورية الصين الشعبية القائمة علي ركام كبير من الحضارات العريقة المتعاقبة ، والضاربة بجذورها في أعماق التاريخ الإنساني ، إلي جانب الحراك المتسارع في العملية الاقتصادية والأمنية ، فالصين بتاريخها الطويل وثقافتها العريقة تمثل قوة عالمية بمفهوم جديد ،‮ فعندما يتعلق الأمر بفهم دور الصين في النظام العالمي ، فلا تكتمل الصورة إلا بالحديث عن الحضور الثقافي العالمي للصين ، كانتشار المعاهد الكونفوشيوسية الممولة من الحكومة الصينية حول العالم لنشر المفاهيم والثقافة ، والتعريف بالحضارة الصينية العريقة ، وتوافر المحطات الإذاعية " CRI " ، والفضائيات الناطقة بمختلف لغات العالم ، وكذلك الصحف الصينية الكبري ،‮ ‬مثل صحيفة " الشعب " ، " ديلي نيوز " ، وانتشار الدراما الصينية المدبلجة بمختلف اللغات ، وكذلك انتشار ما يقارب من‮ ‬1‭.‬2‮ ‬مليون طالب وطالبة صينية خارج البلاد ، بل وخمس هؤلاء فقط عادوا إلى الصين .
إن صحوة ونهضة الصين التي تهز العالم الآن ، تبشر بظهور قوة عالمية جديدة تمثل قطبا هاماً علي المستوي الدولي ، فالأبعاد المترتبة علي اعتلاء الصين منصة القوة العالمية من شأنها أن تعمل علي ابعاد الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية الغربية عن الهيمنة التي تفرضها علي الساحة الدولية ، ويبقي علي الصين القليل من الوقت ، والكثير من الجهد في طريق تحقيقها ذلك الهدف الذي من شأنه أن يعمل علي تغيير خريطة القوي الدولية ، ومن ثم إحداث إعادة هيكلة للقضايا الدولية والصراعات التي تشهدها كثير من مناطق العالم وتعيشها شعوب العالم الثالث كافة ، التي تتطلع إلي عالم أكثر عدلا ، يسوده السلام والازدهار والاستقرار ، تقوده قوة كانت يوماً ما دولة من دول العالم الثالث .

كاتب وباحث في الشئون الآسيوية
ahmedtrabic@hotmail.com


التعليقات