الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

سلطنة عمان وسياستها الخارجية الهادئة

سلطنة عمان وسياستها الخارجية الهادئة
بقلم : أحمد عبده طرابيك

تعتبر سلطنة عمان من أكثر الدول العربية ، بل ودول المنطقة استقراراً واعتدالاً في سياستها الخارجية ، حيث تنبثق المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية لسلطنة عمان من الرؤية الإستراتيجية ، التي تقوم على الوقوف إلى جانب الحق والعدل وتعزيز وشائج الأخوة وروابط الصداقة ، والمساهمة في توطيد الأمن والسلام الدوليين ، فلا يمكن الحفاظ علي هذا السلام ، إلا إذا كان قائماً على قواعد راسخة من العدالة وأسس ثابتة من التفاهم بين جميع الأمم ، وفي هذا الإطار ، وعلى هدي هذه المرتكزات ، انطلقت الدبلوماسية العُمانية من استراتيجية واضحة ومحددة ، تضع في اعتبارها مختلف المعطيات المحلية والإقليمية والدولية من ناحية ، وطبيعة المرحلة ، التي يمر بها المجتمع الدولي من ناحية ثانية ، والموقع الإستراتيجي للسلطنة على مدخل الخليج وإشرافها على مضيق هرمز البالغ الأهمية في التجارة الدولية ، فضلاً عن خبرتها التاريخية الثرية من ناحية ثالثة .
لم يكن في سلطنة عُمان قبل عام 1970 ما يسمى بسياسة خارجية بالمفهوم المطلق والمركزي ؛ بل إنه لم يكن هناك أصلاً دولة بمفهومها العصري ، فضلاَ عن أن نمط الإدراك لطبيعة العلاقات الدولية لدى السياسة العُمانية ما قبل مجيء السلطان قابوس بن سعيد كان يستند إلى مخرجات صراع القوى في الخليج وفي المحيط الهندي ، والذي كانت عُمان طرفاً فيه بصورة مستمرة ، لذا ، فإن الخبرة المستمدة من هذا الارتباط وهذا الاندماج قد شكلا معظم مكونات الفكر السياسي لدى القيادة العُمانية آنذاك ، وكان من مظاهر هذا الفكر أنه لم يعط أية أهمية أو أي اعتبار للأبعاد العربية أو الخليجية ومعطياتها ، التي كانت في تلك المرحلة تسعى جاهدة لتشكيل نظام إقليمي عربي ، يكون مرتَكَزاً للعمل العربي المشترك ، والذي كان يهدف إلى إقامة نظام سياسي عربي ، له مضامينه ورموزه ، وآليات عمله التي جاءت جامعة الدول العربية في مقدمتها ، ولم ترضى التوجهات السياسية العربية وحركاتها بموقف الدولة العُمانية ، ووجدت أنها تسلك منهجاً ينأى بها عن التقارب العربي ومحاولات بناء الجهد المشترك ، الأمر الذي كرّس العزلة العُمانية .
استمر هذا الوضع حتى تسلّم السلطان قابوس بن سعيد ، الحكم في عُمان في يوليو من العام 1970، وقام بإدارة السياسة الخارجية للدولة العُمانية الحديثة على مستوى فهم جديد للمتغيرات الإقليمية والدولية ، وإدراك مدى أهمية الانخراط العُماني في التفاعلات السياسية في المنطقة ، لذلك بدأ السلطان قابوس بالانفتاح على البلاد العربية ، محاولاً الخروج من العزلة التي عاشتها الدولة العُمانية لفترة طويلة ، وإشراك عُمان في التفاعلات العربية ، ولكن بسياسة ممنهجة وحذرة ، وآخذة في الاعتبار ذلك التباين بين خاصيتين رئيسيتين في الطابع العام للنظام العربي :
الأولي : إن مرحلة السبعينيات من القرن العشرين قد شهدت استقلال عدة دول خليجية ، وبالتالي تعزّز النظام الإقليمي العربي ، وبخاصة أن عدداً من هذه الدول قد شهد تدفقات نفطية وضعتها على خارطة الاستراتيجيات الدولية .
الثانية : بالرغم من ذلك تعزّيز النظام الإقليمي العربي ، إلا أنه شهد في ذات الوقت تمزقاً بين مفهوم " القومية " ، مقابلاً لمنطق " الدولة " والمنطق القطري الذي يستند إلى واقع التجزئة العربي ، ومنطق " الإسلام السياسي " الذي وجد دعماً من داخل النظام العربي ومن خارجه ، وبخاصة بعد قيام الثورة في إيران في عام 1979 ، وبعد ازدياد التوجهات التركية نحو الغرب .
دخلت السياسة الخارجية العُمانية مرحلة فهم محددات هذه السياسة ومكوناتها والعوامل المؤثرة فيها وأدوات تنفيذها ، ومن أهم هذه الاعتبارات ، الإدراك أن السياسة الخارجية لأية دولة قائمة على أساس الارتباط المباشر والمعمّق بينها وبين السياسة الداخلية ومؤسسات الحكم المحلي ، لذلك فقد بدأت السياسة الخارجية العُمانية تؤكد في أسلوبها على تجنب إقحام الذات في شئون الآخرين ، وهو الأمر الذي عانت منه عُمان كثيراً ، والتمعن في قراءة الأوضاع المحيطة بالدولة ، والانحياز إلى الحلول السلمية في التعامل مع كل النزاعات التي تكون هي طرفاً فيها ، أو التي تكون في دائرتها الخليجية ، أو الإقليمية ، حيث تبنت عُمان صياغة إستراتيجية سياستها الخارجية عبر بناء خطاب سياسي يلتزم بما يتفق مع ثوابت الدولة ، ويتوافق مع إمكاناتها وقدراتها ؛ وذلك حتى يأتي القرار السياسي منسجماً مع ذاته ، وأن يكون متواتراً على صورة واحدة يحكمها الثوابت ولا تحكمها الآنيّة والمرحلية .

حرصت سلطنة عمان على نسج علاقاتها الدولية على انتهاج سياسة منفتحة على العالم تنسجم في جوهرها مع التقاليد العُمانية العريقة ، التي تمتاز بالتسامح والتفاعل مع الآخر على أساس من الاحترام المتبادل مع مراعاة الحقائق الجيواستراتيجية والابتعاد عن " التشنج " والمواقف الأيديولوجية المؤقتة ، ولذلك تحظى السياسة الخارجية العُمانية بتقدير العالم لما تقوم به من جهود فعالة ومساهمات على مختلف الأصعدة العالمية ؛ كالانفتاح على العالم والمساهمة بنشاط وفاعلية في أحداثه والمشاركة في مؤسساته ومنظماته السياسية وغير السياسية ، ولذلك سارت مسيرة التنمية الاقتصادية جنبا إلى جنب مع مسيرة السياسة الخارجية النشطة ، مما مكنها من القيام بدور فعال في معالجة كثير من القضايا ، وفي المساهمة في حل العديد من المشاكل برؤية سياسية ثاقبة وحكمة وجرأة في اتخاذ القرار .
تقوم السياسة الخارجية لسلطنة عمان على خمسة مرتكزات أساسية :
الأول : خصوصية الموقع ، والذي أثر في ربط السلطنة بكثير من الدول ، التي تطل على مياه المحيط الهندي وعلى الخليج العربي وعلى بحر العرب ، وكان لابد أن يكون لهذا الموقع تأثيره في رسم سياستها الخارجية ، وفي علاقاتها مع الدول القريبة والبعيدة .
الثاني : واقع التجارب التاريخية ، فسلطنة عمان لها تجارب تاريخية عديدة مرت بها في الماضي البعيد والقريب ، وهي تعمل على ضوء خبرتها التاريخية الطويلة هذه في إقامة علاقات متينة قائمة على أساس حسن الجوار وعدم التدخل في الشئون الداخلية وتحقيق المصالح المشتركة بين الدول على امتداد الخريطة العالمية .
الثالث : مناصرة العدل والإنصاف في العلاقات الدولية ، فالسلطنة منذ اليوم الأول لبزوغها كدولة مستقلة ، وهي تعمل بكل جهد لمناصرة قضايا الحق والعدل والإنصاف في المحافل الدولية .
الرابع : الحفاظ على الأمن والسلم الإقليمي والدولي ، فسلطنة عمان كانت ولا تزال تعمل بكل جد من أجل تحقيق السلم والأمن الدوليين ، الذي تنشده البشرية جمعاء .
الخامس : الواقعية في فهم التطورات والأحداث والعلاقات الدولية ، حيث تعمل سلطنة عمان سياسياً على عدم الانفعال والمبالغة لتقدير الأمور في مختلف القضايا ، أو في النظرة إلى المشاكل العربية أو الدولية ، وإنما تقدير قائم على أساس الواقع وعلى الاتزان والحكمة ، وعلى حسن التصرف واللباقة في اتخاذ المواقف السياسية ، والثبات على هذه المواقف عن اقتناع كامل ووعي رشيد ، وليست سياسة قائمة على ردود الأفعال .
لقد أفرز تفاعل هذه المرتكزات الخمسة سياسة خارجية عُمانية ناجحة ، ومتوازنة في بيئة اقليمية ودولية مليئة بالمتناقضات والتقلبات ، وجعل من السلطنة عنصرا فاعلا ومؤثرا في المنظومة الدولية ، حيث تؤكد سلطنة عمان دائماً على وقوفها بجانب القضايا العادلة ، ومناصرتها ، والدعوة إلى العمل المتواصل مع بقية الدول المحبة للسلام ، وعلى تسوية النزاعات الدولية بالطرق السلمية عن طريق الحوار والمفاوضات .
تتميز السياسة الخارجية العُمانية بالواقعية والحياد ، ويتضح ذلك من خلال مبادرتها في التعامل مع معطيات الأحداث بكل حيادية إيجابية ، فلم تنكر على مصر توقيعها لاتفاقية السلام مع إسرائيل في سبتمبر سنة 1978، بل أكدت وقوفها مع الحق العربي كيفما وأينما كان ، وسعت دوما إلى المشاركة الفاعلة في الجهود ، التي بذلت لإعادة مصر إلى الصف العربي ، بعد أن تعرضت لنقد وهجوم بسبب زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس في نوفمبر 1977 ، ولتوقيعها اتفاقية كامب ديفيد .
كما نهجت السلطنة في الحرب العراقية - الإيرانية من عام 1980 إلي عام 1988 مسلكاً توفيقياً ، إذ رفضت دعوات القطيعة مع طهران ، كما أنها لم تقف كليةً مع إيران ، بالرغم من خصوصية العلاقة الجيواستراتيجية والإثنية التي تربط بين عُمان وإيران ، وفي نفس الوقت لم تتخلَّ عُمان عن العراق واستمرت في الوقوف معه لحين انتهاء هذه الحرب ، وظلت السلطنة في قضية الاجتياح العراقي لجارتها الكويت ، تمارس سياسة الحياد والتعقل ؛ الأمر الذي مكنها من قيادة محادثات واتصالات باتجاه إبقاء العراق في الصف العربي ، وفي نفس الوقت خروجه من الكويت .
وفي خضم حروب الخليج المتعاقبة ، استمرت سلطنة عمان في اغتنام علاقاتها مع كل أطراف النزاع " العراق ، ودول الخليج ، والولايات المتحدة الأمريكية " ، للاحتفاظ بمخرج يمكن أن تمر به الأحداث ، إن هي اتجهت نحو الحلول السلمية .
وعلى صعيد العلاقات العمانية الأمريكية ، التي تقوم على الاحترام المتبادل لوجهات النظر دون التدخل في الشئون الداخلية لأي من الطرفين ؛ فالسلطنة مرتبطة بمصالح مع الولايات المتحدة الأمريكية ، إلا أن ذلك لا يعني أن تكون طرفا في محور تحالف مع طرف ضد طرف آخر ؛ لأن عمان تحافظ على عرى الصداقة مع الآخرين أيضا ، وواشنطن تدرك هذا التوجه العُماني ، فالسلطنة لم تذهب إلى الاجتماع الذي دعت إليه " كونداليزا رايس " بهدف تجميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى جانب دول مجلس الأمن لحشد التأييد ضد الملف النووي الإيراني ، وكذلك كانت تدرك السلطنة في قضية السودان ، أنها غير مضطرة لمجاراة واشنطن في توجهاتها ، وبرغم أن لسلطنة عمان اتفاقية تسهيلات مع الولايات المتحدة الأمريكية في المجال العسكري ، إلا أن استخدام هذه التسهيلات يشترط أن يسبقها موافقة واضحة من السلطنة لا يمكن استخدامها دون ذلك ، فسلطنة عمان تقيس مدى هذا الطلب فيما يناسب مصالحها التي تقبل بعضها وترفض البعض الآخر .
تحتفظ سلطنة عمان بدور مهم في حفظ التوازن بمنطقة الخليج ، حيث توفر قناة مثالية للحوار بين دول الخليج العربية وجارتها الكبرى غير العربية إيران ، والدبلوماسية العُمانية كان لها دور حيوى فى استمرار الحوار المباشر وغير المباشر بين مصر وإيران خلال فترة انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين منذ العام 1979 وحتى استئناف هذه العلاقات فى 26 مارس 1991 ، وبفضل مجموعة العلاقات الدبلوماسية ، التي أقامتها السلطنة مع الدول الكبري ، فقد استطاعت أن تحتفظ لنفسها بهامش للمناورة ومساحة للحركة ، خصوصا بعد أن تم تبادل العلاقات الدبلوماسية بين سلطنة عمان والصين فى عام 1978 ، وإقامة علاقات دبلوماسية وتبادل السفراء بين مسقط وموسكو فى ديسمبر 1987، مما أهل السلطنة لتبوأ مقعداً أمامياً بين الفاعلين في الساحة السياسية الدولية ، لما تمتلكه من قدرة فائقة علي القيام بدور الوساطة الدبلوماسية .
ظل تعامل سلطنة عمان مع جيرانها في دول الخليج نموذجا يُحتذى به في علاقات الجيران والأشقاء وتقف مسألتا ترسيم الحدود وموقف السلطنة من العملة الخليجية الموحدة كشاهدين على ذلك ؛ ففي القضية الأولى لم تقدم السلطنة تنازلات خلال ترسيم الحدود ، وإنما كانت هناك رغبة عُمانية في إيجاد حالة توافق مع دولة الإمارات العربية المتحدة ، والمملكة العربية السعودية ، والجمهورية اليمنية ، والجمهورية الإسلامية الإيرانية ، وباكستان ، التي تشترك معها في الحدود البرية والبحرية ، وفي مسألة العملة الموحدة ، فقد رأت عمان أن المراجعة مطلوبة في عملية الانضمام ، مثل أي شيء كأسعار الصرف وحجم الاحتياطات وليست عملية المراجعة مرتبطة بسقف زمني ، ولم تقل إنها لن تنضم نهائيا إلى العملة النقدية ؛ فكل شيء قابل للمراجعة على ضوء ما تمليه مصالح السلطنة .
السياسة الخارجية المتوازنة لسلطنة عمان جعلها تتبوأ مكانة هامة ومصداقية كبيرة علي الساحة الدولية ، الأمر الذي أهلها للقيام بالوساطة بين إيران والولايات المتحدة وجمعهما في مفاوضات سرية علي أراضيها ، أسفرت عن تحويل الملف النووي الإيراني من حافة المواجهة العسكرية بين إيران والدول الغربية ، إلي الحوار والتفاوض حول ذلك الملف في مفاوضات إيران ومجموعة " 5 + 1 " ، والذي حقق تقدما هاماً في مرحلته الثانية حتي الآن .
في ظل الحالة العربية التي يشهد كثير من دولها تدهور أمني يرتقي في بعضة للحرب الأهلية ، وبعضها الآخر يعيش حالة من الاحتقان المذهبي ، يعول الكثير من الشعوب العربية علي سلطنة عمان للقيام بدور يعيد للأمة العربية أمنها واستقرارها ونهضتها ووحدتها التي افتقدتها ، وتحويل تلك الطاقات العربية المهدرة في الصراعات الداخلية والمذهبية إلي البناء والتنمية ومواجهة العدو الحقيقي للأمة العربية والإسلامية .

كاتب وباحث في الشئون الآسيوية
ahmedtrabic@hotmail.com


التعليقات