الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الكسوة - الحلقة العاشرة

الكسوة
إن الاهتمام بكسوة البيت العتيق كان ولا يزال يكعس مدى الاهتمام الكائن بها وتقديسها وتشريفها، ويبين مكانة البيت العتيق في النفوس.
والكسوة في اللغة: "الكُسْوَةُ والكِسْوَةُ: واحدة الكسا" (الجوهرى)، و"الكِسْوَةُ والكُسْوةُ: اللباس" (الفراهيدي) و"كَسَوْته: ألبسته. واكْتَسَى: لبس الكِسْوة. واكْتَسَتِ الأرض بالنبات: تغطت به" (الفراهيدي)، وفي "لسان العرب": "يقال: كَسَوْت فلاناً أَكْسُوه كِسْوةً إذا أَلبسته ثوبًا أَو ثيابًا فاكْتَسى" (ابن منظور).
وكسوة البيت العتيق: هي تلك الأستار التي تتخذ فوق جدران البيت فيتغطى بها ويستر كأنها ثيابه.
الكسوة قبل الإسلام
تتعدد الروايات التاريخية حول أول من كسا البيت العتيق؛ فيذهب بعضها إلى أن سيدنا إسماعيل عليه السلام هو أول من كسا الكعبة، ويذهب البعض الآخر إلى عدنان جد النبي ـ صلى الله عليه وسلم، غير أن الثابت في أكثر من رواية تاريخية أن أول مَن كساها هو تبع أبي كرب أسعد ملك حمير سنة 220 قبل الهجرة، قال به ابن حجر العسقلاني وغيره، وقد نهي النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ عن سبه، فقد روى الأزرقي بسنده أن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ نهي عن سب أسعد الحميري لأنه هو أول من كسا الكعبة. "وأخرج ابن عساكر عن ابن إسحق قال أري تبع في منامه أن يكسو البيت فكساه الخصف ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه العافر ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الوصائل وصائل اليمن فكان تبع فيما ذكر لي أول من كساه وأوصى بها ولاته من جرهم وأمر بتطهيره" (السيوطي؛ الدر المنثور؛ ج7؛ 1993م ؛ ص 417).
ويذكر الأزرقي أن قريش كانت ترافد في كسوة الكعبة، "فيضربون ذلك علي القبائل بقدر احتمالها، من عهد قصي بن كلاب حتى نشأ أبو ربيعة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان يختلف إلي اليمن يتجر بها فأثري في المال، فقال لقريش: أنا أكسو وحدي الكعبة سنة وجميع قريش سنة، فكان يفعل ذلك حتى مات يأتي بالحبرة الجيدة من الجند فيكسوها الكعبة فسمته قريش العدل لأنه عدل فعله بفعل قريش كلها فسموه إلي اليوم العدل ويقال لولده بنو العدل" (الأزرقي؛ أخبار مكة؛ ج1؛ ص 251و252).
وكانت الكعبة قبل الإسلام تُكسى في يوم عاشوراء؛ فقد روي الأزرقي "عن خالد عن ابن المهاجر أن النبي (صلي الله عليه وسلم) خطب الناس يوم عاشوراء فقال النبي (صلي الله عليه وسلم): هذا يوم عاشوراء يوم تنقضي فيه السنة، وتستر فيه الكعبة، وترفع فيه الأعمال" (الأزرقي؛ ص 252). ثم صارت الكعبة تُكسى في يوم النحر، وكانوا يعمدون إلي الكعبة في ذي القعدة فيعلقون كسوتها إلى نحو نصفها، ويسمون هذا إحرام الكعبة، فإذا حل بالناس يوم النحر كسوها الكسوة الجديدة.
ويقال أن أول امرأة كست الكعبة هي نٌتَيلة بنت حباب أم العباس بن عبد المطلب؛ يقول الفاسي:
"كستها الحرير والديباج علي ما ذكر أبو عبيدة فيما نقله عنه ابن الحاج في منسكه ونقل عن أبي عبيدة أن سبب كسوتها للكعبة أنها أضلت العباس صغيرًا فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة فلما وجدته كستها ذلك وهي أول عربية كست الكعبة الديباج علي ما ذكر السهيل وغيره وذكر الزبير بن بكار أن الذي أضلته أم العباس ونذرت أن تكسو البيت إن رده الله عليها ابنها ضرار بن عبد المطلب شقيق العباس ثم قال أنها كانت تنشده بأبيات ثم قال فأتاها به رجل من الخدم فكست البيت ثيابًا" (الفاسي؛ ص 121).
الكسوة في صدر الإسلام
لم يستطع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يكسى الكعبة قبل الفتح، فما كان الكفار ليسمحوا له بذلك. غير أن الكعبة لبست أول كسوة إسلامية في العام التاسع الهجري بعد أن فتح المسلمون مكة، كساها الثياب اليمانية، وأقر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يتحمل بيت مال المسلمين نفقتها.
وكانت الكعبة تكسى في الجاهلية الأنطاع، ثم كساها النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ الثياب اليمانية، ثم كساها عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وكذلك عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ بالقباطي، ثم كساها الحجاج بن يوسف الثقفي الديباج، ويقال أن أول من كساها الديباج كان يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان بن حرب، ويقال ابن الزبير بن العوام ـ رضي الله عنهما، ويقال أنه عبد الملك بن مروان.
ويقول الأزرقي:
"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كسا الكعبة القباطي من بيت المال، وكان يكتب فيها إلي مصر تحاك له هناك، ثم عثمان من بعده، فلما كان معاوية بن أبي سفيان كساها كسوتين كسوة عمر القباطي، وكسوة ديباج، فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء، وتكسي القباطي في أخر شهر رمضان" (الأزرقي؛ أخبار مكة؛ ج1؛ ص 253و254).
ويفهم من كلام الأزرقي وغيره أن الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ والخلفاء الراشدين من بعده قد كسوا الكعبة علي نهجه ـ صلي الله عليه وسلم؛ إلا أنهم لم يذكروا لنا صفة كسوة أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه، ولم يصرح أحدهم بكسوة علي ـ كرم الله وجهه ـ للكعبة. ولعل السبب في ذلك أن الرواة في عهد أبي بكر اهتموا بذكر تفاصيل حروب الردة، أما الإمام علي ـ كرم الله وجهه؛ فلعله انشغل بحروب الفتنة عن ذلك.
أما معاوية ابن أبي سفيان؛ فقد كسا الكعبة كسوتين بعد أن استقرت له الأمور، وذلك لكثرة الأموال في بيت المال، فأمر معاوية بتغيير موعد الكسوة، بأن جعل الكسوة الأولي في يوم عاشوراء وتكون من الديباج، والثانية في أخر شهر رمضان وتكون من القباطي، كما خصص لها طيبًا تطيب به بعد كل صلاة.
الكسوة في العصر العباسي
لم يهتم خلفاء الدولة العباسية في بداية عهدهم بكسوة الكعبة المشرفة؛ نظرًا لكثرة القلاقل، لكن عندما تولى المهدي الخلافة قام بكساء الكعبة المشرفة كسوة جديدة؛ وهي الكسوة التي تعد أول كسوة للكعبة في العصر العباسي، وكانت سنة 160ه، وكساها بعد أن قام بتجريدها مما تراكم عليها من كسوة. كما أمر المهدي للكعبة بثلاث كسوات سنويًا؛ واحدة من القباطي، وأخري من الخز، وثالثة من الديباج.
يقول عبد الكريم القطبي:
"فلما كانت أيام خلافة المأمون أمر أن تكسى الكعبة ثلاث مرات كل سنة فتكسى الديباج الأحمر يوم التروية، وتكسى القماطي أول رجب وتكسى الديباج الأبيض في عيد رمضان، واستمر علي ذلك ثم انتهى إليه أن الإزار الذي تكسى به الكعبة في عاشوراء ويلصق بالقميص الأحمر الذي تكسى به يوم التورية لا يصبر به إلي تمام السنة وأنه يحتاج إلي أن يجدد لها إزار علي عيد رمضان مع قميص الديباج الأبيض الذي تكسى به علي العيد فأمر أن تكسى إزارًا أخر علي عيد رمضان، ثم بلغ المتوكل علي الله أن الإزار يبلى قبل شهر رجب من كثرة مس أيادي الناس فزادها إزارًا، وأمر بإسبال قميص الديباج الأحمر إلي الأرض ثم جعل فوقه في شهرين إزارًا" (القطبي؛ ص 61).
وظل خلفاء بني العباس علي اهتمامهم بالكسوة؛ ويذكر محقق كتاب "أخبار مكة وما جاء بها من الآثار" ـ رشدي صالح ملحس ـ أنه مع بداية خلافة الناصر العباسي كسيت الكعبة ثوبًا أخضر، ثم ثوبًا أسود، واستمر اللون الأسود حتى الآن.
وترجع بدايات الكسوة الداخلية إلي عصر العباسيين الثاني؛ فقد صنعوا للكعبة كسوة داخلية من الحرير الحمر المحلى بالذهب مكتوب عليها "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وهذه الكسوة الداخلية لا تجدد سنويًا، لكن علي فترات متباعدة؛ فتغير في المناسبات كتولي خليفة أو سلطان العرش. وربما كان السبب في ذلك أن الكسوة الداخلية محفوظة داخل الكعبة لا يصل إليها الغبار والتراب والشمس، ولقلة الداخلين إلي الكعبة المشرفة.
وعندما ضعف أمر العباسيين صارت الكسوة ترسل من بعض ملوك الهند، وفارس، واليمن، ومصر حتى اختصت مصر بكسوة الكعبة. ويذكر الفاسي:
"وكساها أبو النصر الاستراباذي كسوة بيضاء من عمل الهند في سنة ستين وأربعمائة وكسيت في هذه السنة الديباج الأصفر وهذه الكسوة حملها السلطان محمد بن سبكتكين ثم ظفر بها نظام الملك وزير السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي فأرسل بها إلي مكة وجعلت فوق كسوة أبي النصر" (الفاسي؛ ص 122).
كسوة الفاطميين
شهدت الدولة الفاطمية بداية التحول نحو بروز أكثر لدور مصر في كسوة الكعبة؛ فقد حرص حكام مصر الفاطميين على إرسال كسوة الكعبة في كل عام. وتميزت الكسوات الفاطمية بطابعها الغريب، فخليفتهم الثاني العزيز بالله كسا الكعبة في عام 381ه بكسوة بيضاء اللون، أما كسوة الحاكم بأمر الله؛ فقد ذكر بن إياس أن جماعة من العربان سطو علي كسوة الكعبة ونهبوها، فكسيت الكعبة في تلك السنة بنوع من القماش يُسمى الشنفاص الأبيض.
وكانت كسوة الفاطميين بيضاء؛ لأن اللون الأبيض كان شعارهم؛ وكان عليها شريطان مطرزان عرض كل منهما حوالي نصف متر، وارتفاع الكسوة بين الشريطين حوالي 5 أمتار، فكانت الكعبة تظهر بهذه الكسوة وكأنها مقسمة إلي ثلاثة أقسام.
وكانت أول كسوة يرسلها الخليفة المعز لدين الله الفاطمي في سنة 364ه؛ وبعد وفاته تولى خلفاؤه من بعده إرسال الكسوة، فأرسل العزيز بالله كسوةً بيضاء اللون، وفي سنة 384ه أرسل العزيز بالله كسوتان للكعبة. وهكذا أصبحت الكسوة في العهد الفاطمي ترسل مرتين في السنة، وكانت أحيانا ترسل عن طريق البحر، ولم يقتصر دور الخلفاء الفاطميين عند حد إرسال كسوة الكعبة فقط، بل كانوا ينعمون علي أهل الحجاز بعطاياهم ويغمرونهم بإنعاماتهم.
كسوة الأيوبيين والمماليك
لم يهتم الأيوبيون في أول الأمر بإضفاء شعارهم علي الكسوة، فكانوا يكسونها اللون الأبيض ـ كما هو حال سلفهم الفاطميين ـ وأحيانًا الأحمر، ثم كسوها اللون الأخضر فيما بعد حتى أصبح هذا اللون هو الطابع المميز لكسوتهم للكعبة. وكانت كسوتهم تصنع في الكعبة وكانت في أغلبها من الحرير الأسود وبطانتها من الكتان، ويكتب عليها "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وفيها سورة الإخلاص، وجعلوا لها طراز مدور من جهة الأرض يكتب عليه آيات قرآنية وإهداء السلطان.
وكان هناك تنافس وصراع علي من يقدم الكسوة للكعبة مع اليمنيين؛ لكن مع بداية الدولة المملوكية انفردت مصر تمامًا بإرسال كسوة الكعبة، فأرسلها السلطان الظاهر بيبرس في القرن السابع الهجري؛ سنة 661ه؛ وظلت تُكسى من مصر طوال العصر المملوكي باستثناء سنوات قليلة، حيث تشبث المماليك بما اعتبروه حقهم في كسوة الكعبة رافضين أن ينال أحد غيرهم هذا الشرف، حتى وإن اقتضى ذلك التصدي لأي طامع في نيل شرف كسوة الكعبة بالسلاح.
وقد أوقف السلطان الملك الصالح إسماعيل ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون قريتين بنواحي القليوبية اشتراهما من بيت المال لعمل الكسوة؛ والقريتين هما يبسوس وسندبيس؛ ثم أرسل أخوه الملك الناصر حسن من بعده كسوة كانت أطول من سابقتها تصل إلي الأرض، وكانت من حرير أسود وفيها جامات مزركشة بالذهب، وفي وسطها جامة كبيرة مزركشة بالذهب، وكان ذلك سنة 701ه.
كسوة العثمانيين
استمرت مصر ترسل الكسوة في ظل حكم العثمانيين؛ فاستمر السلطان سليم الأول يرسل الكسوة علي ما جرت به العادة من مصر، وكانت الكسوة سوداء. وأقر السلطان سليم وقف السلطان الصالح إسماعيل بن قلاوون المخصص لكسوة الكعبة، وأما ابنه السلطان سليمان القانوني فقد رأى عدم وفاء هذا الوقف بالتزامات الكسوة فقرر وقف سبع قرى. ويشير نص الوقفية التي أمر بها السلطان سليمان القانوني إلي أن القرى الوقفية السبعة هي: قرية سلكة (إحدى قري مركز المنصورة)، قرية سرو بجنتمه (السرو/مركز فارسكور/الدقهلية)، قرية فريش الحجر (أويش الحجر/مركز المنصورة/الدقهلية)، قرية مناديل (المغامل/مركز شبين القناطر/القليوبية)، قرية بحبام (ضواحي القاهرة)، وقرية منية النصارى، قرية بطالية.
وتبدأ الوثيقة بديباجة منمقة، وبلغةٍ شدية التكلف في الصياغة والسجع، وبها ألفظ ركيكة:
"الحمد لله الذي رفع القبة الخضراء، وبسط الغبراء، وسمك في سمائه الأفلاك، وملك في ارضه الأملاك، ففتح مناهج الملك والدولة الغراء، بيمن وقاية السلاطين، وحسن رعاية الأمراء، وجعل الكعبة البيت الحرام لشعائر الدين الزهراء، {فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه} واستسعد بحجة يوم الجمراء، ثم الصلاة والسلام علي سيد الأنبياء، محمد أعلم الرسل الأعلام والأبناء، وعلي آله الكرام الأتقياء، وأصحابه العظام الأصفياء" (رفعت؛ 1401ه/1981م؛ ص 285).
وتمضي الوثيقة بهذه اللغة إلي الجزء الذي يهمنا منها، وهو الخاص بالقري التي صارت وقفًا يُصرف من عائداتها علي الكسوة الشريفة؛ وهو:
"وحكى بأنه قد وقف أوقافًا وسبلها، وحبس أملاكًا وكملها، علي النمط الأكفى الأشمل، وعلي الطريق المشروع الأكمل، لتكون لهذه المصلحة أوقافًا قارة، وإدارات دارّه، في الدنيا العاجلة، ومفيدة له في يوم الجزاء والآجلة وتكون عدة معدة لغده عن أمسه، وميزة منوّرة لا تفارق رمسه، وتصيرها جسرة من العذاب وجنة، ويكون جزاها مثل جزاء الحج المبرور الجنة، وتكون باعثة للرفاعة وموجبة للشفاعة، منها جميع القرى الثلاثة المسماة بيسوس وأبو الغيث وحوص بقمص الواقعة بالولاية المصرية التي كان حاصل منها في السنة الواحدة مبلغ (89000) درهم ومنها جميع القرى السبع الجديدة الواقعة في الولاية الشرقية بالديار المصرية أولها قرية (سلكه) كان حاصل منها في تلك السنة مبلغ (30496) درهمًا وثانيها قرية (سير ونجنجنة) حاصلها فيها مبلغ (71820) درهمًا وثالثها قرية (قريش الحجر) حاصل ما فيه مبلغ (51304) درهمًا ورابعها قرية (مناديل وكوم ريحان) كان حاصل ما فيها مبلغ (37840) درهمًا وخامسها قرية (بجام) حاصل ما فيها (14934) درهمًا وسادسها قرية (منية النصارى) حاصل ما فيه مبلغ (60858) درهمًا وسابعها قرية بطاليا وحاصلها فيها (10484) درهمًا" (رفعت؛ 1401ه/1981م؛ ص 287).
فيكون مجموع المبالغ التي صارت بهذه الوقفية 365752 درهمًا فضيًا، وهو ليس بالمبلغ القليل في هذا الزمان.
ولقد اختصت مصر بالكسوة الخارجية ـ فقط ـ منذ سنة 1118ه، حين أمر السلطان أحمد ابن السلطان محمد الرابع بصناعة كسوة الكعبة الداخلية في اسطنبول ثم ترسل إلي مكة عن طريق مصر؛ واستمر سلاطين الدولة العثمانية في إرسال الكسوة الداخلية إلى عهد السلطان عبد العزيز بن السلطان محمود الثاني، ثم انقطعت الدولة العثمانية عن إرسال الكسوة الداخلية، وبقيت أخر كسوة أرسلت سنة 1227ه.
وفي عهد محمد علي باشا؛ أرسلت أول كسوة للكعبة في عهده في ذي القعدة 1220ه/يناير 1806م، ثم توالى إرسالها حتى حدث الاصطدام بين الوهابيين في الأراضي الحجازية وقافلة الحج المصرية في سنة 1222ه/1807م حيث توقفت مصر عن إرسال الكسوة مدة ست سنوات حتى استقرت الأمور في الحجاز، ولم ترسل للكعبة المشرفة كسوة من مصر إلا في شوال سنة 1228ه/1813م؛ حين قرر محمد علي باشا السفر إلى الأراضي الحجازية بنفسه.
"وكانت العادة المتبعة إلي عام 1332 أن يكتب اسم السلطان العثماني فقط علي الحزام، وفي عام 1333 أضيف إلي جانب اسم السلطان العثماني، هذه العبارة (والآمر بها السلطان الكامل حسين) إشارة إلي السلطان حسين كامل الذي تولي السلطنة المصرية حينذاك" (الأزرقي؛ أخبار مكة؛ ج1؛ هامش ص 259).
الكسوة في العصر الحديث
استمرت مصر كعهدها ترسل الكسوة سنويًا للبيت العتيق في مواعيد محددة، ترتبط بموسم الحج؛ حتى وقع خلاف بين الحكومة المصرية وبين الشريف حسين ملك الحجاز سنة 1341ه؛ وذلك أنه لما وصل المحمل المصري إلي جدة يصحب معه كسوة الكعبة، والجراية، والبعثة الطبية، ومنع الشريف حسين دخول البعثة الطبية إلي مكة المكرمة، فوقع الخلاف، ورجع المحمل من ميناء جدة بكل ما معه من الجراية وكسوة الكعبة، وكان ذلك في آخر شهر ذى القعدة سنة 1341ه، فلما رأي ذلك الشريف حسين أبرق إلي المدينة المنورة، وأمر أميرها بأن يرسل كسوة الكعبة التي أودعتها الحكومة التركية (سنة 1334ه/1916م مع بدايات الحرب العالمية الأولي)، وفعلاً نقلت الكسوة من المدينة، وعبرت رحلة طويلة قبل أن تصل إلي مكة، ووصلت في اليوم الذي تكسى فيه الكعبة المعظمة؛ وهو اليوم العاشر من شهر ذي الحجة سنة 1341ه، وكسيت بها الكعبة.
وبعد ذلك أمر الشريف حسين بعمل كسوة للكعبة في العراق احتياطًا لسنة 1342ه، إذا لم يحل الخلاف الواقع بينه وبين الحكومة المصرية، وإذا امتنعت الحكومة المصرية عن إرسال كسوة الكعبة؛ فلما أتي موعد مجيء الكسوة من مصر في ذلك العام، جاءت الكسوة كالعادة وكسيت بها الكعبة المعظمة، وبقيت الكسوة التي نسجت في العراق محفوظة. فلما كان عام 1343ه استولي الملك عبد العزيز الفيصل آل سعود على مكة المكرمة، وبسبب الحرب التي وقعت بينه وبين الشريف حسين أولاً، امتنعت الحكومة المصرية في أثناء ذلك عن إرسال كسوة الكعبة لعام 1343ه، فكساها الملك عبد العزيز بالكسوة التي نسجها الشريف حسين بالعراق وحفظها؛ وعندما استتب الأمر للملك عبد العزيز آل سعود سنة 1344ه؛ أرسلت الحكومة المصرية كسوة الكعبة المعظمة مع المحمل، وما تبعه من جند، وغير ذلك، فكسيت بها الكعبة في ذلك العام، ثم في موسم ذلك العام وقعت حادثة المحمل بمني.
فلما كان عام 1345ه، وحان وقت مجيء الكسوة من مصر، منعت الحكومة المصرية إرسال الكسوة المعتادة للكعبة المعظمة مع عموم العوائد مثل الحنطة، والصرور، وما شاكل ذلك، التي هي من أوقاف أصحاب الخير علي أهل الحرمين منذ مئات السنين، أمر الملك عبد العزيز بعمل كسوة من الجوخ الأسود وذات كتابات بالقصب المموه بالذهب، وغيره من مستلزمات كسوة الكعبة، وكسيت الكعبة بها في هذا العام. وبعد حل هذا الخلاف عادت مصر في 1355ه إلي إرسال الكسوة إلي البيت العتيق كعادتها حتى توقفت عن ذلك تمامًا في سنة 1380ه/1961م، حيث كانت هذه هي أخر كسوة مصرية للكعبة المشرفة، وقد سلمت بوثيقة اشهاد شرعي من قبل اللجنة المكلفة بذلك من قبل الحكومة المصرية.

مراجع هذه الحلقة:
1. إبراهيم حلمي ـ كسوة الكعبة المشرفة وفنون الحجاج ـ عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية ـ الطبعة الأولي ـ 1994م.
2. إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ دار المريخ ـ الطبعة الثانية ـ الرياض ـ 1401ه؛ 1981م.
3. ابن منظور ـ لسان العرب ـ نسخة إلكترونية.
4. الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ دار الثقافة العربية ـ بيروت ـ لبنان ـ الطبعة الثالثة ـ 1399ه/1979م.
5. الجوهري ـ الصحاح ـ نسخة إلكترونية.
6. الخليل بن أحمد الفراهيدي ـ العين ـ نسخة إلكترونية.
7. السيوطي ـ الدر المنثور ـ دار الفكر ـ دمشق ـ سوريا ـ 1993م.
8. الشوكاني ـ فتح القدير ـ دار الفكر ـ دمشق ـ سوريا ـ بدون تاريخ.
9. الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ مكتبة النهضة الحديثة ـ مكة ـ 1956م.
10. القرطبي ـ تفسير القرطبي ـ دار الشعب ـ الطبعة الثالثة ـ القاهرة ـ مصر ـ 1404ه.
11. حامد عباس ـ قصة التوسعة الكبري ـ الناشر : مجموعة بن لادن السعودية ـ الطبعة الأولي ـ جدة ـ 1416ه/1995م.
12. عبد القدوس الأنصاري ـ التاريخ المفصل للكعبة المشرفة قبل الإسلام ـ نادي مكة الثقافي الأدبي ـ مكة ـ 1418ه/1419ه.
13. عبد الكريم القطبي ـ إعلام العلماء الأعلام ببناء المسجد الحرام ـ دار الرفاعي ـ الرياض ـ الطبعة الأولي ـ 1403ه/1983م.
14. حسين عبد الله با سلامة ـ تاريخ الكعبة المعظمة عمارتها وكسوتها وسدانتها ـ الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام علي تأسيس المملكة ـ الرياض ـ 1419ه/1999م.
15. مجلة الدارة: العدد الثالث ـ السنة الحادية والثلاثون ـ الرياض ـ المملكة العربية السعودية ـ 1426ه.
16. مجلة الدارة: العدد الرابع ـ السنة الحادية والثلاثون ـ الرياض ـ المملكة العربية السعودية ـ 1426ه.


التعليقات