أخر المقالات

عن الكاتب الذي يلتهم بشغف في وليمة المجتمع ... أحدثكم!

الكاتب : بدر غياتي

الكاتب نباتي بفطرته لا يحتاج أكلا مفعما ببروتيدات حيوانية أو طبقا متنوعا من حفلة بأطباق لذيذة حافلة بما لذ وطاب، تثقل مسعاه للوصول إلى كبد الحقيقة، أو ملامسة الأشياء التي تزعج البعض ..
الكاتب الحقيقي"شايوي" أو "قهوجي" تستهويه رائحة البن التي خلقت ربما من أجله أو وريقات الشاي المجففة التي تخالط ماء ساخنا وسكرا تعطيه حيوية ونشاطا لغدده وعروقه كي يرسم ألوانا من كلاما حيران، كي يرنو بفكره قِبَلَ المشرق أوالمغرب ، أو في جهات العالم الأربعة لأنه يعتبر نفسه مركز الكون، كي يغزو العالم بسلاحه القلمي لمطعم برصاص الحبر .. ويبدأ في إسكات ضجيج الفراغ الورقي ..
هو بالذات من المفترض أن يكون نباتيا كي يحافظ على رشاقة اللغة، ويجعل النص الذي تدخل فيه الأحداث مثل لباس أنيق يهصر جسما رشيقا ، كأنه ذاهب إلى حفلة صاخبة بالأنظار اللاهثة عن تقصي تفاصيل الأجساد ...
الكاتب هو كافر ومؤمن وحي وميت وصديق وخائن وطالب مصلحة وليست له مصلحة، شخوصه وطريقة تناوله قد تقوده لاتهامه من طرف كتاب سطحيين، أو من يطبق مثال "سمعت عنك ولم أقرأ لكَ" ... هو حيث تجتمع المتناقضات، هو أيضا كسائر البشر .. بين الحياة والموت يكتب عن كل شيء ويفكك الرموز ويجعل منها استهلالا لمقدمات تبدأ من أشياء غريبة أو عادية تنتهي بأشياء غير متوقعة .. أوأن الكاتب كما قد يكفر بمعتقدات السلطة وبتقاليد مجتمع "محافظ" على التخلف والجهل والأمية والعادات البالية .. قد يمتدح السلطة ويحور النقاشات ويحرف الوقائع، بعد أن يغريه سلطان المال البراق ..
الكاتب الذي نريد، ليس بمقدوره أن يسكت وليس بإمكانه أن يسكت أو يخرس، فهو يتكلم طوال النهار .. هو دوما في معتقل الكتابة على الدوام يرى نورا قادما بوهج لا يستطيع تفاديه إلا بهجوم مضاد بسيف القلم وواقي الورق، يعتصر خلاياه الدماغية دَفْق بارع من أسئلة وجودية، وآنية ... هو حريف الطروحات... لا يكل ولا يمل ... وحدها الكتابة والتخطيط فوق بياض الورق كلما فزع للكتابة يداويه ويسكن بعضا من آلامه العديدة ..
الكاتب الجيد، أو الكاتب الرديء ليسا وصفة جاهزة بل كلاهما بما يجود به اهتزاز انفعالي وانعكاسي للجيد والرديء، للطيب والخبيث، للجذاب والمنفر، للعميق والسطحي، هو ذاك الشخص الذي يترك المجتمع يبرع في نسج خيال الرواية يبرع أكثر منه بالطبع، فيلتقطها هو بشاشه الأنيق بين شناتره التي تنسج وتقيم وتحبك، وتملك براعة الرصف والتنضيد، كأنه آجور مع الملاط يقيم بناء منيفا، يمثل شاهدا لتفاصيل حكاية الإنسان، أو كأنه مخرج سينمائي يبرع في إخراج الصورة، وملحاح في التصوير الدقيق، لا يحابي أحدا ويصور الواقع كما هو، كما جاء، كما انعكس في مرآة الواقع، ويترك الأحداث تتعارك في صفحات الورق وتئن بها مدن أفكاره التي تمتلئ حركة وتضج بها...
ترى هل نمتلك كتابا يكتبون بمصداقية ؟ نعم هناك الكثير من يكتب بصدق، لكنهم الشعة البيضاء في وبر الثور الأسود، إنهم كالكبريت الأحمر في الندرة، فالكاتب إن حمل مسمى الكاتب بالفعل، فهو سليط الكاتبة مثل عثة في جسم السلطة والمتسلطين، ومُشرح بارع لا يستكين بمشرطه يكتب عن ضحايا المجتمع المنافق الذي يغرق في سمفونية فصامية تشد بنكوص إلى التطبيع مع هدنة الخلود إلى الأرض والقبول بما يكون، هو منبه حاذق وشرس لا تستميله السلطة أبدا - عن كاتب لا يتبع السياسي أحدثكم - يعري كل شيء ويزيل أغلفة الأوهام والزيف عن الأشياء، ومتحر لكل شيء .. وأنا هنا لا أقرنه بعمل الصحفي فلكل ميدانه، فالصحفي يمتح فكره من فكر يومي، ويمارس أيضا نوعا من الكتابة، لكن الكاتب الأصيل أن يكتب دون تتأفف ودون عجلة، بل يترك الأشياء تتراكم كي يحبكها ويجمعها في أسفار، دون أن يترك شاردة أو واردة إلا أحصاها .. هو مؤرخ يكتب بعمق، وعالم اجتماع إن تكلم عن ظاهرة لكنه يرفض الكتابة سلفا حتى تجتمع عناصر وشروط الظاهرة ...
وحتى إن كتب عن فانتازيا خيالية لا توجد سوى في ذهنه، فهو بأدواته يعبر عن الواقع بجدارة دون شك وبأدوات عناصر الواقع أيضا، فهو يحاكي الخير والشر، والمحبة والكراهية، والصدق والكذب، والأمانة والخيانة فوق بساط الريح لبطل مجيد، أو في قصر أسطوري يوجد فوق السحاب لملك بتاج براق، أو مع عصا سحرية تحول كل شيء ذهبا وتثير أطماع المجتمع .. كل الحكايا عنده يطبق فيها معالم قامت عليها الأديان الممجدة للفضيلة والنابذة للرذيلة، هو يوجد حيث توجد الإنسانية بنتاقضاتها البارزة كنتوءات جبيلة ...
الكاتب لا يجلس في مكان وثير حسبما يخيل للبعض، أو حتى إن جلس يوما فوق أريكة مريحة أو مكان مريح فيما يبدو، فذلك زيف قائم وعنصر من عناصر واقع واهم، فأسئلته قادمة دوما على راحلة متبعة بالبحث عن جواب في التفاصيل، فهو يجلد الذات قبل أن يجلد الآخرين، وهو يستهل دوما كتاباته ببساطة أو بعمق مرهف، يجعلك تستسلم لأياديه الناعمة وهو يلين ويطوع أفكارك المراهقة، أو يفزعك بما لم تدركه أبصارك وحواسك العاطلة أصلا، ويتركك تستسلم لخطام الحقيقة بعد أن يزجر أنانية أفكارك ومعتقداتك التافهة، هذا إلم تشتم أصلا في نهاية المطاف بعد أن تنهي قراءة كلماته رائحة حريق بدأت تشب في ثوب أفكار المجتمع ... هو ينبه إلى الألغام التي في الرؤوس ويعدها بحسبه أخطر من الألغام التي زرعتها البشرية تحت الأرض ...

الكاتب شخص فوق البشر لا يشبه البشر، تحت الأنبياء أو يكاد يشبههم في أشياء، وليس ملاكا أبدا، وهو بالطبع يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوج ويكسب المال ويباشر الناس، لكنه ليس تالله مثلهم، عينه لاقطة ، ينظر للامرئي في الأشياء المرئية ... لكن توظيفه للأحداث على مسرح يجسد تفاعلاتهم بالنسبة إليه وليمة فارهة ... يسيل لها لعابه، وهو يكتب بشغف كأنه يلتهم بأدب وبلذة باديين، وحاله يكتب عما يضطرم في صدره، دون أن يخشى لوما من أحد أو تأنيبا ... لأن له رسالة جاء يؤديها ويرحل ... كما يرحل الأنبياء بعد يوصلوها بأمانة لبني البشر، بعد أن تتجدد الجاهلية فيهم في كل عصر وأوان!!
▬▬▬▬▬▬▬
©(بدر غياتي 2014)


التعليقات