أخر المقالات

1 هى وعزلتها والكتابة ........قصة قصيرة بقلم د / نجوى محمد سلام

سمعت صوتاً يخرج من أعماقها يأمرها بالكتابة ، فى البداية كان الصوت خافتاً لكن أضحى الآن أمراً ملحاً يحرضها على ملاحقة الحروف والكلمات ، كان الجميع يعرف عنها هوسها الأزلى للقراءة وتلذذها بلقب المحيطين بها بكونها أميرة الروايات كانت تأسرها شخصياتها بملامحها وفلسفاتها .
الآن هى أسيرة الذكريات تلتصق بها أكثر تمتلئ ذكرياتها بمفارقات تكتظ بالحزن والسخرية فى آن واحد معاً ، لا يزال الصوت يلح عليها ويأمرها بحتمية الكتابة ترتجى فى حروفها آماناً بعيداً عن دورات الحزن والقلق التى تتوغل فى أعماقها تنهشها ، حاولت مراراً أن تنحى فكرة الكتابة جانباً لكنها فى النهاية لم تستطع السيطرة فرت حروفها من حيز أصابعها دون إرادتها .
تساءلت بدهشة " ما الذى كنت أود قتله بالكتابة ، ثمة خطأ ما بالتأكيد " همس لها الصوت مرة أخرى " أنت الآن أصبحت فى مواجهة مسئولية الكتابة وعبئها الثقيل "
أمسكت بالقلم حاولت بعثرة الذاكرة لكن أبت أوراقها الغضبى ، أرهفت السمع لحكاياتها الليلية كانت تنشد بها اختلافاً عمن حولها مؤكدة فى أعماقها على ذاتها الأدبية بجمهوريتها المتفردة والمنعزلة وشخصيتها الحالمة .
تساءلت باستنكار " كيف تجتاز تاء التأنيث المحاصرة بأعماقى حدود الذكورية التى تحيطنى سياجها ليل نهار ، أن تعلن عن نفسها ، أن تخرج من عزلتها ببساطتها الآسرة "
فى البداية ارتجف القلم فى يدها وارتعشت اللغة كانت تبحث عن حروف تخصها وحدها ، انتظرت الليل بفارغ الصبر وحدها من تعرف لليل قيمته وقدسيته ومتاهاته وهمساته .
كعادتها مع الليل جلسا يتبادلان همساتهما الليلية دون تطفل الآخرين حولها ، أخرجت الأنثى المتمردة التى تسكنها ، اخترقت حدود العتمة من نفسها ، أخيراً استطاعت تأمل موت أمها بوعى أكثر وأكبر ، عرفت الآن مسئولية أن تكون نفسها .
كانت تعلم جيداً أن حضرة الليل تعنى حضرة الكتابة وأن حضرة الكتابة تعنى تمسكها المستميت بأنوثتها ، بذاتها ، بتائها المربوطة التى لم تكن يوماً مبسوطة إلا بعد اسكات الضجيج الذكورى الذى يملأ عالمها الطفولى الملامح والتكوين .
تساءلت " من غير هذا الليل والقلم استطاعا أن يحررانى من القيود ، قلمى وليلى وأنوثتى ثلاثية أستميت من أجلها ، أعيش معها بحروفى وكلماتى "
ورددت بعصبية " ها هى أصابعى وقد وضعت على الزناد "
بأصابع حالمة أمسكت بالزناد وتساءلت فى دهشة " أى حروف تلك التى يمكنها استيعاب ذكرياتى المدسوسة فى رسائلى القديمة ، وأى كلمات تلك التى يمكن أن تحتضن تراتيلى وتعويذات عشقى ، وأى لغة تلك التى يمكن أن تعبر عن تفاصيل زمنى الخاص "
تواطأ الكلام ، لملمت حروفها فى بوتقة الصمت ، غلفتها بأسئلتها الحيرى مخلفة وراءها عاصفة من علامات الاستفهام والتعجب معاً ، وعلى بريق قرار الجنون إلى الكتابة ارتشف مداد قلمها الحروف وجهت ذاكرته إلى أضواء الماضى وضوضاء الحاضر وهى مدركه عن يقين أن لا أحد بعد اليوم باستطاعته إيقاف نزيف الحروف لديها . .












التعليقات