الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

عذراً أيها الحب لم أعد أثق بك ......قصة قصيرة بقلم د / نجوى محمد سلام

عرفتها قوية تمتاز بالهدوء ويكسو ملامحها الوقار ، قليلة الحديث جداً مع الأخريات ، كنت على يقين دائم بأن هذا الصمت الذى يغلفها خلفه صخب لا ينتهى من أوجاع لا تندمل جراحها أبداً.
جاءتنى يوماً تكسر حاجز الصمت الذى دام بيننا ، استجمعت واسترجعت كل شجاعتها للإمساك بحروف الكلمات بحرفية شديدة ، صرخت من أعماقها بلا كلمات فقط تعابير وجه تنم عن التمرد والعصيان على كل ما كان......
خرجت من شرنقة الصمت أخيراً لتفجر بركان الغضب الذى يستفذ أعماقها ليل نهار ، أرادت بكل قوة اسدال الستار على رجلين في حياتها كانا ولا زالا هما أسباب المرار الذى يفترسها مهما حاولت الفرار فاستطاعت باقتدار .

هى : ضاعت ملامحى من كثرة الخيبات التى تحفر ذاتها على وجهى وتأتينى بملامح جديدة غير ملامحى .
أنا : نظرت إليها باندهاش شديد دون أن ينطق فمى بكلمة واحدة فقد لجمتنى الدهشة .
هى : ضاعت ملامحى رغم إرادتى .... رغم محاولاتى المضنية المستميتة للاحتفاظ بتلك الملامح التى كنت أعرفها جيداً ولكن .....عبثاً حاولت .
أنا : جميعنا تتغير ملامحه بفعل الزمن ، نتبدل تصبغنا السنين بألوانها البيضاء والرمادية وتكسونا التجاعيد .
هى : ما أتحدث عنه ليست تجاعيد البشرة مستحضرات التجميل كفيلة بإعادة ترميم ما عطب منها ، ما أعنيه حقاً تجاعيد النفس ....شيخوخة المشاعر والعواطف ....برودة الأحاسيس .....غياب الثقة وانعدام الأمان .
أنا : " باهتمام ملحوظ " من تقصدين ؟
هى : من ظننتهم الأمان في عمرى منحتهم كل شئليعطونى الأمان فسلبوا كل شئ حتى سنوات عمرى .
أنا : عمن تتحدثين ؟
هى : هل حقاً لا تعرفين ؟ عن أزواجى .
أنا : "بدت علياّ علامات استفهام كثيرة كلها تدافعت إلى رأسى دفعة واحدة تصارعت بأعماقى كبلت حروفى المفاجأة فمنعتنى الكلام "
هى : أراك تستعجبين ألا تصدقين ؟ قصتى باختصار أنى تزوجت ثلاثة زيجات جميعها باءت بالفشل .
أنا : " غير مصدقة ما أسمعه منها " عمرك لا يتعدى الثلاثون عاماً .
هى : ومع ذلك أحس بشيخوخة غريبة تهيمن على كل أعضائىوحواسى .
أنا : لأول مرة اعرف أنك متزوجة .
هى : ثلاث مرات ، ألاحظ عليك الاستنكار سأروى عليك قصتى من البداية واترك لك الحكم دون اعطاء نصائح من أى نوع فمعهم لم تعد تجدى الهبات .
أنا : ثلاثة أزواج ولم تجدى بينهم الأمان ؟
هى : عاملتهم بكل حب ولكن ضاعت سنوات عمرى بينهم هباء أليس هذا غباء ؟ تزوجت الأول عن حب اسطورى يشهد عليه الجميع كنت وحيدة أبى وأمى مدللة أأمر فأطاع ، تعرفت عليه في الجامعة كنت أعلم ظروفه جيداً وهو يعرفنى جيداً فأبى طبيب مشهور يدرس في الجامعة ، ربط بيننا الحب ومن أجل هذا الحب أعطيته الكثير تنازلت عن المقدم والمؤخر والمهر لا يهم ، جميعها أشياء لم تكن يوماً في حساباتى .
أنا : وشقة الزوجية ؟
هى: كان يملك شقة بسيطة في بيت ريفى لأسرته ، وافق والدىّ بعد عناد شديد واصرار منى عنيد المهم تمت الزيجة ، وقضيت معه أجمل أيام عمرى أو هكذا كنت أظن .
أنا : ثم ماذا حدث بعدها ؟
هى : بدأت الفوارق تظهر بيننا شيئاً فشيئاً والمشاحنات بينى وبين أمه تظهر في سماء بيتنا حاولت معها بكل الطرق ولكن لا شئ يجدى ومنعاً للصراعات المتواصلة بيننا وكنوع من أنواع الهدنة المتاحة في الحروب قرر أبى اعطائنا شقة للعيش فيها بعيداً عن المشكلات ، رحب زوجى في البداية ثم بدأت الصراعات مرة أخرى في الظهور ولكن هذه المرة بينى وبين زوجى ، هذه المرة صراعات بلا مبرر يذكر أودت في النهاية إلى الطلاق .
أنا : الطلاق ؟
هى : نعم الطلاق هذا الشبح المخيف الذى ضغط على اعصابى بقوة مؤلمة ، فقد كان الخيار إما أن أعود للعيش مع أمه بكل المشكلات التىتتربصنى بها أو الطلاق ، في البداية ظننته نوعاً من التهديد فأنا أعلم جيداً ما يكنه لىزوجى من حب حتى وقع الطلاق بالفعل .
أنا : صدمة طبعاً ؟
هى : وأى صدمة تلك التى يمكن أن تتعرض لها زوجة أكثر من الطلاق ، ألسنة الناس ونظراتهم وغمزاتهم لاترحم
أنت امرأة مطلقة إذن محكوم عليك بالموت حية ، الخروج بحساب ، الكلام بحساب ، حتى تعاملاتك في محيط العائلة والعمل بحساب .
أنا : تزوجتى بعدها ؟
هى : طبعاً رداً لكرامتى وافقت على اول رجل تقدم للزواج منى بعدها مباشرة ، جارأبى يعمل بالمحاماة مشهور بعلاقاته النسائية المتعددة يكبرنى بخمسة عشر عاماً ، الجميع حذرنى منه حتى زميلاتى في العمل .
أنا : ومع ذلك وافقتى عليه ؟
هى : لأرد لزوجى الأول الصدمة .
أنا : ثم ماذا حدث ؟
هى : تزوجت للمرة الثانية وليتنى ما فعلت ، فقد خرجت منها مطلقة ولكن هذه المرة أحمل أذيال الخيبة بطفل صغير لم يتعدى عمره عامين .
أنا : وما الذى أدى للطلاق هذه المرة ؟
هى : طمعه فقد اكتشفت بمرور الوقت أن المحترم تزوجنى ليرث منى ما ورثته عن أبى رحمه الله وبدأ استنزافه لى شيئاً فشيئا بأسباب واهية حتى مللت الاستمرار وطلبت الخلع بعد مرار .
أنا : ثم جاءت الزيجة الثالثة ؟
هى : نعم ... عدت إلى زوجى الأول ولكن هذه المرة بعد وفاة من كانت السبب في الطلاق وظننت أن ذلك يعيد إلىّ شيئاّ من كرامتى المسكوبة أمام الناس ، فلو أن الخطأ منى ما فكر يوماً في العودة إلىّ خصوصاً بعد زواجى من غيره وانجابى طفل .
أنا : يؤثر فيكى كلام الناس ؟
هى : قديماً كان يؤثر في جداً ، ولكنى الآن لا أكترث .
أنا : هل سألتيه لماذا عاد إليك مرة أخرى ؟
هى : سألته فأجاب لأنه يحبنى .
أنا : وهل هو فعلاً يحبك ؟
هى : نعم بشدة ، وإلا لكان تزوج بعد طلاقنا .
أنا : ألم يتزوج بعد الطلاق ؟
هى : أبداً ، وهذا ما يثبت صدق كلامه .
أنا : إذا لماذا لا تحسى معه الأمان ؟
هى : لأن معاملته لى لم تعد كما كانت ،تغير وتغيرت أحاسيسه أصبح يقضى معظم وقته خارج البيت .
أنا : حاولى أن تستعيديه من جديد .
هى : أحاول كثيراً ولكن لم يعد لدىّ القدرة على المواصلة ، مللت .
أنا : مللت منه ؟
هى : بل مللت الفطور في المشاعر والعواطف ، أصبح بخيلاً جداً في أحاسيسه .
أنا : اعذريه فقد كانت طعنة لا تغتفر منك الزواج بغيره .
هى : ولم تكن طعنة غادرة منه حينما طلقنى؟
أنا : كلاكما مخطئ .
هى : خطؤه أكبر، هو من بدأ التحدى والتمرد والعصيان .
أنا : وأنت من بدأ الخيانة .
هى : الخيانة أى خيانة تلك التى بدأتها ؟ لقد تزوجت على سنة الله ورسوله .
أنا : زوجك يعتبرها خيانة منك له ، عقله يرفض أنك كنت يوماً بين أحضان رجل سواه ومشاعره تدفعه لك ولكنه يبقى دائماً أسير هذا الصراع بين العقل والقلب ، استعيديه من جديد شكلى مشاعره كيفما شئت من جديد .
هى : كيف وهو دائم الهروب منى حتى في أجمل لحظاتنا معا ؟ ناقم علىّ دائماّ ، حتى عندما أتزين له ينهرنى .
أنا : لأنه يقارن دون أن يشعر بين ما تفعليه معه وبين ما كنت تفعليه مع زوجك الآخر ، يربط كل تصرف تقومين به معه ويتخيل كل تصرف كان بينك وبين الزوج السابق .
هى : مشكلته هو .
أنا : ومشكلتك أنت أيضاً ، افهمى نفسيته جيداً ، طبيعة الرجل الشرقى ّ في بلادنا مختلفة ثقافته مختلفة يقبل التعددية الزوجية للرجال ولكنه يأباها ويمقتها في النساء ، لم تفعلى حراما في شرع الله ولكنك فعلت عيباً في شريعته الذكورية
، مدى يدك له ذكريه بما كان بينكما من حب فهو الآن في أشد الحاجة إليك وانت في أشد الحاجة له ، افتحى قلبك من جديد فتشى فيه عنه قولى للحب أهلاً بك من جديد .
هى : بل سأقول له عذراً أيها الحب لم أعد أثق بك .

التعليقات