الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

يا أهلاً بالمدارس!

الكاتب : مروه نعيم

و بدأ العام الدراسى .. المشاعر متباينة؛ تتراوح بين قلق الآباء مِن (الربكة) المعتادة فى خط سير الحياة اليومية بالمنزل، و الأعباء المالية التى تفرضها الدراسة على كاهل الأسرة؛ و تذمر الأبناء مِن إنتهاء أيام الحرية و الإنطلاق، و الولوج فى معسكر طويل للأعمال الشاقة مِن إستذكار و دروس خصوصية و تقييم دورى.
ذكرتنى تلك الأجواء بالإنتشاء الذى كان يغمرنى أخر يوم فى الأجازة: يوم الجمعة. و ذلك الشعور العجيب بالترقب الممزوج بتحفز لما هو آت. كنت أعشق الأجازة بالطبع، لكن الدراسة لم تكن فى نظرى بهذا السوء الذى يتحدث الآخرون عنه.
ترى لماذا يكرهون (المدارس) إلى هذا الحد؟!
إن أردت التحلى بشىء مِن الموضوعية، و إنتهاج إسلوب علمى فى التفكير، ينبغى ألا ألقى بالتهم جزافاً على عنصر دون أخر، فالعملية التعليمية آلة ضخمة بها العديد مِن التروس. و لكل (تِرس) نصيب يستحقه مِن اللوم.
البداية مِن هناك .. مِن تلك المكاتب المُكيفة التى يسكنها مرموقون، شديدو التأنق و الإهتمام بالمظاهر و الضجيج الإعلامى فحسب .. و لا شىء سوى ذلك على الإطلاق! .. إنهم يضعون المناهج وفق ما يترائى لهم – أو ربما يُملى عليهم – ثم "يطورونها" وفق خططهم و رؤاهم للأسوأ فى معظم الأحيان! .. يستوردون أفكاراً مجتزئة .. مبتورة مِن منظومتها و يؤكدون أن زرعها بالجسد التعليمى المصرى سيحسن مِن صحته و ينقله نقلةً نوعية كبرى، فما تكون النتيجة إلا أن يلفُظ نظامنا كل محاولات الترقيع – المعروفة إعلامياً بالـ "تطوير" أو "الجودة" – و يتم الإستغناء عنها و تغييرها بعد حين مِن الزمن، و بعد أن يضيع عليها و فيها الكثير مِن الوقت و الجهد و المال العام و أعمار عِدة أجيال مِن الطلاب أيضاً!
و نهبط على السلم درجة، فنصطدم بالإدارات التعليمية و إدارات المدارس؛ شديدى التحفظ و الروتينية. أناس يؤثرون السلامة و يعلون مبدأ "هذا ما ألفينا عليه آبائنا". لكن، و الحق يقال، انهم مكبلون فى كثير مِن الأحيان بلوائح جامدة، و تعليمات فوقية، تجعل القرار غالباً ليس فى أيديهم بشأن العديد مِن النواحى الإدارية و الفنية. لكنهم فى النهاية سبب مِن أسباب تردى المنظومة، و مصدر مسئول عن أخطائها.
ثم يحين دور معشر المدرسين .. المثبتين منهم، و المتعاقدين، و المتشبثين بـ (قشة) التعيين بعد حين .. معظمهم لا يصلحون لممارسة المهنة و لا يستحقون شرف الإنتماء لها. الغالبية الساحقة تعطى دروساً خصوصية .. تتحول طوعاً او كرهاً لفئة التجار .. و التاجر و إن تحلى بشىء مِن الأخلاقيات، تبقى الأولوية فى حساباته للمكسب و الخسارة على حساب أى قيمة إنسانية أخرى. و إن تغاضينا عن عِلة الدروس الخصوصية التى أفسدت كل شىء، فإن الكثير مِن المدرسين غير مؤهلين عملياً للقيام بمهام وظيفتهم على المستويين العلمى و الأخلاقى.
كم منهم يمتلك زمام تخصصه كما ينبغى؟!
كم منهم يصلح قدوة لطلابه؟!
و ليس الطلاب أنفسهم بإستثناء .. فمعظمهم مستهترون، ذوو نفوس جوفاء و عقول ضحلة .. عودتهم الدروس الخصوصية على ثقافة تناول العلم فى (ببرونة)! .. و الأخطر على الإطلاق، أنهم فاقدو القدوة الحسنة، مستعيضون عنها بالنجوم (التايوانى) فى الكرة و التمثيل و الغناء .. و لأن العلم ليس بمعزل عن الخلق و الوجدان، فإن خراب الأخيرين لا يفضى أبداً لصلاح الأول.
حتى أولياء الأمور .. لهم فى الإثم ذنب! .. إنهم لا يربون فى أغلب الأحيان، فيحصد المجتمع و يحصدون بئس الحصاد .. إنهم لا يزرعون القيم المرجوة فى نفوس النشء .. و يفسدون عمداً جهد مَن يحاول طوعاً القيام بالمهمة مِن شرفاء المعلمين. و تحضرنى هنا واقعة حدثت منذ سنوات عندما تطاول طالب على أستاذه بوقاحة شديدة، فـ (مده) الأستاذ جزاءاً وفاقاً لما إقترف .. فإذا بالطالب يتوعد معلمه أمام الفصل كله: "و الله لجايبلك بابا بكره"!! .. يا لها مِن مفارقة إنعكست فيها الآية؛ فبدلاً مِن ان يتمنى الطالب أن تنشق الأرض و تبتلعه قبل إبلاغ أبيه، يهدد به أستاذه!! .. و قد نفذ بالفعل .. الكارثة أن (بابا) المبجل أتى صباح اليوم التالى و (كَتِف) المدرس امام الجميع فى أرض الطابور و أعطى إبنه عصا و قال له: "مده زى ما مدك"!! .. و لم يتمكن احد مِن إيقاف المهزلة .. و وقعت الواقعة!!
إن مناخ كهذا غير صحى على الإطلاق .. و كفيل بتعقيد الكبار و الصغار مِن الدارسة (و سنينها)! .. و ربما بدا التفاؤل بإيجاد حلول، لكل ما ذُكِر و ما لم يذكر مِن موبقات، درباً مِن السفه فى نظر البعض .. لكن حتى المستحيل قابل للتحقيق بشىء مِن الصبر و كثير مِن الصدق و الجهد. ربما تأخر الحل على المستوى العام، لكن أياً كان موقعك فى المنظومة، بإمكانك أن تغير الكثير بنفسك ..
و يوم ما ستكون ثقافة مجتمعنا الإقبال على الدراسة و كانها حلول عيد ..
يوم ما سيصبح الشعار:
"يا أهلاً بالمدارس".

التعليقات