الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

موطن أوجاعنا

هذا حديث قديم لأستاذ لنا . جمعنا فى منزله القائم على مقربة من الجبل العتيق فى يوم عاصف تتساقط فيه أوراق الشجر . فى جو هوائه يحمل نسائم خريفية
قال مضيفنا و هو يضع كنكة القهوة على الموقد :
أريد أن أحكى لكم عن مفارقات القدر التى ستحدث و تغير مجرى حياة الكثير منكم
وبداء يسرد علينا أقاصيص مشوقة مليئة بأحداث مثيرة و خيالية . ثم أسترسل فى صمته قليلا ثم عاد و قال :
تريدون يا أبنائى أن أحدثكم عن المستقبل . ها قد حدثتكم عنه و أنتم بطبيعتكم لا تصدقون .
نعم .
ستنكشف لكم أسرار الدنيا و أنتم فى بيوتكم و تعرفون أخبار ما وراء البحار فى وقت حدوثها و ستتقربون و تتباعدون و الغريب فيكم هو من يحمل أكثر من إسم . حتى الجاهل سيجد لنفسه مكان فى هذا العالم الجديد و تتناثر كلمات الحكمة و الموعظة فى غير مكانها . إنها سلطة التكنولوجيا التى سيحكمنا بها المالك المتقدم لنشر أكاذيبه وكشفنا و إعلاء شعار زائف كعالم واحد . و بإسم الحرية ..
لا تصدقوهم .
وفى حال الشعور بالإغتراب ونفاذ رصيد الحب . ستتغير النفوس ويزيد الإحتقان و إشفاقا على القلوب التى أدمتها الجراح . يرحل الكثيرون من حياتنا و تزداد المشاكل النفسية و تتسع فجوة الإنفصال والقطيعة .
و كيف بعد الآلام ستكون فى القلب مودة ..؟
فى هذا الوقت يا أبنائى . من لا يشعر بعمق أوجاعكم لا يستحق رقاقة من مودتكم .
هذا و قد إنتهى الحديث فى مساء يوم خريفى عام 1985
وفى الطريق دارت بينهم الأحاديث و أختلفت الأراء بين مصدق و بين مستبعد للفكرة و لكن أكثرهم إتهمه بالهرطقة و التخريف .

بعد خمس سنوات . فى حرب الخليج الأولى إنكشفت عقدتنا من الغرب وأفتضحت عورات أفكارنا القديمة و حجمنا الحقيقى أمام الأمم و بدأ التغيير ، و ختاما للعهد القديم . مات الأستاذ
وكما هو حال الدنيا مرت السنوات بسرعة تخللتها حروب و أعاصير و زلازل و أعمال تخريبية و عنف لم نراه من قبل ، و سقوط رموز و أنظمة سبقتها سقوط أقنعة .
وكما عرفنا من ذكريات الحديث القديم أين ستكمن مواطن أوجاعنا أدركنا أن التواصل الإجتماعى فى العالم الإفتراضى كان هو المقصود . هو السلاح ذو الحدين . العلاقات الأسرية الخالصة تأسرنا و العلم بلا تضليل ينفعنا و الحب إذا لم يكن حقيقى عذبنا و أوجعنا و أنعكس مراره على الواقع
و من ناحية أخرى إتسع هذا العالم للجهلاء و المرتزقة و بائعى الأوهام . صار للجميع مكان فيه . ورغم ذلك أبدا لم يشبه الخيال ، و لم يتجاوز شفرات الأحلام
و فى مساء يوم خريفى لا يشبه الذى قبله من 27 عام قابلت صديقين من الكبار يتحدثون عن غرائب هذا العصر و ما أحدثته التكنولوجيا من تغيير واضح أثر بشكل كبير على الجنس البشرى . و أقترب منى أحدهم و همس لى قائلا أتتذكر كلام الأستاذ . إبتسمت له و قلت و كيف لى أن أنسى
كنت صغيرا صحيح ولكنى لم أنسى أبدا العلم و الفكر الذى وهبه الله إياه ثم قدمه لكم أبى











التعليقات