الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

عقدة الماضى !

لن نتمكن من صناعة حاضرنا إلا إذا استطعنا أن نتجاوز ماضينا ، وقتها فقط سننتفض وتهب فينا الروح وتتحرك فى عروقنا الدماء الراكده ،للأسف نحن عاجزين عن تخطى الماضى والعبور للمستقبل فى كل المجالات ، فقد صنعنا من التاريخ اسطوره لا يمكن تجاوزها ،فمثلا عندما نتكلم عن الغناء ،نضع الخطوط الحمراء ونقول بكل ثقه لن يأتى أحد مثل عبد الحليم ولن تأتى مطربه مثل أم كلثوم!!، نقولها بكل ثقه ، إنها ثقه فى عظماء الماضى وتخاذل ونكسه فى الحاضر والمستقبل ، فهل الذى خلق عبد الحليم وأم كلثوم ليس بقادر على أن يخلق لنا أصوات أجمل منهم ؟ بالطبع هو قادر على كل شئ ، ولكننا أجزمنا بقناعه مسبقه أنه لا يجوز ولا يمكن ان يكون فينا من هو افضل منهم ،لا يجوز لنا ان نتخطاهم ، إن عقدة الماضى تحاصرنا وتتملكنا وتنغص علينا حاضرنا وتقف حائلا أمام مستقبلنا المقتول مسبقا ،فى الدين أيضا ، بنفس طريقة التفكير أجزمنا أنه لا يمكن أن يوجد بيننا من هو أفضل من الأئمه السابقين فهم الرجال الأتقياء الزاهدين ،أما نحن عاجزين عن مجرد التفكير أو التفسير وكل ما علينا أن ننقل منهم الفقه وأن نتعامل مع مستحدثات الأمور بقياسها على أحكامهم حتى نستنبط من أحكامهم أحكاما جديده مناسبه لعصرنا ،هكذا صعنا عقول ناقله مقلده عاجزه عن التفكير والتدبر والإبداع ،عقول أقرت منذ البدايه بالفشل والعجز أمام الموروث ،على الرغم من ان الله تعالى وجه الدعوه للجميع بالتدبر’’كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ’’وتتكرر الدعوه للتدبر فى أكثر من موضع والمُخاطب هنا هو نحن جميعا ،ليس فقط السلف أو التابعين ، ولكننا اكتفينا بتدبرهم وعجزنا عن إنتاج فقه معاصر وتفسير عصرى للنص، ليس ذلك فقط بل اصبحنا نحارب كل من يحاول أن ينتقد أو يجتهد أو يفكر ، بزعم أنه لا يجوز نقد اّراء العلماء السابقين بل ويخرج علينا البعض ليقول أنهم الأئمه المعصومين!!
وحتى لا يسئ أحد فهمى، اريد أن أوضح انى لا أهاجمهم ،فهم حقا ((أئمه عظماء)) ولا أهاجم عبد الحليم وأم كلثوم فهم أيضا عظماء فى مجالهم ولكن انا أريد أن اضع الأمور فى نصابها فعظماء الماضى لهم منا كل الإحترام والتقدير ولنا فيهم القدوه والنموذج ولكن لابد أيضا أن نرسم ملامح حيه لحاضرنا ،فالغرب لم يقف عند نيوتن واينشتاين ،لكننا توقفنا عند الفارابى وبن سينا، صعنا التاريخ وشيدنا حضارة الماضى وعجزنا عن إنتاج حاضر يرضينا،ولكى نستطيع أن ننقذ مايمكن إنقاذه فلابد من تغيير شامل فى المناهج التعليميه التى أصبح إثمها أكبر من نفعها ،أصبحت مناهج تنتج عقول خاليه من الإبداع وكل ما تتقنه هو الحفظ والتلقين ’’هذا هو الحل الوسط الذى يرضى جميع الأطراف ’’ان نحترم الماضى ولكن على الفور نبدأ فى صناعة الحاضر طامحين فى مستقبل أفضل ، إن ما نحتاجه هو ثوره فكريه ثقافيه تملأ الاّفاق
ولو لم نفعل ذلك سيخرج من بيننا شباب ناقمين علينا وعلى ماضينا الذى أصبح يمثل عقبه لهم، أنتم تلومون هذا الجيل المظلوم الذى هو نتاج لعصر التدهور الإقتصادى والإهمال الصحى والمناخ التعليمى الفاشل ،تلوموهم وتريدون أن يخرج منهم عمالقه فى الفن والأدب وعلماء فى الطب و الفيزياء ،أنتم لم تمهدوا لهم الطريق ومع ذلك تطالبوهم بتجنب الحوادث والأخطاء وإن أخطأوا أو خرجوا عن النص ،تسارعون بصب اللعنات عليهم وتحقيرهم ،أنتم صنعتم جيل مشتت الفكر ،جيل قل إنتمائه لوطن مجروح بأيديكم ،فمن تسبب فى الجرح فعليه أن يداويه !

التعليقات