الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الذكري الثالثة والعشرون لإستقلال جمهورية أذربيجان

الذكري الثالثة والعشرون لإستقلال جمهورية أذربيجان
بقلم : أحمد عبده طرابيك

تعتبر جمهورية أذربيجان من أقدم وأعرق الدول الديمقراطية في منقطة القوقاز ، حيث استطاع شعب أذربيجان تأسيس أول جمهورية ديمقراطية حديثة في في الشرق والعالم الإسلامي في 28 مايو 1918 ، حيث أن هذه الجمهورية الفتية استطاعت أن تحقق الكثير من الانجازات التي لم تكن معروفة في الديمقراطيات العريقة في ذلك الوقت ، فقد أعطي برلمان جمهورية أذربيجان الديمقراطية حق التصويت للمرأة ، مما يجعل من أذربيجان الأمة الإسلامية الأولى التي تمنح المرأة حقوقاً سياسية مساوية للرجل ، وكذلك إنشاء جامعة باكو الحكومية التي كانت أول جامعة حديثة تأسست في الشرق الإسلامي .
ورغم أن تلك الجمهورية الوليدة لم تدم أكثر من ثلاث وعشرون شهراً ، حيث كان من الواضح أن روسيا السوفيتية الاشتراكية ستهاجم باكو ، وذلك عندما أعلن فلاديمير لينين في مارس 1920 أن هناك ما يبرر الغزو السوفيتي ، فروسيا السوفيتية لا تستطيع البقاء علي قيد الحياة بدون نفط باكو ، إلا أن جمهورية أذربيجان قد وضعت أساساً راسخا للديمقراطية والتقدم والرقي في تاريخ جمهورية أذربيجان .
في أعقاب سياسة المصارحة التي بدأها ميخائيل جورباتشوف ، ظهرت الاضطرابات الأهلية والصراعات العرقية في مناطق مختلفة من الاتحاد السوفيتي ، بما في ذلك إقليم " قره باغ " التابع لجمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفيتية ، حيث سعت أرمينيا إلي استغلال ضعف السلطة المركزية في موسكو ، ودعمت الانفصاليين الأرمن في " قره باغ " بغية انفصال الاقليم عن الوطن الأم - أذربيجان - ، وكرد فعل على اللامبالاة من جانب موسكو حول الصراع الملتهب ، والتي بلغت ذروتها في 20 يناير 1990 ، والتي عرفت باسم " يناير الأسود " ، تم تعيين أياز مطلبوف سكرتيراً أول للحزب الشيوعي في أذربيجان ، بعد أن ألغى المجلس الأعلى لجمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفيتية عبارة " الاشتراكية السوفيتية " من التسمية ، واعتمد إعلان سيادة جمهورية أذربيجان واستعادة علم جمهورية أذربيجان الديمقراطية بوصفه علماً للدولة ، وفي 8 سبتمبر 1991 ، انتخب مطلبوف رئيساً في الانتخابات العامة التي كان فيها المرشح الوحيد ، وفي 18 أكتوبر 1991 ، اعتمد اعتمد المجلس الأعلى لأذربيجان إعلان الاستقلال الذي أكده استفتاء شعبي على الدستور في ديسمبر 1991 عندما تم حل الاتحاد السوفيتي رسمياً ، وقد طغت في السنوات الأولى من استقلال أذربيجان الحرب في " قره باغ " مع أرمينيا المدعومة من روسيا ، وبحلول نهاية الأعمال العدائية الأرمينية في عام 1994 ، فقدت أذربيجان السيطرة على خمس أراضيها ، بما في ذلك " قره باغ " بالإضافة إلي مقتل أكثر من 30 ألف مواطن ، وتشريد أكثر من مليون شخص آخر .
تأتي ذكري الثامن عشر من أكتوبر ، لتطوي صفحة قاتمة من تاريخ أذربيجان ، التي عاشتها في ظل الهيمنة السوفيتية الاشتراكية ، فما بين الثامن والعشرون من مايو 1918 ذكري تأسيس جمهورية اذربيجان ، والثامن عشر من أكتوبر 1991 ، ذكري الاستقلال ، شهدت أذربيجان أحداثاً تاريخية هامة ستظل محفورة في ذاكرة أبناء تلك الأمة ، فذكري الاستقلال الوطنى التي أعادت لشعب أذربيجان حريته واستقلاله ، حيث عقدت في مثل ذلك اليوم عام 1991 الجلسة التاريخية للمجلس الأعلى لجمهورية أذربيجان ، والذي تم فيه بالاجماع اعتماد القانون الدستورى الخاص باستقلال جمهورية أذربيجان .
لكن ورغم استقلال أذربيجان ، إلا أن ذلك الاستقلال يظل ناقصاً في ظل وجود نحو 20 % من أراضي البلاد تحت الاحتلال الأرميني ، فرغم صدور أربعة قرارات أممية عن مجلس الأمن الدولي ، تحمل أرقام 822 ، 853 ، 874 ، 884 ، تدعو أرمينيا إلي الانسحاب من المناطق التي تحتلها من جمهورية أذربيجان ، إلا أن تلك القرارات لم تجد أي صدي علي أرض الواقع ، ولم تضغط القوي الكبيري علي أرمينيا من أجل الاستجابة لقرارات الشرعية الدولية والانسحاب من أراضي أذربيجان المحتلة ، حتي يتمكن المهجرون والنازحون من العودة إلي أرضهم وديارهم ، وتستعيد اذربيجان سيادتها علي كامل ترابها .
لقد كان نفط باكو السبب الرئيسي الذي دعا روسيا السوفيتية الاشتراكية إلي غزو أذربيجان وضمها إلي الاتحاد السوفيتي ، والقضاء علي أحلام جمهورية اذربيجان الديمقراطية الفتية ، ولكن منذ أن نالت أذربيجان استقلالها في 18 أكتوبر 1991 ، استطاعت أن تستغل نفس السلاح " سلاح النفط " في بناء نهضتها الحديثة ، فبفضل استراتيجية الطاقة التى تم تطويرها وتطبيقها من قبل مؤسس أذربيجان الحديثة وزعيمها القومي حيدر علييف أن تلعب دورا حيويا فى تقدم البلاد وازدهارها الوطنى ، منذ سبتمبر 1994، حين تمكنت أذربيجان من توقيع اتفاق ، أطلق عليه " اتفاق القرن " ، مع عدد من شركات النفط متعددة الجنسيات لتطوير وتنمية حقول النفط فى القطاع الأذربيجانى من بحر قزوين .
أصبحت أذربيجان اليوم ، تجسد أحد أسرع الاقتصادات المتطورة فى العالم ، ومع ظهور شبكات أنابيب النفط والغاز المتنوعة ، خاصة شبكة أنابيب تصدير النفط الرئيسية : باكو ـ تبايسى ـ جيهان ، وشبكة أنابيب تصدير الغاز : باكو ـ تبليسى ـ ارزروم ، فإن أذربيجان تلعب دورا حيويا فى ممر الطاقة الواصل بين الشرق والغرب ، كما أنها تلعب دورا مهما أيضا فى تأمين الطاقة لأوروبا ، وذلك باحتياطى يصل إلى اثنين ونصف تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعى ، وبطاقة محتملة من الغاز قد تصل إلى خمسة تريليونات متر مكعبة ، ومن ثم فإن أذربيجان أمست أكثر استعداداً للممشاركة في تعزيز التنمية المستقرة فى سوق الغاز العالمية .
لقد تمكنت أذربيجان من خفض نسبة الفقر الذى شكل قبل ذلك نسبة مأساوية بلغت 49% فى عام 2003 ، وانخفضت النسبة لتصبح 9% عام 2010 ، وخلال السنوات الخمس السابقة تضاعف حجم الاقتصاد الأذربيجانى ثلاث مرات ، كما ارتفعت ميزانية الانفاق لأكثر من عشر مرات علي التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية ، وتواصل أذربيجان العمل لتكون دولة عبور " ترانزيت " من خلال تحديث بنيتها التحتية للنقل الحديث ، والقيام بدورها المحورى والمركزى فى مسار طريق الحرير القديم عبر ربط ممرات الشرق بالغرب وممرات الشمال بالجنوب ، حيث من المقرر أن تشهد السنوات المقبلة زيادة دور أذربيجان وبشكل ملحوظ كدولة عبور " ترانزيت " من خلال مشاريع طموحة للبنية التحتية الحديثة فى المرافق البرية والبحرية والجوية .
لقد استطاع زعيم أذربيجان القومي حيدر علييف وضع أسس جمهورية عصرية ، وذلك عندما عمل علي الحد من البطالة في البلاد ، وكبح جماح الجماعات الإجرامية الخارجة عن القانون ، وإنشاء مؤسسات قوية باعتبارها حجر الأساس لأي دولة مستقلة ، كما عمل علي تحقيق السلام والاستقرار ، وجلب الاستثمارات الأجنبية الكبرى ، وما زالت أذربيجان تواصل مسيرتها الوطنية من خلال تطوير بنيتها الأساسية ، وبناء جيش قوي يستطيع تحرير الأراضي المحتلة ، ويكون رادعاً ضد أي اعتداءات تهدد مسيرة الاستقرار والسلام الاجتماعي ، ومنظومة العمل التي قادت البلاد إلي التقدم والرقي والازدهار ، وبناء دولة عصرية خلال سنوات الاستقلال .


كاتب وباحث في الشئون الآسيوية
ahmedtrabic@hotmail.com


التعليقات