أخر المقالات

أصفر

الكاتب : محمود عبده

كلهم يحبونني، وأنا حائرة، محمد عبر لي عن إعجابه بذكائي، أحرص على متابعة محاضراته كلها، أحب وسامته وحرصه على مظهره، ذوقه راق ولا يلبس إلا أفضل ماركات البدل والقمصان، كل أساتذة الطب يحرصون على مظهرهم، رغم ذلك هو يتميز عنهم، كلَ ثلاثاءٍ استهلِكُ كمياتٍ من الكحلِ أكبرَ من المعتاد، عيوني واسعة وتستحق الاهتمام، عندَ جلوسي على المائدةِ المستطيلة في منتصفِ قاعةِ الدرس أحرصُ دائمًا على الجلوسِ مقابلةً له، أعلمُ أن الرجالَ ينجذبونَ لسحرِ العيون، اعرفُ هذا في نظراتِه. شعريَ المنسدلَ على كتفي أيضًا هو سمةٌ مهمةٌ أحرصُ عليها، عندما أشعرُ أن وجههُ تحوَّلَ إلى منال أو إلى هادية أو إلى أي واحدةٍ أخرى يصيبني قلقٌ، لا أستقرُ في مكاني حتى أستعيدَه منهم، عندما يسألُني حولَ موضوعِ المحاضرة تخرج كلماتُه لينةً منسابةً بصوته الرخيم، أحبُ صوتَه أكثر من وسامتِه، حصلتُ على رقمِ تليفونِه الخاص منذ فترة، وأنا أحادثُه كل يومين مرة، لا أستطيعُ أن أصبرَ أكثرَ من يومين وهو مشغولياتُه كثيرة، محادثاتنا تستغرقُ أحيانأ وقتًا أطولَ مما أتوقع، نتكلمُ في المادةِ التي يدرسُها وفي أشياءٍ أخرى، يعبر لي عن إعجابه بقصة شعري وبلون أحمر الشفاه الذي أضعه، أخجل كثيرًا من هذا الكلام.
محسن يشغلُه أكثرَ طريقةُ لِبسي، ملابسي لا اشتريها إلا من محلٍ واحدَ أثقُ في ذوقِه، أحرصُ أيضًا على اختيارِ ألواني بدقة، لا أحب الملابسَ الحريرية الناعمة كما تحبها منى ولا أحب بنطلونات منال الضيقة داكنة الألوان، لوني المفضل هو الأصفر وهو يناسب لون بشرتي، وعند مروري من أمام محسن في جلسته اليومية أمام المحل فإن الاصفر يعكس ضوء الشمس على بشرتي الفاتحة فيزيدها بريقا.
عندما أستأجر محسن المحل القديم المقابل لنا أستغرق وقتًا طويلًا في تجهيزه، عند الافتتاح وزع على سكان الشارع ورق دعاية وفيه رقم تليفون المحل، الورق الذي أعطاه لي بنفسه كان فيه رقمين، شارعنا صغير وبيوته قليلة وأخبار سكانه معروفة، ينثرونها عبر البلكونات أو النوافذ. محسن خريج تجارة مجتهد لم ينتظر الوظيفة، فضل أن يفتح محل كواء خاص به، اشترى أفضل الماكينات وفتح بها هذا المحل. هو أيضًا يطلبني في التليفون كثيرًا، لكنني لا أرد عليه إلا كل فترة، أحب التشويق، محسن يطيل في حديثه وأنا لا استطيع أن أجاريه في هذا.
كابتن أحمد أيضًا يحيرني بنظراته، كثيرًا ما أضبطه متلبسًا بالنظر إلى جسمي بعد حصص السباحة، رغم أنني لا أبين منه أي شيء، بخلاف ما يبينه المايوه الأصفر. كل مايوهاتي لابد أن يكون لونها أصفر. أعلم أنه ينظر أيضًا إلى أجسام البنات الأخريات، لا يضايقني هذا كثيرًا فأنا أثق به وبحبه لي، وهو يعبر لي عن حبه إذا صادفني نازلة في المصعد، في الحقيقة أنا أشك في أنه يصادفني، لابد أنه يعرف مواعيد نزولي إلى محاضراتي لأنه يسكن في الطابق الذي يعلونا ويستطيع أن يراني في ذهابي وفي مجيئي، وهو يعرف مواعيد التدريبات فهو الذي وضعها، في المصعد تحدث أشياء لا أستطيع أن أحكيها لأنها خاصة، لكنه قادر على أن يجعلني أذوب فيه، بلمسة.
أما هاني فحكايته حكاية، عرفت لأول مرة أين يسكن عندما صادفته ينتظر الترام في الطريق إلى الكلية، أوقفت سيارتي ودعوته للركوب معي، في البداية أظهر بعض التردد لكنه أتى في النهاية، ضحكنا كثيرًا يومها، منذ عرفني وهو يكتب قصائد شعر كلها موجهة لي، لم يقل لي هذا ولكنني أشعر به وأجد أوصافي في هوامش دفاتره، وفي دفاتري أحيانًا. يحمر وجهه خجلاً اذا لمسته بغير قصد، أتعمد هذا لأرى تأثيري عليه، يتحدث معي عن الحجاب وعن أشياء أخرى وأنا أضحك عندما يتحدث بمواربة ولا يفصح، في الكلية دائمًا ما يبحث عني ويحب أن يكون بجواري، وأنا ايضًا، في المكتبة وفي محاضرات الباثولوجي وفي الكافيتيريا وغيرها. حتى في الرحلات القليلة التي تنظمها مجموعتنا، هاني رقيق معي ولا يرفض لي طلب. نتحدث كثيرًا في التليفون في موضوعات شتى ويسألني كثيرًا عما أحب وما لا أحب، أكلي، طريقة لبسي، مشيتي، اهتماماتي وأشياء أخرى كثيرة، بمرور الوقت صار أحمد اقربهم إليّ وصرت الأقرب إليه. عندما حل عيد ميلادي دعاني للصعود معه إلى شقته حيث يسكن، قال لي أنه رتب لاحتفال صغير وأحضر هدية لهذه المناسبة، كتمت سروري الذي جعلني خفيفة وأنا أصعد معه، دخلت، كنا وحدنا، غاب بالداخل قليلًا ثم عاد بعلبة فخمة فتحها وقد استحال وجهه كله إلى اللون الأحمر كعادته، بالعلبة كان هناك طقم مناسبات حميمية، محلىً بالدانتيل ورائع، ذهلت من الصدمة وكدت لا أصدق ما أرى، رغم أنه أقرب الناس إليَّ وأكثرهم معرفةً بي وبذوقي إلا أنه اختار لونًا غريبًا لا أحبه، لم يكن أصفر.

محمود عبده

التعليقات