الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

حول تنامي الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط

حول تنامي الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط
بقلم : أحمد عبده طرابيك

تسعي الدول الساعية نحو التقدم إلي حماية مصالحها القومية من خلال سياسة خارجية تعتمد علي استخدام كافة الفرص والامكانات المتاحة من اجل تحديد مكان لها علي خريطة القوي الاقليمية والدولية بما يتناسب مع امكاناتها وقدراتها وطموحاتها ، في وقت تتشابك وتتقاطع وتتعارض أيضاً فيه المصالح بين الدول ، لذلك تظل البيئة الدولية التي تتحرك خلالها مؤثراً قوياً في سياستها الخارجية ، فلم تعد الدول قادرة علي عزل نفسها عن محيطها الإقليمي والدولي ، أو التحرك علي المسرح الدولي دون قيود من القوي الدولية الأخري .
من حق كل دولة أن تبحث عن مصالحها ، وأن تقوم بما تراه مناسبا من إجراءات وتحركات للمحافظة علي عمقها الاستراتيجي ، فما من دولة إلا ولها الحق في أن يكون لها عمق استراتيجي يحفظ أمنها ويؤمن حدودها من المخاطر ، وحينما تري أن عمقها الاستراتيجي مهددا ، عليها أن تتحرك حتى توفر له الأمن والحماية ، وخلال السنوات الأخيرة تمكنت إيران من تدعيم وجودها في عدد من دول المنطقة ، وبشكل خاص في كل من لبنان وسورية والعراق ، وبشكل ما في اليمن ، وبنظرة إلي ظروف وتاريخ الوجود الإيراني في تلك الدول ، فإننا نلاحظ أنه يتزامن مع زيادة التدخل الخارجي وخاصة الأمريكي والغربي في تلك الدول ، وأصبح لها نفوذ كبير داخل تلك الدول أو في محيطها ، الأمر الذي تنظر إليه إيران علي أنه تهديد لعمقها الاستراتيجي ، ولعلاقاتها الاستراتيجية مع تلك الدول .
مع تنامي الوضع السياسي والاقتصادي والعسكري لإيران ، أصبحت أكثر تأثُّراً بالبيئة الإقليمية والدولية ، حيث تواجه تحديات بنائية تتمثل في طبيعة النظام العالمي الراهن ، وحالة الإقليم وبيئته ، والأوضاع المعقدة والمتشابكة التي تسوده ، من احتلال العراق وأفغانستان ، وزيادة التدخلات الخارجية في لبنان ، والصراع في سورية الحليف الاستراتيجي لإيران ، والتوترات في المنطقة التي زادت سخونتها منذ اندلاع ثورات الربيع العربي ، إضافة إلي ترسيخ الوجود الأمريكي في الجوار الإيراني ، والتهديدات الإسرائيلية المستمرة بقصف المنشآت النووية الإيرانية ، وبروز أدوار جديدة لدول إقليمية لم تكن فاعلة من قبل ، واستمرار أزمة الملف النووي الإيراني مع الدول الغربية ، كل هذه المعضلات الدولية والإقليمية ، تفرض نفسها كتحديات أمام الدور الإيراني ، وتجعله يتحرك وفق حدود وقواعد تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والموازنة بين الاعتبارات والقدرات الذاتية ، والحسابات الدقيقة والرؤية الاستراتيجية ، وإدارة السياسة الخارجية بشكل يتلاءم وهذه التحديات .
منذ أن أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمي الوحيدة ، وأكبر قوة عسكرية وسياسية واقتصادية في العالم ، أصبحت الأيديولوجية الإسلامية موصومة بالإرهاب ، ووصفت السياسة الأمريكية إيران بالدولة التي تساند الإرهاب وتضعها ضمن دول محور الشر ، فالأيديولوجية الإسلامية أصبحت الآن تشكّل العدو الأول للولايات المتحدة والغرب ، ولذلك أعلنت الحرب علي الإسلام والمسلمين تحت مسمي " الحرب علي الإرهاب " ، وأصبحت أية دولة ترفع شعارات إسلامية توصم بالإرهاب .
وفي ظل إطلاق الولايات المتحدة يدها للعبث في دول المنطقة ، وتغيير أنظمتها بما يتوافق مع مصالحها ، وتفتيت الدول الكبري أو إضعافها وتحويلها إلي دول فاشلة بهدف توفير الأمن لإسرائيل ، وجعلها القوة الوحيدة في المنطقة ، استطاعت إيران تعزيز مكانتها كدولة إقليمية ذات نفوذ قوي ، والحصول علي مكانة إقلمية ودولية لتعزيز عمقها الاستراتيجي ؛ وذلك لملء الفراغ الذي نتج عن غياب سلطة الدولة في دول الجوار الإيراني وخاصة العراق وأفغانستان ، خاصة بعد أن أصبحت إيران القوة الإقليمية الأبرز ، وفاعل سياسي في المنطقة لا يمكن تجاوزه .
لقد استنزفت الحرب الأمريكية علي الإرهاب ، والحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان ، وزج بعض دول المنطقة فيها إما بجنودها وعتادها أو بتمويلها لنفقات تلك الحروب ، وكذلك غياب كثير من قادة دول المنطقة التي كانت تعتمد عليهم واشنطن في تنفيذ سياساتها في المنطقة بعد هبوب رياح الربيع العربي ، كل ذلك جعل الولايات المتحدة غير قادرة علي خوض غمار حروب أخري في المنطقة ، وخاصة ضد إيران التي تمثل قوة كبيرة تختلف عن غيرها من الدول التي خاضت حروباً ضدها ، وتكتفي إيران بالمشاركة الرمزية من الجو مثل الضربات الجوية التي تشنها ضد قوات الدولة الاسلامية في العراق والشام .
في تلك الظروف المعقدة استطاعت إيران توسيع نفوذها الإقليمي ، وأمست طرفاً في تشكيل مستقبل المنطقة بفضل سياستها الخارجية المتوازنة والقائمة علي مناصرة المستضعفين أمام الهيمنة الصهيونية والغربية ، فمن ثوابت السياسة الخارجية الإيرانية مناصرة القضية الفلسطينية وتقديم كافة أشكال الدعم للمقاومة ، كما أن التعنت والتشدد الإيراني أمام الهيمنة الأمريكية في المنطقة أكسبها شرعية إقليمية ، فالدعم الإيراني اللامحدود لقوي الممانعة والمقاومة " سورية ، حزب الله ، حركة حماس ، حركة الجهاد الإسلامي " ، زاد من أهمية إيران لدي الشعوب المقهوردة ، خاصة بعد أن قدمت المقاومة نماذج بطولية في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية ، سواء خلال حرب تموز / يوليو 2006 ، الذي قدم خلالها حزب الله درسا قاسيا للعسكرية الصهيونية ، وما تلاها من أداء فاق كل التوقعات من قبل المقاومة الفلسطينية ، خاصة خلال العدوان الأخير علي غزة 2014 ، مروراً بعدوان نهاية 2008 وبداية 2009 ، وعدوان 2012 ، حيث اعتمدت المقاومة بشكل كبير علي الأسلحة والدعم الإيرانيين .
السياسة الإيرانية الرافضة بشدة للهيمنة الأمريكية والغربية علي المنطقة ، والمعادية للعربدة الإسرائيلية جعل إيران أكثر من أي وقت مضي عرضة للضغوط الأمريكية والغربية ، ومنعها بمختلف الوسائل من البروز كقوة إقليمية ، لأن واشنطن لا تريد بروز قوة إقليمية معادية لها ولسياستها في المنطقة ، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تتواجد بكثافة حول إيران ، في أفغانستان شرقاً ، وفي جوار بحر قزوين في أكثر من دولة من دول الاتحاد السوفيتي السابق شمالاً ، كما أن جارتها باكستان دولة نووية ولها علاقة جيدة مع واشنطن ، كذلك الأمر مع تركيا ، أما في جنوبها ، وبفعل مصالح واشنطن الاستراتيجية في الشرق الأوسط ، وحماية أمن إسرائيل ، وتدفق النفط ، كل ذلك جعل تواجد واشنطن العسكري في المنطقة أكبر وأضخم من أي منطقة أخري .
إيران كغيرها من الدول الإقليمية الكبري ، تعمل منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 علي جني ثمار ثورتها التي التي قدم خلالها الشعب الإيراني الكثير من الأرواح والدماء ، وعصفت بتلك الثورة الكثير من العقبات والصعاب التي كانت تهدف إلي فشل ذلك النموذج الثوري غير المألوف في دول المنطقة ، وعدم تحقيق الثورة لأهدافها ، بداية من الحرب التي فُرضت عليها " حرب السنوات الثماني " التي شنها نظام الرئيس العراقي صدام حسين بتحريض ودعم من بعض القوي الدولية والإقليمية ، وصولاً إلي العقوبات الصارمة التي فرضتها القوي الغربية علي إيران بذريعة إثنائها عن برنامجها النووي ، وزيادة عثراتها بغية التوقف عن دعمها للمقاومة ، وعرقلة نجاحاتها التي حققتها في مختلف المجالات ، والآن تسعي إيران إلي تثبيت وجودها كقوة إقليمية والمحافظة علي مصالحها الوطنية كأحد أهداف وثمار ثورتها الإسلامية .
ينظر البعض إلي الوجود الإيراني الملحوظ في بعض الدول العربية وخاصة في سورية ولبنان والعراق ، ويعض الدول الأخري في المنطقة ، علي أنه هيمنة إيرانية وتدخل في الشئون الداخلية لتلك الدول ، وتهديد لأمن واستقرار المنطقة وخاصة دول الخليج ، في حين أن إيران تحاول أن تملأ الفراغ الناتج عن الغياب العربي في المنطقة ، نتيجة وجود عدد من الدول التي أضعفتها ومزقتها الولايات المتحدة طائفياً وسياسياً وجغرافياً بذريعة الحرب علي الارهاب ، وبات عدم الاستقرار السياسي والأمني ، وزيادة التواجد الغربي في المنطقة يشكلان أكبر تهديد لأمن واستقرار إيران ، ولذلك فالسلوك الأمريكي تجاه إيران يجعل الأخيرة تبحث عن علاقات خارجية موسعة بغية ايجاد التوازن الذي يحافظ علي مصالحها القومية .

كاتب وباحث في الشئون الآسيوية
ahmedtrabic@hotmail.com


التعليقات