الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

لا تبكِ يا صغيري


لعل تلك اللحظات هي الأشد قسوة في تاريخ حياتها .. الأشد حرجاً و الأكثر إيلاما
بدأت منذ اللحظة التي وضعت فيها صغيرها لتتعرف على مصاعب الحياة دفعة واحدة
في البداية الأيام طويلة جافة قاسية لا تمر .. و هي هناك في مكان بعيد واقفة بصدمة على ضفاف الألم ترتشف من الحزن ما تشاء غير آبهة سوى بالهم الذي عليها أن تستقبله بصدر رحب و تحمله بين ذراعيها بقلب حنون و تتابعه بشغف و أمل ..
لكن أين هو الأمل .. و كيف ستتمكن من المقاومة و المصابرة على ما تظنه فوق طاقتها ؟!
الأسئلة بداخلها كثيرة .. و الحياة فتحت لها باب الشقاء على مِصْراعيه
لتتقبل رغم عنها صغيرها الذي أنجبته بكل حب و أرادته بكل حواسها و تعلقت به منذ أن سمعت ذات يوم ضربات قلبه و شعرت بحركاته في أحشائها ..
إنها مشاعرها التي تداخلت فأوهمتك للوهلة الأولى .. أنها لا تريده ..
هي ذاتها التي لن تتبرأ منه و ان رأت من الحياة ما لا تطيق ..
إنه الحزن على صغيرها .. عندما تنظر اليه بعين الأم .. لتراه بعقله الناقص الذي سيجعله متأخراً في كل شيء في حياته ...
تراه حُرم الحياة الطبيعية كباقي أترابه ..
ما أكثرها تلك الكلمات التي تُتلى على مسامعها تجدد أحزانها
ما أشد وقع نظرات الشفقة التي تسقط كالسيف الصارم عليها !
و ما أصعب عبارات المواساة التي تسمعها بنفس النمط بمناسبة و بغير مناسبة !
إنها الحرب التي كُتب عليها أن تخوضها دون أن تستسلم في أي منعطفاتها ..
عليها أن تكون دائما في أهبة الاستعداد ..
غير آبهة بشيء سوى أن تقدم لولدها كل ما تستطيع ليحيا حياة أشبه بأن تكون طبيعية
يعيش في كنفها طوال حياته لا يخشى من شيء و لا يفكر في شيء ..
ثم إذا حانت منيتها تعاهده اخوته أو من يحنو عليه من أقاربه ..
لقد كانت لتكون حياتها سهلة لو كانت في مجتمع غير هذا ..
مجتمع يتقبل أبناءه بكل نواقصهم بل و يكملهم ..
مجتمع لا يحاسب الفقير على فقره
و لا المريض على مرضه ..
يحتوي أبناءه داخل أسواره المنيعة و يحميهم من كل ما يسيء إليهم أو يقلل من شأنهم
لكن هذا أشبه بضرب من الخيال
فهم هنا إما أن يتجاهلوا وجوده و ينفروا منه في كل مناسبة
و إما أن يعاملوه بقسوة و عنف يجحفون في حقه أشد الاجحاف
يحاسبونه علی ذنب لم يقترفه و علی عجز لم يتعمده
محظوظ انه بعقله الصغير لا يستطيع أن يدرك خجلهم الشديد منه
أو سخريتهم القاسية منه
شغلهم الكبر و طمست أعينهم السلامة التي هم فيها
و تناسوا أن لا ضمانات لدوام الصحة أو دوام النعمة ..
يتعالون و كأنهم قسموا الأرزاق متناسين بغرور و ظلم
أن لا أحد أيا كان في عصمة من المرض
و ان الأيام دول
آفاتنا يا سادة .. هذا الكبر
نغتر بما تقدمه لنا الحياة دون أن نشفق علی أنفسنا باستخفافنا بلطف الله بنا و برحمته لنا أن عافانا مما اُبتلی به غيرنا
حساباتنا ليست بالضرورة أن تكون مُصِيبِة و مصائبنا ليست بالضرورة أن تكون هي النهاية ..
هذا الصغير منحة .. أدركتها أمه بعد أن أحرقتها الأحزان و الأشجان و الويلات ..
منحة ربانية رُزقت به البركة و السعادة ..
و حُميت به من الجفاء و الجفاف من مشاعر الصلة و البر و الرحمة ..
كم من مُعافى أذاق والديه أشد التمرد و العناد .. و شقيا بسببه أشد الشقاء ..
هذا يا عزيزتي من يجب أن يخجل منه المجتمع ..
أما وليدك فتكفليه بالرعاية و العطف .. يحذو بقرب أصحابه ..
و تقبلي قضاء الله في صبر يجازيك على ايمانك خير الجزاء في الدنيا و الآخرة ..
فأنت لا تدرين .. ربما يكون ولدك هذا سبباً في دخولك الجنة

التعليقات