الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

اقتصاد العالم وترقب السقوط

الكاتب : أحمد طلب

سمعنا جميعًا عن الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 التي بدأت من الولايات المتحدة الأمريكية، وتأثر بها الاقتصاد العالمي سواء الغربي أو العربي.
وقد بدأت الأزمة في سبتمبر 2008، والتي اعتبرت الأسوأ من نوعها منذ زمن الكساد الكبير سنة 1929، وانطلقت الأزمة من الولايات المتحدة الأمريكية، ثم امتدت إلى دول العالم ليشمل الدول الأوروبية والدول الآسيوية والدول الخليجية والدول النامية التي يرتبط اقتصادها مباشرة بالاقتصاد الأمريكي، وقد وصل عدد البنوك التي انهارت في الولايات المتحدة خلال العام 2008 إلى 19 بنكًا، كما توقع آنذاك المزيد من الانهيارات الجديدة بين البنوك الأمريكية البالغ عددها 8400 بنكًا.
تعالوا بنا ننظر إلى الأوضاع الاقتصادية قبيل الأزمة، فقد مر 2007 و 2008، بطفرة اقتصادية كبيرة وارتفاع حاد في أسعار جميع مواد الخام الطبيعية والصناعية، وشمل أيضًا جميع المنتجات الطبيعية والصناعية والغذائية .
وشهد السوق العقاري الذى فجر الأزمة، ارتفاعًا هائلاً في كل من: أسعار العقارات، والاستثمار العقاري، كم شهد انتشار الكثير من المشاريع الاستثمارية في مجال العقار في جميع أنحاء العالم ، وساعد في ذلك تنافس البنوك والمصارف حول العالم في تقديم تسهيلات القروض العقارية ، الأمر الذى أدى إلى ازدهار البناء والتشييد، مما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار مواد البناء وأجور الأيدي العاملة، مما جعل القدرة على البناء عن طريق الادخار الشخصي من الصعوبة بمكان، واتجه الكثير إلى الاقتراض من البنوك لهذا الغرض.
وكما ذكرت، فإن الأزمة قد بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث هوت "وول ستريت" ، وانهارت أسعار الأسهم بشكل ملحوظ، وظهرت مشكلتا الائتمان والرهن العقاري ، وتلتها بعد ذلك الأسعار العالمية؛ حيث انخفضت أسعار النفط بشكل حاد، وبنهاية عام 2008، وصلت أسعار معظم المواد والمنتجات إلى أسعار لم تصلها من قبل ، وأصبح الفرد عاجزا عن سد احتياجاته اليومية ، والوفاء بالتزاماته البنكية الأخرى.
كل هذه المتغيرات أدت إلى عدم قدرة البنوك على توفير السيولة فيها؛ بسبب توقف عملائها المقترضين عن دفع الأقساط الشهرية الواجبة عليهم؛ مما أدى إلى ظهور مشكلة الرهن العقاري، الأمر الذى وصل إلى حد دفع كثيرا من البنوك والشركات إلى إعلان إفلاسها أو بصدد إعلان إفلاسها.
وفي الوقت ذاته كانت الأسهم العالمية قد سجلت أسعارا خيالية، طبعًا كان هذا الارتفاع الذى يسبق السقوط المدوى الذى كان كبيرًا جدًا؛ حيث أصبحت أسهم كثير من الشركات والبنوك دون القيمة السوقية للسهم.

وحول أسباب هذه الأزمة التي عصفت بالاقتصاد العالمي آنذاك، فقد اختلفت وتعددت الآراء، فبحسب متخصصين أن الأمر يعود إلى طبيعة النظام المالي العالمي السائد خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي - النظام الرأسمالي - فيما يرى البعض أن المضاربات غير المنضبطة للأسهم على رأس الأسباب؛ مما أدى إلى رفع أسعارها السوقية بشكل كبير غير منطقي، وذهب آخرون إلى أن المضاربات غير المسئولة والمجنونة في أسعار النفط كان لها أثر كبير، مما دفع الأسعار للوصول لقيمة خيالية. .
لكن وبحسب ما أرى أن المبالغة في عمليات الائتمان والإقراض كانت من أهم الأسباب في انفجار الأزمة، وكذلك اتجاه العالم وخاصة أمريكا إلى توظيف الاقتصاد في خدمة أهدافها السياسية والعسكرية، والبعد عن الهدف الأساسي للاقتصاد وهو التنمية، ناهيك عن الفساد المالي الذي تفشى حول العالم بشكل واضح.
عموما بعيدًا عن تداعيات الأزمة وأسبابها، فإن الواقع الاقتصادي العالمي منذ 2008 وحتى الآن مازال يعاني، ولا زالت الأزمة مستمرة وستستمر لفترة لاحقة؛ حيث إن الاقتصاد العالمي يتجه نحو الركود والكساد، كما أن انكماش النمو الاقتصادي العالمي أبسط دليل على هذا.
وبعدما استعراضنا جانب، مما حدث منذ 2008 تعالوا بنا نتحدث عن ما دفعني إلى كتابته هذا المقال، وهي التكهنات التى تشير إلى انهيار جديد للاقتصاد العالمي، وفي الحقيقة تشير الأوضاع الاقتصادية الحالية في الاقتصاديات الكبرى في العالم إلى اقتراب السقوط.
ولكني أرى أن السقوط هذه المرة لن يأتي من اتجاه أمريكا؛ بل إن منطقة اليورو ستقود هذا السقوط الذى اقترب كثيرا على ما أرى.

لكن لماذا منطقة اليورو؟؟

إن المنطقة تعاني منذ فترة من تزايد المخاطر الاقتصادية التي تواجه اقتصاد منطقة اليور،و ففي ظل تعثر الاقتصاد مع ضعف معدّل التضخم وارتفاع معدّل البطالة؛ حيث إن اقتصاد المنطقة مهدد بالركود مع تزايد المصاعب التي تواجه العملة الأوروبية، ويرى البعض أن الاقتصاد لا يمثل الخطر الأكبر على منطقة اليورو؛ بل قد تكون السياسة هي صاحبة الخطر الأكبر على قدرة العملة الأوروبية الموحدة على البقاء، عمومًا فإن السياسة والاقتصاد بالمنطقة قد يقودانها إلى الهاوية قريبًا، وذلك بعد تواصل فرنسا تحطيم الأرقام القياسية في حجم ديونها، حيث بلغ الدين العام في فرنسا 2023.7 مليار يورو عند نهاية الفصل الثاني متجاوزًا للمرة الأولى العتبة الرمزية للألفي مليار يورو، أي تريليوني يورو، وبهذا الارتفاع أصبح الدين العام الفرنسي يشكل 95.1% من إجمالي الناتج الداخلي، مع العلم بأن قوانين الاتحاد الأوروبي تحدد الدين بحوالى 60% من إجمالي الناتج الداخلي.
لكن هل حقًا اقترب السقوط ! وهل هذا السقوط إن حدث سيختلف كثيرًا عن أزمة 2008؟
بالنسبة لموقع العالم العربي من هذه الأحداث، فالعالم العربي ينقسم إلى قسمين مختلفين تمامًا؛ فهناك الدول النامية والفقيرة وهي عموم العالم العربي والقسم الثاني وهو الخليج العربي، الذي لديه تجربة سابقة مع أزمة 2008 التي كان بمثابة المنقذ لاقتصاد أمريكا بالرغم من عدم وجود أرقام محددة لحجم الأموال التي ضخها الخليج لدعم المصارف وشركات التمويل العقاري الأميركية المتعثرة، وانتشالها من حالة الانهيار التي وصلت إليها في أغسطس 2008، إلا أن نظرة واحدة على حالة مصارف الحي المالي في وول ستريت وحدها وحجم المساندة الخليجية لمراكزها المالية نجد أن هناك عشرات المليارات قد ضخها الخليج العربي وأنقذ اقتصاد أمريكا من الانهيار التام، فـ "وول ستريت"

مثلًا قد تلقت في بداية الأزمة دعمًا بقيمة 59 مليار دولار، جاء معظمها من مستثمرين خليجيين، مع العلم أنه لولا تدخل الخليج لتعرض اقتصاد أمريكا إلى سقوط مدوي وما استطاع أن ينهض من جديد، ولو نظرنا إلى موقف أمريكا الآن وتعاملها مع أزمة استمرار انخفاض أسعار النفط التي يخسر بسببها الخليج أموال طائلة، حيث إن أمريكا هي التى تستطيع أن توقف خسائر الخليج، لكن لو كان العكس لسارع الخليج لإنقاذ أمريكا أو حتى اقتصاد أوروبا.

ويتوقع البعض أيضًا أن يقوم العرب بتحمل فاتورة إنقاذ الاقتصاد الأميركي من الانهيار مرة أخرى ، الغريب أن الاقتصاد العربي بعيدًا عن الخليج يعاني منذ زمن ولم نجد تدخل خليجي يذكر، فلم يسارع العرب دوما نحو إنقاذ اقتصاد الغرب، وترك إخوانهم في العروبة والإسلام في هذه المعاناة؟
عمومًا ستثبت الأيام القادمة: هل اقترب السقوط فعلا؟ وهل يتكرر إنقاذ الخليج مرة أخرى؟
لكن ما أتمناه أن يعي الخليج أنه قوه مالية كبيرة يستطيع أن يؤثر في اقتصاد العالم، وأن يتعلم كيف يدير هو أمواله، ولا يلقيها في أحضان الغرب.

التعليقات