الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

مسيرة الاقتصاد الماليزي نحو التطور


مسيرة الاقتصاد الماليزي نحو التطور
بقلم : أحمد عبده طرابيك

ظلت منطقة جنوب شرق آسيا مركزاً للتجارة لعدة قرون ، فقد تداولت سلع الخزف والتوابل حتي قبل ظهور ملقا وسنغافورة علي خارطة المراكز الاقتصادية ، وازدهرت صناعة وانتاج تلك السلع في القرن السابع عشر في عدد من دول الملايو ، ومع السيطرة البريطانية على الملايو ، تم استخدام أشجار المطاط ، وزيت النخيل لأغراض تجارية ، حتي أصبحت ماليزيا مع مرور الوقت المنتج الأكبر في العالم للقصدير والمطاط وزيت النخيل ، وشكلت تلك السلع مع غيرها من المواد الخام ، دفعة قوية للاقتصاد الماليزي خلال منتصف القرن العشرين .
بدأت ماليزيا في السبعينيات من القرن الماضي إجراء حزمة من الإصلاحات الاقتصادية ، حيث انتقلت من اعتمادها علي التعدين والزراعة إلى اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على التصنيع ، من خلال جذب الاستثمارات الخارجية وخاصة من اليابان ، ووضعت ماليزيا استرتيجية شملت مختلف القطاعات الصناعية ، الأمر الذي أدي إلي ازدهار الصناعات الثقيلة في سنوات قليلة ، وأصبحت صادارات البلاد محرك النمو الرئيسي للاقتصاد ، واستطاعت ماليزيا تحقيق معدل نمو مستمر تجاوز 7 ٪ ، وتزامن ذلك النمو مع انخفاض معدلات التضخم خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات ، ومن ثم نشطت صناعة الالكترونيات حتي أصبحت ماليزيا اليوم تعد . تعد واحدة من أكبر مصنعي أقراص الحاسوب الصلبة .
سعت ماليزيا إلي القضاء على الفقر مع السياسات الاقتصادية الجديدة المثيرة للجدل ، وخاصة بعد أعمال الشغب العرقية التي وقعت في 13 مايو 1969 ، والتي كان هدفها الرئيسي القضاء على ربط العرق بالوظيفة الاقتصادية ، وكانت الخطة الماليزية الثانية أول خطة خمسية شملت تنفيذ السياسة الاقتصادية الجديدة ، وقد تم التخلي عن السياسة الاقتصادية الجديدة رسمياً عام 1990 ، وحلت محلها سياسة التنمية الوطنية ، التي ساعدت علي ظهور طبقة متوسطة ذات تتمتع بمستوي معيشي مرتفع ، وتشعمل قاعدة سكانية كبيرة .
ملامح نجاح تجربة التنمية في ماليزيا :
عملت ماليزيا علي ردم فجوة التفاوت الطبقي بين العرقيات المختلفة ، التي لم تكن في صالح الملاويين أصحاب البلاد الأصليين ، حيث تم عبر مجموعة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية رفع نصيب هذه الفئة من الثروة والدخل من نحو 3.5% في الستينيات إلى نحو 30% في بداية الألفية الثالثة ، وكان للتعليم الدور الأبرز في تحقيق هذا التغيير ، حيث تم ابتعاث العديد من أبناء ماليزيا للدراسة في اليابان وغيرها من البلدان المتقدمة ، وعلى صعيد العلوم الشرعية تم التركيز على زيادة المبعوثين إلى الأزهر الشريف .
استفادت ماليزيا من التجربة اليابانية بشكل كبير في تحقيق التنمية ، ليس من جانب نقل التكنولوجيا وحسب ، ولكن من خلال الاستحواذ على نصيب كبير من الاستثمارات الخارجية لليابان ، وكان لاستحضار قيم احترام العمل وإتقانه دور كبير في جذب الاستثمارات اليابانية ، واعتمدت ماليزيا سياسة التركيز على التصنيع للخروج من دائرة التخلف ، فمرت بمراحل مختلفة انتهت بأن تكون ماليزيا دولة مصدرة للصناعات العالية التكنولوجيا بعد أن كانت تصدر مواد خام على رأسها المطاط ، وبفضل هذا التوجه ارتفعت صادرات ماليزيا من أقل من خمسة مليارات دولار عام 1980 لتصل في عام 2002 إلى 100 مليار دولار .
كما عملت ماليزيا علي التوسع في برنامج الخصخصة الذي يعتمد على تمليك المواطنين الشركات العامة ، وذلك بعد أن نجحت الدولة في تكوين بنية أساسية واقتصادية ضخمة ، يمكن الاعتماد عليها في تحقيق النهضة ، فقد عملت إلي التخفيف من تبعات الملكية العامة من خلال تحويل ملكيتها إلي الأفراد والقطاع الخاص الوطني ، وهو ما أوجد حالة من الرواج وتحسين العديد من المؤشرات الاقتصادية للدولة ، أهمها العجز في الموازنة ، والدين العام ، وعدد العاملين بالدولة .
وقد سارت عملية الإصلاح الاقتصادي مع الإصلاح الاجتماعي ، فقد نجحت ماليزيا في خفض معدلات الفقر من 49.3% من السكان عام 1970 إلى نحو 5% في عام 2004 ، وحرصت السياسات الاجتماعية أيضًا على توفير السكن الملائم من خلال شراكة بين القطاع العام والخاص ، حيث استطاعَا أن يوفرا ما يزيد على متطلبات الخطة العامة للدولة في هذا المجال ، وانخفضت معدلات البطالة في ماليزيا لتصل إلى نحو 2.7% عام 2001 ، وهو معدل يعادل أو يفوق نسبتها في العديد من البلدان المتقدمة .
تميزت التجربة الاقتصادية الماليزية بالذاتية في التعامل مع أزمة عام 1997 الاقتصادية ، فكما هو الحال مع الدول الأخرى المتضررة من الأزمة ، كان هناك مضاربة قصيرة في بيع العملة الماليزية " رينجت " وانخفضت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بمعدل ينذر بالخطر ، وتدفقت رؤوس الأموال إلى خارج البلاد ، وانخفضت قيمة العملة الوطنية بشكل حاد ، كما انخفض مؤشر بورصة كوالالمبور المركب ، ورغم شدة وطأة الأزمة الاقتصادية ، إلا أن الحكومة تعاملت معها بحكمة بالغة ، فقد تم تشكيل مجلس عمل وطني اقتصادي للتعامل مع الأزمة النقدية ، حيث اتجه المجلس إلي تحجيم الفساد وإصلاح الجهاز الإداري للدولة ومحاربة المضاربة على العملة الوطنية في الخارج ، وفرض بنك نيغارا الرقابة على رؤوس الأموال ، وعمل علي تثبيت سعر صرف العملة الوطنية أمام الدولار والعملات الأجنبية الأخري ، كما رفضت ماليزيا حزم المساعدات الاقتصادية من صندوق النقد الدولي ، الأمر الذي أثار دهشة واستغراب العديد من المحليين وخبراء الاقتصاد ، وفي أقل من عامين نجحت ماليزيا في النهوض من كبوتها الاقتصادية من جديد .
تم تشكيل مجلس عمل وطني اقتصادي للتعامل مع الأزمة النقدية ، فرض بنك نيغارا الرقابة على رؤوس الأموال ، وعمل علي تثبيت سعر صرف العملة الوطنية أمام الدولار والعملات الأجنبية الأخري ، كما رفضت ماليزيا حزم المساعدات الاقتصادية من صندوق النقد الدولي ، الأمر الذي أثار دهشة واستغراب العديد من المحليين وخبراء الاقتصاد .
استحضرت ماليزيا المبادئ الإسلامية لتجربتها الاقتصادية ، منذ استقلالها وتولي تنكو عبد الرحمن رئاسة الحكومة فيها عام 1957، وحرصه على إقامة أسس الدولة الماليزية على الإلتزام بتعاليم الإسلام في القضاء على الجهل والفقر والمرض ، وإن لم يعلن تبنيه للتعاليم الإسلامية صراحة ، ثم تبعه تون عبد الرازق عام 1970 ، الذي كان أكثر وضوحًا في تبنيه شعارات إسلامية تواكبت مع الصحوة الإسلامية التي عمت العالم الإسلامي في السبعينيات ، ثم كانت المرحلة الثالثة الأكثر صراحة في تبني المنهج الإسلامي مع بداية الثمانينيات مع تولي مهاتير محمد رئاسة الحكومة ، حيث في البداية علي تحفيز النمو ، من خلال تطبيق عدد من الحزم المعيارية لتنشيط نمو الناتج المحلي الإجمالي ، وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية ، الأمر الذي لم يحظ باستحسان الغرب الذي يؤمن بأن البقاء والثراء هما فقط للأقوياء على حساب الفقراء ، ثم جاءت مرحلة عبد الله بدوي لتسير علي الأسس التي رسخها مهاتير محمد في التنمية .
يمكن القول أن ماليزيا سعت إلي تطبيق نموذج الإقتصاد الإسلامي ، من خلال خطط التنمية التي استهدفت جوهر الإسلام من حيث الاهتمام بالإنسان ، والارتقاء بإمكانياته ومساهمته في عملية التنمية ، وهو ما انعكس في تبني سياسات تعليمية وصحية واجتماعية واقتصادية أدت إلى ارتفاع معدلات التنمية البشرية والاقتصادية في ماليزيا ، وقد قامت التجربة الماليزية وفق الرؤية الإسلامية للنظام الاقتصادي علي عدد من المبادئ :
أولاً : الملكية المزدوجة ، حيث يجمع النظام الإسلامي بين الملكية العامة والملكية الخاصة ، فالإسلام يحمي الملكية الخاصة ويرعاها إذا كانت من مصادر مشروعة ، ويضع قيد المصلحة العامة على توسع ولي الأمر في الملكية العامة .
ثانياً : الحرية الاقتصادية التي تكفل للقطاع الخاص حرية ممارسة النشاط الاقتصادي بما لا يؤثر على حرية الآخرين ، على أن تعمل في إطار المصلحة العامة للمجتمع ، وأن تقوم الدولة بتهيئة المناخ المناسب للقطاع الخاص ، وتراقب نشاطه لكي يكون متفقًا مع قواعد الشريعة الإسلامية .
ثالثاً : العدالة الاجتماعية التي تُبنى على التكافل العام والتوازن الاجتماعي ، والتي تتمثل في التوزيع العادل للدخل والثروة بين كافة أفراد المجتمع دون تمييز بينهم بسبب الدين أو الجنس أو السن أو اللون ، أو غير ذلك من الأسباب .
رابعاً : وصول نسبة الفائدة إلي الصفر ، والذي يتوافق مع تحريم الربا في الشريعة الإسلامية .
اعتمدت التجربة الماليزية في التنمية على القيم الإسلامية والمهارات التكنولوجية العالمية ، وفي ظل تلك القيم ، وتطبيق مبادئ الاقتصاد الإسلامي ، حققت ماليزيا ارتفاعا في معدلات التنمية البشرية ، والقضاء على الفقر والبطالة ، وحققت طفرة في الصادرات ، وقد كان لوجود دور للدولة أهمية كبيرة في بناء التنمية ، والقدرة على استرداد دور الدولة في أوقات الأزمات ، وقد اتسمت التجربة الاقتصادية بالتدرج في تبني تجربة المؤسسات المالية الإسلامية من قبل الدولة ، كما كان لاعتماد الدولة على الذات ورفض محاولات الهيمنة على الأجندة الوطنية للتنمية دور هام أيضا في نجاح التجربة الماليزية .
تزامنت عودة انتعاش الاقتصاد الماليزي مع الانفاق الحكومي الهائل والعجز في الميزانية في السنوات التي أعقبت الأزمة ، لكن سرعان ما تمتعت ماليزيا بانتعاش اقتصادي أسرع مقارنة بجيرانها ، حيث عاد اقتصاد البلاد إلى مستويات ما قبل الأزمة ، وأصبح القطاع المصرفي أكثر قدرة على مقاومة الصدمات الخارجية ، وانتهي الحساب الختامي للموازنة العامة إلي فائض هيكلي ، موفراً الأمان ضد هروب رؤوس الأموال ، وعادت أسعار الأصول بشكل عام إلى مستويات ما قبل الأزمة ، على الرغم من آثار الأزمة المالية العالمية ، وغدت ماليزيا أيضاً أكبر مركز مصرفي ومالي في العالم الإسلامي .

كاتب وباحث في الشئون الآسيوية
ahmedtrabic@hotmail.com


التعليقات