الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

المجتمعات الافتراضيه

الكاتب : إسراء أبوزيد

لاشكّ أنّ ملامح الحياة البشريّة قد تغيّرت تغيّرات جوهريّة ملموسة مع تطوّر وسائل الاتصال الحديثة والمعاصرة,على سبيل المثال لا الحصر حلّت الرسائل الإلكترونيّة محلّ الرسائل الخطيّة، وزاحمت "غرف الدردشة" الإلكترونيّة الجلسات والمجالس العائليّة والاجتماعيّة، ولم يعد السفر شرطاً لرؤية الأصدقاء أو سماع أصواتهم أو للبيع والشراء أو الدراسة تهدمت اوصال الاسره المصرية واختفي الكثيرمن العادات والتقاليد. كما انة لاسبيل إلى اختزال كل ما وقع من تغيّرات تجاوزت البشريّة من خلالها حدود الزمان والمكان والجغرافيا، ولا إلى الإسهاب في تناول وسائل الاتصال الحديثةتاريخها وتطوّرها وأنواعها وتأثيراتها. من آثار تلك التقنيات والوسائل نشأة ما أصبح يعرف بالفضاء الإلكتروني أو الرمزي cyberspace الذي يضمّ عدداّ كبيراًّ من المجتمعات الافتراضية – بداية من غرف الدردشة والمجموعات البريدية وانتهاء بتويتر Twitter والفيسبوك، وغيرهما من مواقع التواصل الاجتماعي. ويبدو أنّ البشر طوال تاريخهم ظلّوا يبحثون عن عالم مواز يعبّرون فيه عما لا يستطيعون أن يعبّروا عنه في عالمهم الواقعي، ويحقّقون من خلاله ما لا يستطيعون تحقيقه في حيواتهم المحدودة بقيود الزمان والمكان والقواعد والتنظيمات الاجتماعيّة.

تعريف المجتمع الافتراضي

ظهر المصطلح في صورته الإنجليزية عنواناً لكتاب هووارد راينجولد Rheingold 1993 "ويعني جماعة من البشر تربطهم اهتمامات مشتركة، ولا تربطهم بالضرورة حدود جغرافيّة أو أواصر عرقيّة أو قبليّة أو سياسيّة أو دينيّة، يتفاعلون عبر وسائل الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي الحديثة، ويطوّرون فيما بينهم شروط الانتساب إلى الجماعة وقواعد الدخول والخروج وآليات التعامل والقواعد والأخلاقيات التي ينبغي مراعاتها "

وبتعبير دي موور ووايجاند de Moor and Weigand 2007 المجتمع الافتراضي هو "نظام اجتماعي تكنولوجي" حيث لا يحدث التواصل في المجتمعات الافتراضية وجها لوجه face-to-face، بل من خلال قنوات اتصال إلكترونيّة تستخدم فيها الكلمة والصورة والصوت، أو ما ينتج عن مزج هذه الطرائق. إنّ الكتابة حالة من التواصل لا يُسمَع فيها صوت ولا تُرى فيها صورة, وقد وفَّرت وسائل الاتصال الحديثة التفاعل بالصوت والصورة، غير أنّ التفاعل من خلال هذه الوسائل والوسائط يظلّ يفتقر إلى دفء المشاعر الإنسانيّة وحميميّتها.

نمو المجتمع الافتراضي

تسعى المجتمعات الافتراضيّة إلى خلق ما يسميه المهتمون بهذا الشأن الشعور بالمجتمع أو الجماعة , فمن أين ينبع الإحساس بالمجتمع أو الجماعة؟

يوجز ماكميلان وتشافيز McMillan and Chavis 1986 العوامل التي ينشأ من خلالها هذا الإحساس فيما يلي:

• الشعور بالانتماء belonging إلى جماعة من خلال عضويتها ومتابعة ما يحدث فيها وسهولة التفاعل مع أفرادها وأحداثها.

• الشعور بالقدرة على التأثير influence/ impactفي تلك الجماعة أو المجتمع الافتراضي من خلال ردود الأفعال التي يتلقّاها الفرد من بقية أعضاء الجماعة أو أفراد المجتمع الافتراضي، وكذلك التأثّر بما يحدث في ذلك المجتمع.

• تبادل الدعم support وإشباع الحاجات النفسيّة والشعوريّة والارتباط الوجداني بأفراد الجماعة من خلال تبادل التهاني والتعازي والمواساة والنصيحة وبطاقات المعايدة وما إلى ذلك.

• حضور والتواجد availability، وهما نقيض العزلة والغياب اللذين نتجا عن هيمنة القيم الماديّة وانشغال الجميع بتأمين أسباب الحياة. لا يُتصوّر أن يبقى المرء طويلا في مجتمع افتراضي ليس فيه من يتواصل معه فلا يسمع فيه إلا صدى صوته. سوف نلاحظ في باب الكلام عن سمات المجتمعات الافتراضيّة أنَّ الحضور والتواجد الافتراضي ربّما ينتهي إلى عزلة وغياب عن العالم الواقعي.

• الثقة trust. لا يستطيع الفرد أن يشعر بالانتماء إلى جماعة أو مجتمع لا يثق في أحد من أفراده ولا يشعر بالأمان فيه.

من هنا تبقى المجتمعات الافتراضيّة في مُجمَلِهَا هَشّة ما لم تتأسس على علاقات سابقة في العالم الواقعي وما لم تحفظ سكّانها من تطفّل المتطفّلين واحتيال المحتالين. لا بُدّ أن يبذل أفراد المجتمعات الافتراضيّة جهداً مُضنِياً في التحقّق من هويّات من يتفاعلون معهم، ما لم يكن هناك سابق عهد أو "معرفة" على أرض الواقع، فعواقب الوقوع في براثن المحتالين قد تكون وخيمة. في سبيل الشعور بالثقّة، يلجأ مستخدمو المواقع الاجتماعيّة وسكّان المجتمعات الافتراضيّة إلى أصدقائهم في عالم الواقع. ومن أسباب الثقّة انتماء الأفراد إلى مؤسسات معروفة حسنة السمعة، ومنها أن يكون هؤلاء الأفراد أنفسهم من الشخصيّات العامة. وفي مناقشة الصداقة على "الفيسبوك" مزيد من التفاصيل.

• الخلفيّة المُشتَركَة common background تزداد قوّة العلاقات الافتراضيّة كلما تأسست على خلفيّة مُشتركة في العالم الواقعي أو على اهتمامات وهوايات وميول مُشتركة في العالم الافتراضي. لعلنا نلاحظ أن مواقع التواصل الاجتماعي والخدمات الإلكترونيّة يتجمّع فيها الأفراد من الخلفيّات العلميّة والمهنيّة والتجاريّة المشتركة من منطلق أنّ "الطيور على أشكالها تقع". وقد تنشأ تجمّعات افتراضيّة حول قضيّة أو "نجم" من نجوم الفنِّ أو الرياضة أو حول مفكّر أوعالم أو شخصيّة سياسيّة. ومن الملاحظ هنا أن تحقّقَ تلك الأسباب - أي أسباب الشعور بالمجتمع أو الجماعة

التعليقات