الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

عزة أبو العز وجوه عديدة..لبطلة واحدة..

بالرغم من الحياة الثرية على المستوى المهني واتصال الأستاذة عزة أبو العز بقطاعات عريضة ومتنوعة من الشعب المصري بل والعربي أيضًا، بوصفها صحفية عملت في مجلة حواء التابعة لمؤسسة دار الهلال، والذي من خلاله أعدت تحقيقات صحفية جريئة خاصة عن المرأة، ومنها: الأسيرات الفلسطينيات في السجون الإسرائيلية، والحقوق السياسية للمرأة المصرية، وصراع المرأة المسلمة في البوسنة والهرسك، إلا أنها لم تقدم من خلال كل تلك الشخصيات عملاً يتمحور حول أو عن أي واحدةٍ منهن.

وبالرغم من جرأتها في تناول قضايا عدة عبر كتابها "دموع النساء" والتي تتصل اتصالاً وثيقًا بالمرأة، مثل الختان حتى صار كتابها مرجعًا هامًا في هذا الشأن، ومزاوجتها الذكية بين الرياضة والسياسة من خلال مقالها "الروح الرياضية والملعب السياسي" وعندما نادت بوزارة خاصة بالمعوق، وجرأتها في التناول النقدي لرواية "مسافة فاصلة وأيام الشتات" للروائي كمال رحيم، إلا أنها لم تخطو خطوات جادة بعيدة عن الذات، وارتياد آفاق أرحب في تناول موضوعات تمس الواقع المعاصر سواء المحلي أو الدولي.

القاريء المتأمل لقصص القاصة عزة أبو العز: "أصداء الصمت، عائدة من الموت، ملاك بلا قلب، زاد الأحبة، صرخة قلب، ربما ..أكيد سنبدأ من جديد"، سيكتشف اتكاءها على محورين يتفرع عنهما محاور عدة، وهما: "الذات" و "الاغتراب"؛ وأما الذات فلا ضير من تناولها وإن استعيض عنها بالحدث ذاته أو المكان أو الزمان، والمشكلة ليست في الكتابة حول الذات ولكن المشكلة تبدو في الانكفاء عليها والتمحور حولها، في كل الأعمال بحيث إذا ضممناها لبعضها صارت سيرة ذاتية، أو خواطر ذاتية تسجيلية، وحتى إن سوغنا هذا بدعوى أن الإنطلاق من المحلية إلى العالمية يمر بالبيئة الجغرافية، والمكنونات الشخصية، أقول هذا قد يكون في عمل، أما باقي الأعمال فيجب أن نصهر ذواتنا في ذوات الآخرين بالمقاربة هروبًا من التقوقع، لأن من الارتكاز على الذات تولدت فرعيات، مثل التكرار، وهو ما يؤدي إلى موت الشخصية مبكرًا بدلاً من تطوير أفكارها عبر شخصيات أخرى، وقد كان هناك مساحة زمنية لتتجاوز فيها الكاتبة عتبة الذاتية والانصهار في حوادث المجتمع واستخراج النماذج المثلى لتحميلها بأفكارها.

والمحور الثاني هو "الاغتراب" الذي أدى إلى الإفتقاد، فلا تكاد تجد شخصيات أخرى ولو ثانوية في النص، وهذا ليس شرطًا فقد يقوم العمل كله على شخصية أو شخصيتين، ولكن ونتيجة لهذا الاغتراب أن سيطر الحوار مع الذات أو الحوار الداخلي "المونولوج" سيطرة شبه كاملة على بنية النص، وليس في هذا عيبًا فقد كان سائدًا في قصص وروايات تيار الوعي شريطة استخدامه بحرفية، بعيدًا عن الترهل والتكرار بل باللفظة المكثفة المركزة الموحية، والتي تقي النص من الوقوع في براثن الرتابة، والخطابية والمباشرة، والذي يساعد على تصوير موقف ما، أو التعبير عن حالة نفسية تعانيها أحد الشخصيات.

تتسم عبارات الكاتبة عزة أبو العز بالرشاقة، واللجوء إلى الترادف إن كان له عندها وظيفة، وهي تسيطر على أدواتها سيطرة بالغة، وتنتقي بمهارة اللفظة الموحية والمؤدية للغرض، كما تملك ذكاءً فنيًا وأدبيًا في اختيار عنوان النص ربما مكنها من هذا عملها الصحفي، ولا تميل إلى أكثر من حدث في الزمن الواحد والمكان الواحد، وتستخدم أدوات القص لكسر رتابة واحدية المكان والزمان بتقنية جيدة مثل الاسترجاع "الفلاش باك"، والمونولوج الداخلي والخارجي، مُقلة في الوصف، سواء وصف الشخصية أو المكان أو الزمان فتسارع في نقل قارئها في حميمية إلى داخل الحدث خوفًا عليه من القلق والتشويق الذي تمارسه بذكاء بعد أن تكون قدما قارئها في بؤرة الحدث ولا يستطيع الإفلات فيستسلم للحكي مطيعًا خاصةً عندما تلامس ريشتها أوتارًا مشتركة بينها وبين المتلقي فيصبح العزف هنا مستساغًا بل مطلوبًا.

أفلحت القاصة في كل ما تقدم في نصها الأقرب للكمال القصصي بالنسبة لإبداعها: "عائدةً من الموت"، العنوان أكثر من مشوْق، لافت للأذهان، ويثير الفضول، ولهذا فمن ذكائها أنها لم تعطِ القاريء برهة من الوقت ليستفسر بل تدفعه نحو السيارة وأجلسته بجانب البطلة ليعايشها الحدث، وأفلحت في حرفية بالتمويه على القاريء في عدم كشف غموض الشخصية المقابلة لها، وكانت أن أحكمت قبضتها عليه حتى لا يرفع رأسه من مجريات الأحداث، ثم استعرضت ألعاب الفلاش باك لنقلنا للحدث الراهن والذي هو ماضٍ قابع في أعماقها تجتره كلما زارت بيت العائلة، ليكتشف القاريء أن هذه الرحلة هي الرحلة الأخيرة بعد وفاة الوالد وليست الرحلة الأولى، لا شك أنها استخدمت الوصف المباشر لتنقل علاقة مقصودة بمشاعر محددة بين بنت مغتربة وأبيها، وظللت بالألوان المختلطة خلفية اللوحة التي تتدفق بالقلق وتنذر بالرحيل، ثم طافت بقارئها مواطن الذكريات، وتتحسس بيديه الأشياء، وعندما يخرج الصوت بإجابتها على والدها يكون الصوت قد رحل مع من رحل، فلا تأتيها إجابة، وتختم قصتها بهذه الجملة: (آهٍ من قسوة تلك الأماكن التي نرتادها، ولا نجد مَن اعتدنا وجودَهم فيها)، لتخبرنا بأن تلك الرحلة في ذكرى الأربعين يومًا بعد وفاة الوالد. وهنا كان يجب أن تتوقف بدلاً من إيراد تلك الخاتمة: (كي تُمسِك بالقلم، وتصف تلك المشاعر عن الحبيب الذي علَّمها كلَّ جميل في الحياة، وهي على يقينٍ دامغ أنها عائدة من الموت)، فهذا تفسير يخل بالعمل، وتبيين للقاريء يهين ذكاءه.

إذا استصحبنا آليتي التمحور حول الذات، والاغتراب، نكون قد وضعنا يدنا على أن البطلة والشخصية الرئيسية لكل قصص القاصة عزة أبو العز، هيَّ نفسها عزة أبو العز، مع اختلاف الوجوه؛ ففي "أصداء الصمت" لا يخدعنك أنها أتت بشاعر إلى مرسم الفنانة التشكيلية لتهرب من المونولوج الداخلي الذي أسهبت فيه جدًا في قصتها "ملاك بلاقلب" أو "زاد الأحبة" أو "صرخة قلب"، ففي هذه القصص دار الحوار بينها وبين شخصية أخرى، أو بينها وبين قلبها، أو بينها وبين عقلها، لتلجأ إلى هذه الحيلة الفنية لإيهام القاريء بدخول شخصية أخرى محورية في الحدث، بيد أنها ألقت عليها إنعكاس الشخصية النسوية من خلال مونولوج طويل يتحدث لا عن نفسه وإنما عن البطلة نيابةً عنها.

أما في قصة "ملاك بلا قلب" فعبر تمهيد هاديء وتفصيلات تقليدية، افتتحت القاصة عزة أبو العز قصتها التي اقتسمت بطولتها شخصية واحدة بباطن ثائر، وظاهر هاديء ليواجها عالمين مختلفين، أحدهما خارجي صاخب، والآخر داخلي هاديء، وببراعة تقوم الكاتبة بعمل مقاصة رائعة بين الوجهين والعالمين؛ إذ جعلت كل وجه من الشخصية في مواجهة عالم مختلف عنه، لتخلق من هذا تناقضًا ذكيًا يبرز التمزق القاهر بين البطلة والعالم، إن بدا في الأصل أنه يمثل الشخصية المحورية للعمل إلا أنه في الواقع ينوب عن شريحة مجتمعية كبيرة، وقد استخدمت بمهارة في سبيل تصوير هذا التناقض عدة أدوات بسيطة مثل المرآة وخاتم الزواج، وعودة أثيرة للقاصة في الحديث عبر المونولوج الذي تستخدمه لتبين ذلك الصراع الداخلي المضطرم ويظهر فيه صوتي البطلة معًا كمتباريتين في مباراة ثأرية انتقامية حاسمة، بينما تظهر الأصوات الصامتة لأفراد المجتمع بشكل ثانوي. قصة جيدة لو شذبنا شجرتها من بعض أوراق الحوار الطويل، وحذفنا تلك الاستشهادات من الأقوال الطويلة أيضًا التي لا يحبذها أكثر نقاد القصة القصيرة.

الحوارات التي تسود قصص الكاتبة عزة أبو العز تنم عن معين ثقافي كبير، ومتنوع، ومجادل، وروح شفافة تحلق في سماء الحق والخير والجمال، تسعى نحو يوتوبيا تصوغها بفكرها ويديها، عن عالم أفضل، وخلق أمثل، وأرض تسودها الفضيلة، وتحكمها العدالة، وتقودها الحكمة ومخافة الإله الحق، تأخذ نفسها بالشدة، ولا ترضى بأنصاف الحلول، أحكمت إغلاق عالمها حولها، وتشرنقت وهيَّ الشخصية الإعلامية المعروفة، والإدارية الحصيفة، فتناقضت حين احتجبت وحجبت حتى صورتها، وهيَّ الغارقة في العلن بعملها وأدبها وظهورها، فكانت بحق هيَّ ذاتها شخصية محورية لعمل قصصي، يكتبه عنها غيرها، أما هيَّ فقد آن أوان انعتاقها، وتنزع قارورة عطرها، لتقدم نفسها واسمها مسبوقًا بالروائية عزة أبو العز، وستثبت لها الأيام القادمة صدق نبوءتي، إن أحياني الله تعالى وتلاقت الوجوه، أو حين تتذكرني وتترحم عليَ.

التعليقات