الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

أكره التشاؤم وأحب المتشائمين..!!

الكاتب : محمد الكاس

التشاؤُمُ صِفَةٌ معْنَويةٌ، تَتَجَسَّدُ في الإنْسَانِ، وتُصِيبُهُ بِالْإِحْباطِ، وبِعَمَى الْبَصَرِ والبَصِيرةِ، ويُصْبِحُ كَلًّا على نَفْسِهِ وأُسْرَتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ، أيْنَمَا وُجِّهَ لايأْت بخير، ويَرَى السَّهْلَ صعْباً، والصَّعْبَ مُسْتَحيلاً، ولا يرى من الوردة إلا شَوْكَتَهَا، ولا يرى من الكأْسِ إلا القَدْرَ الفَارِغَ مِنْهَا، ولا يرى من جمال الشيء المُنْتشر إلا قُبْحَهُ وإن كان يسيراً.
أما المُتَشَائِمُ فهو إنسانٌ، كائِنٌ اجْتِمَاعِيٌّ بِطَبْعِهِ على حَدِّ تَعْبِيرِ الفلاسفة وعُلَمَاءِ الاجْتِمَاعِ، وحيوانٌ نَاطِقٌ على حَدِّ تَعْبِيرِ الْمَنَاطِقَةِ، أي أنه مُفَكِّر، والفِكْرُ لايكون إلا بالعقل، والعقل هو الذي كَرَّم الله به الانسانَ على سائِرِ مَخْلُوقَاتِهِ وجَعَلَهُ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ لِلْعَمَلِ بِمُقْتَضَى تَكْرِيم ِالله لهُ.
وإذا كان الأمْرُ كذلك-وهو كذلك طبعا-، فَأَنَا أُحِبُّهُ، ومن واجبي وواجِبِ كُلِّ إنسانٍ أن يأخذ بِيَدِ المُتَشَائِمِ ويُخرِجه من ظُلُمَاتِ ومُسْتَـنْقَعَاتِ التشاؤم إلى حدائق وبَسَاتِينِ التَّفَاؤُلِ، والزَّجِّ به في عالم الْأَمَلِ. والْأَمَلُ كالذهب لايَصْدَأُ، يُجَدِّدُ في الإِنْسانِ الحيوية والنشاط ، لِيُقَاوِمَ صُعُوبَةَ الْحَيَاةِ، ويُوَاجِهُ الواقِعَ الْمُرَّ، ولِيَعِيشَ كَمَا يُرِيدُ، ولِيُحَقِّقَ ما يَطْمَحُ إليه.
التشاؤم صفةٌ سلبيَّةٌ تَتَجَسَّدُ في بعض الأشخاصِ، وتَجْعَلُهُم يُقَيِّمون الظروف والواقع تَقْيِيماً يُقَوِّضُ طَاقَةَ الْإِنْسَانِ وحيوتَهُ، وينقصُ من نسبة النجاح فيما يرغبون فيه، وفي الامتحانات المُقْبِلِين عليها، ويَزداد الخوف من الأوهام التي لا وجود لها في الواقع أصْلاً.
المتشائم هو شخص تفكيره لايَتَّجِهُ إلاَّ إلى الحاجات السِّلْبِيّة، وتَوَقُّعَاتُهُ لاتُخْبِرُهُ إلا عن كوارث حقيقيةٍ، ومُشْغِلٌ بَالَهُ فقط بالأحداث التي تَظْهَرُ لهُ أنها فوق طاقَتِهِ الْإِنْسَانِيّةِ، وإن نحج في شيء فَيَعْتَبِرُهُ نَجَاحًا آنِيّاً وَوَقْتِيا، ويزولُ مع زوال الشمس، ويَغِيبُ مع غُرُوبِهَا، ويَقْتُلُ نفسَه بالْخُرَافَاتِ والْأَوْهَامِ التي من شِدَّة تأثيرِها القوي في نَفْسِيَّتِهِ أصبحت حقيقةً لا تقبل الجَدَل.
التشاؤم، مُحَطِّمٌ للإراداتِ، ومُبَعْثِر للأعمالِ، وقَاتلٌ للرَّغَبَاتِ، ومُكَسِّرٌ للقوَّاتِ، وحائلٌ بين تصْمِيم الأهداف وتَحْقِيقِها، ومُدخِل إلى القلوب الرُّعْبَ من المَجْهُولِ، وقاتِلٌ الثِّقة بالنفس داخل الأشخاصِ.
والتشاؤم ساترٌ لمعاني الحياة الجميلةِ، ومُظْهِرٌ للمعاني القبيحةِ، ومُنْذِرٌ في كل لحظة على وقوع الأحداث ذات الآثار السيئة !
المتشائم ليست لهُ عيْنَانِ كسائر جنْسِ الإنْسَانِ، بل له عينٌ واحدةٌ وهي عين السُّوء والسّخطِ فقط، على حد تعبير الشاعر:
وعينُ الرِّضا عن كل عيبٍ كليلةٌ ** ولكن عَيْنَ السخطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا.
فما الحياة إلا زَرْعُ تَفَاؤُلٍ، يُثْمِرُ أَمَلاً، فإن ماتَ الأَمَلُ، ماتَتْ معانيَ الحياةِ الجميلةِ.
فَتَفَاءَلْ، ولا تَدَعْ تَفْكيرَكَ السِّلْبِي يَرْسُمُ لك حَيَاتَكَ، ويُسَيْطِرُ على رُؤْيَاكَ لِمَا أنت مُقْبِلٌ عليه، من تَحْقيق رَغَبَاتٍ وفَرْضِ نَفْسِكَ على الحياة، وَوَضْعِ بَصْمَتِكَ، ومَارٍّ على تاريخِك الذي قَضَيْتَهُ حيّاً من مولدِكَ إلى دُخُولِ قَبْرِكَ !

التعليقات