الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

قصة لا أحد يحبك من مجموعه قصصيه تحمل نفس الإسم

لا أحد يحبك المجموعه القصصيه الأولى للكاتبه و تلتها مجموعه ثانيه بعنوان رجل يبحث عن مقاس مناسب
لآ أحد يحبك
لأنهما أحبا الناس
طال بالشراع السير عبر البحار, تاوهات الصغير لا تتوقف, و عينا الأب ترقب التغيرات الطارئه عليه بحذر و خوف و كثير من الحب.
حين إرتطم القارب بحجر خري يعلن الوصول لأرض ما , سقط الولد في حجر الأب و و إلتقت انفاسهما لأول مره منذ اعلنا الرحيل.
واجه الخوف للحظات , إن السنوات التي عبرا فيها كل هذه البحار بحثا عن ارض تحتضنهما دون خوف علمته ألا يرهب شيئا, و ألا يخاف اي شئ إلا انفاس الصبي.
إنه يهرب من عالمه إلى عالم مجهول بانفاس ولده, لا هو القادر على التخلص منها و هو الداري بكيفية التعامل معها , كل ما عليه فقط ان يتحاشاها
ربت على كتف الصبي مبعدا أنفاسه برفق , شعر الصبي بما يدور في نفس الرجل الذي إصطحبه كل هذه السنوات فتكور في ركن صغير بجوف القارب , وقد سد انفاسه بيديه , أراد ان يستشعر رائحه ما أو مذاقا خاصا بأنفاسه يجعله يفهم لم الخوف منها.
عندما يحين المساء يقترب خلسه من أنفاس أبيه يستنشقها , وهو شديد الحذر ألا يهب والده نفسا واحدا من انفاسه , ثم يتكور في نفس القبو بجوف القارب يستشعر انفاسه بعد ان ذاق انفاس ابيه و يحاول ان يجد فارق فلا يجد , لكنه تعلم عبر السنين ان أباه معه لنه يحبه , و انهما هاربان لنهما احبا الناس
حين حفرت الأيادي القبور
حين حفرت الأيادي القبور فقد قرر الرجل القادم من الزمنة البعيده دفن الصغير أو حرقه فداء للجميع, بكى أهل القريه جميعا و حفر كل منهم قبرا لنفسه حتى لا يرحل الصغير وحده بعيدا. حين حاول رجل الزمنة الغريبه ( بالنسبه لهم ) متمسحا برداء الدين التي إرتداها منذ وصوله إلى القريه إقناع الناس بحرمانية أفعالهم كانت صيحات إحتجاجهم أعلى من مواعظه
: كيف نقتل الصغير لننجو نحن؟
علا صوته: غنها مشيئة الله, ليس لنا الإعتراض , لا يمكننا محاسبة الأقدار بل علينا ان نتقبلها
رفضوا كلماته و سدوا بالطين و التراب آذانهم بينما الطفل يرقبهم من على تل, و بدأ من أنهى منهم حفر قبره يهيل التراب على نفسه أو يطلب من ىخر ان يساعده و يقذف ما يخرج من رمال او طين من حفرته عليه هو, ودع بعضهم البعض ممنين أنفسهم بثقه أن موعدهم قريب
حاول منعم و لم يفلح فصاح: هناك حل
صاحوا بصوت واحد : ماهو
القادم من الزمنة الغريبه: أن نرسل الطفل من حيث أتيت أنا
نفض رجل عنه التراب و هو يخرج من قبره الذي لم يغلقه التراب تماما عليه و تساءل بوجه عفر: يجوب البحار.!
رجل الازمنة الغريبه : نعم العالم في الجبهه الآخر متطور جدا
تساءلت إمراه كانت تحمل سله من الخوص بها رمال كانت ستسكبها على جسد رجل ىخر بدا في دفن نفسهو وضعت السله جانبا و سألته : اهو يهب الموتى الحياه؟
تململ القادم من الزمنه الغريبه و قال : ستصبح انفاس اطفل غير ماهي عليه
تتقدم إليزا وهي سيده في منتصف العمر من طفلها الذي نزل من التل بإتجاهها ( كانت تضع العشب الخضر في قبره الذي لم يدفن فيه بعد ) , تلمس وجنة الطفل و تهمس :إنها تزداد بروده
تشجع رجل الزمنة الغريبه و قال: و هذا اخشى ما اخشاه, إنه مفقود ( و أشار إلى الطفل ) لا يمكن ان يفقد الجميع معه و لكن يمكنه ان ينجو لينجو معه الجميع و هيا ليذهبو هناك قاربي سيحمله
أشار الرجل للطفل إلى قاربه على شاطئ غير بعيد , فهرعت إليه السيده : هل سيذهب وحده؟
تقدم الأب مربتا على كتفيها : بالطبع لا و سأحمله انا
نظرت له فزعه : و تتركاني؟
قاطعمها رجل الازمنة الغريبه , مفرقا بيديه بينهما : هذا عدا ان القارب لن ينجو بركاب ثلاثه ! إن أقصى حموله للقارب شخصان لا أكثر, و حمدا لله ان الطفل صغير و نحيل فهذا يسرع بغنجاز المهمه
همست السيده: امن السهل العوده؟
قال شجعا : نعم فالقارب نبرمج فقط للتنقل ما بين أرضي و أرضكم لا ثالث لهما
إستل الأب نفسه مبتعدا عن ذراع رجل الزمنه , مصوبا نظره نحو القارب الذي تتلاطمه الأمواج قرب الشاطئ, تحرك للأمام خطوتين و عينه لا تغادر القارب فاسرعت نحوه: و تتركني؟ إن القبور أرفق من الفراق
أجاب و قد هرب بنظره بعيدا عنها : لا يمكن أن نحكم عليهم بالقبور من أجلنا نحن
هي : سنذهب بدونهم
إستدار لها : أنت عرفينهم جيداو لن يدعونا, قليل من الوقت و أعود أنا وهو
ضمته لها : أخاف ألا
جذب وجهها ليقابل وجههمداعبا بإصبعه شفتيها : لا معنى هنا للخوف و سأعود – ثم أكمل مداعبا إياها , فقط ربما تطرا علي من الرحله بعض التغيرات من فعل الزمن , ربما لون شعريو طول قامتي أو
قاطعته مبتسمه: أحبك كيفما تكون, لكنه يقول ان الرحله لا تطول
ضمها بشده محادثا نفسه : بي شئ لا يطمئن إليه, رغم أننا هنا ما عهدنا الخوف ولا اللا ثقه في الآخرين
سألته بقلق : فيم تفكر؟
قال : لا شئ و إنها المره الأولى التي سنعرف فيها معنى الفراق! قرأنا عنه في كتب الأزمنة الغابره , قهقه طويلا ثم قال
يقولون انه يشعل مشاعر الناس و يزيدها رهفا
همهمت : اكثر مما نحن فيه؟
قاطعهما رجل الزمنة الغريبه : هه ما هو قراركما؟
ربت الب على كتفها و ثم توجه للرجل محادثا إياه بصوت عميق بدا كأنه قادم من جوف المحيط : سأذهب
إلتفت الجميع إلى المحيط غير البعيد عنهم و قاموا من قبورهم و توقفوا عن حفر المزيد منها , و إنتظروا حيث هم ليتأكدوا ان هذا بالفعل هو قراره الأخير
رن الفرح في صوت رجل الزمنة الغريبه حين سمع كلمة سأذهب و بدا متهللا متعجلا :
الآن, الآن و الآن تعني الآن ولا معنى آخر لها سوى هذا , هل سمعت ؟ ام ستنتظر لتقتلهم
خفت غلظة صوته و قال لهك نعم إنه مريض و كلما مر وقتكان الخوف من إنتشار العدوى اكبر
تساءل الأب: و ماذا سنحمل معنا؟
بادره الرجل ك و ماذا حملت انا معي و انا قادم إليكم؟ لا شئ مجرد هدايا لكم لا اكثر
إتجه للجموع المحلقه به مفسرا : إنها بحار لا تعرف معنى الوقت, لن يشيخ و لن يجوع, و لن يعطش –إستدار له _ أفهمت ؟
كانت إليزا تسرع الخطى حامله الطفل , أما هو فيتأبط رجل الأزمنه ذراعه مهرولا به تجاه الشط, حيث يقبع قارب ما زال لا أحد يعرف كنهه أو عنوان رحلته , أهي رحله المجهول لطوق نجاه للجميع, أم أنه بداية إعلان الوباء.
مازالت أصوات الناس تغبف النحيط بنغم قلق, مترقب, يبدو أنها أصوات مستسلمه لا تحبذ الرحيل و و إن كانت ترجو النجاه.
ألن نعد لهما شيئا؟ ألن يحملا شيئا؟ ألا بد من هذا؟
همس ضمير إليزا يحادثها : إن لم يعودا فالقبور تنتظر
توقف الأب عن السير مستلا ذراعه من ذراع الرجل و قاطع صوته صوت ضميرها :
: لا إياك, سنعود أفهمت؟
تاهت نظراته عنها نحو الرجل الذي إستحثه أن يسرع , و حادث نفسه مغمضا عينيه خشيه خروج صوت ضميره إلى حيز غير حيزه.
: إلا أني لا أعرف لم لا يسكنن الإررتياح لهذا الرجل , إنها بداية الأحاسيس الغريبه و و المشاعر غير المعروفه !!
المشوار
مازال القارب يواصل المشوار, و ما زالت درجة حرارة أنفاس الفتى عند آخر مقياس قاسته إليزا قبل الرحيل, و ما زال يواصل النظر في عيون الصبي يشعر ان الزمان لم يمر و و ان غحساسه بطول الزمن و لا غياب الشمس ولا ظهور القمر وهم من الوهام.
يفرك الرأس و قد نظر إلى الخلف : إنه محال, ليس له أن يعود الآن, , لا بد أن يصل بالطفل للأمان, لا بد أن توهب له الحياه ليهب الحياه لكل هؤلاء الذين حفروا القبور كي لا يرحل الصغير
" و إليزا , كيف أصبح الحال بهما؟ أيمر الزمان علينا دونهما , و مازالت هي كما تركناها لحظة الرحيل بالشط تنتظر ؟
هل تنتظر؟
ماعدت أفهم معنى الزمان في هذا القارب, و ما عدت أفهم كيف أخشى أنفاس الصغير, تلك التي أراد الجميع معانقتها و النزول بها إلى قاع القبور.
حادث نفسه : علّني أخشاها خوفاا من ألا أعود إلى إليزا الجميله, كم أفتقدك اللحظه يا إليزا !
إرتطام القارب بصخر أشد ضخامه أضاع من مخيلته صورة إليزا القابعه بجوار الشط تنتظر.
أما إليزا فكانت ما تزال تذهب لجمع البوص, و كان الفتيه بالطريق إذا ما رأوها ساعدوها بالسواعد القويه , و عانقوها بالكلمات الرطبه و الأمنيات الطيبه أن يعود الصغير سالما بأبيه.
و حين يجتمع الجميع حول حلقة النار التي تدفئ المكان , كان الرجل القادم من الأزمنه الغريبه يحاول بث معتنقات غريبه على أهل المكان, أما هم فكانوا يتلفتون لبعضهم لا يفهمون , و لم يسئ أحدهم الظن به فهم لا يسيئون الظن ابدا, فإكتفوا بإقتناعهم انهم لا يفهمون, و ان كلمات الغريب تعني أشياء أخرى غير التي تصل إلى أذهانهم, فغن طلب الطعام أشار له الناس إلى الطعام ليتيقنوا انه يقصد ما يؤكل لا ما يشرب, و غن اراد الغطاء لشعوره بالبرد عاجله أحدهم بسكب برميل من الماء على رأسه, و أسرع ىخر ليحرك سعفه نخيل جلبا للهواء ريثما يعد آخر النار للتدفئه فيختار الرجل مقصده من هذه الأشياء, فقد إحتار الناس في فهم مراده, و بمرور الوقت شعر سكان المكان ان للرجل لغه مخالفه فيما يعني بالمشلعر و الحاسيس و الأفكار وهي لغه يصعب عليهم فك شفرتها, اما تسمية الموجودات حوله من ماء و ننار و طعام و شراب فهي ذات التسميات التي يستخدمونها.
و في بعض حلقاتهم للسمر و الغناء و الحكي عن أحداث القريه يذكره الناس و يتساءلون كيف حدث له هذا التغير, فهو لم يكن كذلك حين اتى إليهم.
و يتساءل البعض : هل يعاني مما سماه الغابرون لوثه عقليه؟
و يصبح للمر وجها غير الذي هو عليه حين يتردد الهمس هل ما أصاب رجل الزمنة الغريبة امر معدي؟
و يصل الهمس إليه, و يشعر بالخوف للحظه و ينظر إلى القبور المحفوره. ثم يباغته الشعور بالاطمئنان وهو يرقب ليزا
: إنهم لن يدفنوني وحدي, هذه هي القاعده هنا, و هذا مالن يفعلوه أبدا قبل ان يعودا
و تقترب منه إليزا: متى يعودان؟
و يسألها ان تذهب إلى كوخه مساء فعليه إستطلاع النجوم, فتلبي طلبه و تذهب كي تعاود السؤال نفسه
: متى يعودان؟
يسترق النظر إلى مالا تستره غلالتها الرقيقه, غنه يشتهي هذا الجسد رغم لا حلاوته, ولا يعرف لم كل هذه الرغبه فيها, نظر إلى العينين الضيقتين الجميلتين, فيهما يرى كل العالم, فمها دقيق و بشرتها باهتة اللون, أخفض نظره غلى جسدها الممتلئ ( كيف يشتهي هذه المرأه ! ), ممتلئه جدا من وجهة نظره, تتلكأ ف ي مشيتها , تبدو له أحيانا كما يصفها للآخرين في القريهو أشعر انها كالطفل الذي تعلم المشي لتوه, تبدو دائما كانها ستسقط و تحتاج يد العون.
مد يده يساعدها كي تخطو داخل الكوخ ,سحبتها وهي تشعر بالضجر:
انت وحدك من يشعر انني احتاج يد العون لأسير, ما احتاجه هو فقط معرفة متى يعودان؟
ربت على كتفيها : قريبا
: متى؟
نظر إلى بلورته التي تبدو لها سحريه و همهم : حين.... و صمت
همهمت : حين ماذا؟
يشير إلى باب كوخه المفتوح قبالتهما : سأذهب لأرى
تتبعه حتى عتبة الكوخ, و قد ملأت عيناها عديد من الإستفسارات, كان هو بالداخل, يفتح بابا مقابلا لباب الدخول, فيواجهه فضاء رحب هو فناء الكوخ الخلفي, يغمرها النور القادم من الفناءو تخطو داخل المكان, بينما هو يحملق في السماء هربا من ازيز الفكار في أذنيه.
( إنني اريدها و أريدها هنا و في هذا المكان, ليت الجميع يقبرون و أبقى انا و هي )
تبعته حتى الباب المؤدي إلى الفناء, كان هو قد خطا خطوتان داخل الفناء, لم تنتبه إلى عتبه ما تفصل داخل الكوخ عن الفناء فكادت تتعثر, فإلتفت إليها يسندها, غمتدت يداه في محاولة السند هذه إلى أجزاء ما كان ينبغي لها ان تمتد إليها, فإرتجفت هي و اجزاؤها معها, و تراجعت بادب شدشد أتبعته بملحوظه تنم عن دهشتها من تصرفه, القت ملحوظتها بخجل و على وجه السرعه كما لو كانت تخشى ان تصيبه بحرج.
يداه تقبضان بقوه على ذراعيهاو نظرته غريبه, نظره لم تعرفها من قبل
قالت له: نحن لا نفهم احاديثك كثيرا, اما الان فانا لا أفهم أفعالك أيضا
ضمها بعمق : أفعالي انا !!
أصابها كثير من عدم الفهم, و أرادت التخلص منه دون أن تسبب له حرجا, فصعد غصبعها إلى فمها في تلقائية الأطفال, و خرجت كلماتها هادئه رتيبه : من فضلك, اتركني
تحررت من يديه و هو يتساءل عن هذا الدب الجم في السؤال و تلك النظرة المذهوله التي لا تفارق عيناها كلما رأته,
هو : من فضلي انا!!؟ إنه انا من لا يفهم
علت نبرة صوتها بما لم يعتده منها او من اي احد في القريه : أرجوك, اود فقط ان اعرف متى يعودان؟
همس : و انا اود أشياء كثيره
شعرت بالراحه وهي تقول له: اطلب نجيبك, نحن لا نرد لك طلبا, انت ضيف و غريب و رجل إختارنا ماوى له, بلا شك لقد اصبحت جزءا منا و بلا شك نحن نحبك
شعر بالفرحو لا يضعف هو بهذه السهوله امام شئ او شخص, هل يحبها ام يرغب في إمتلاكها؟ لا يهم لكن عليه غنتهاز الفرصه, إنها تعترف, سألها : نحن ام انت؟
بدا عليها الإستغراب و عدم الفهم : ام ماذا؟ نحن هنا دائما نحن, نحيا نحن و نموت نحن ولا يوجد انا او انت هنا
سألها بمكر و لعابه يسيل : لكن مع الطفلو مع والد الطفل
اجابته بنفس البراءة التي لا تصطنعها : اوه فهمت و هذا امر آخرو هههههههه الا توجد ليدكم في بلادكم علاقات حميميه تخص شخصان فقط لا يمكن ان يكون هناك لهما ثالث ابدا, اما بام فهو ولدنا
أشار إلى نفسه : و انا
نفت بشكل قاطع : لاو لا يوجد أنا هنا
قرر مواجهتها : ألا تفهمينظ انا ارغبك
اجابت كأنه أمر مفروغ منه: و انا أيضا أرغبك
ثم أردفت : كلنا نرغبك
همهم بما لم تفهمه
شرحت له كما تشرح لطفل صغير: يتكلمون عن اللوثة العقليه التي اصابتك, و ربما هي ليست لوثه لكنك لا تفهم ان زمانك غريب علينا و بالتالي مفاهيمنا ليس كمفاهيمك انت, نحن هنا يحب كل منا الاخر و يرغبه و اتشك في هذا
أما و قد ادار الكلام في راسه على نحو آخر فقد عاد لأفعاله غير المفهومه بالنسبه لها : ف ,, هيا
تراجعت كثيا و قد اصابها الذعر لا من أفعاله , بل من أن يكون المر بالفعل لوثه عقليه تصيب بالعدوى
تساءلت: هيا ماذا؟ تبدو مريضا
أجابها ك مرضي الحب
إلتقطت انفاسها : أجل هذا ممكن و من أجل هذا أتيتك
هو : على الرحب و السعه !! ههههه حقا من اجل هذا اتيتيني
هي : نعم
هو : من أجل الحب ؟
هي : بلى ! هو أجمل الأشياء, و من أجلك و اجل القريه و اجلهما اتيتكو متى يعودان ؟
هو : من هما؟
لم تسمع عبارته فأردفت حالمه : المكان بدونهما كالوهم, لقد لفظت الصخره كل الأبناء من جوفها , كلنا ولدنا في يوم واحد, مختلفي الأعمار حقا , عدا اننا ولدنا و كل منا يحتضن الاخرو بام كان بين يدي و يده رضيعا, هكذا ولدنا و هكذا نشأنا لا يمكن ان يموت اي منا لوحده , هل تفهم ما اقوله لك؟ هيا اخبرني متى؟
إمتدت يده نحوها يريدها : متى؟ غنه انا من يود ان يسألك متى؟
نهضت فزعه : لا أرجوك
نظرت إلى الخلف له , في عينيه ضعف لكنه يشبه ضعف الذئاب امام فرائسها, إنحنت نحوه و سالته بوجل : اخشى ألا تكون انت أيضا تعرف شيئا عن موعد عودتهما
همهم : أخبرتك, انا التي يسالك متى؟
لفت المكان جيئة و ذهابا في توتر عصبي بالغ و هي تفرك يداها ك انت تسالني انا متى !! من ادراني انا! إنه انت وحدك من يعرف, وحدك من قام بهذا السفر و يمكنه عمل حساباته ليحدد لنا متى يعودان
قطب جبينه و نهض موجها بصره نحو السماء, و بدا كمن يستقرئ الغيب, ثم واجهها بلهجه مقتضبه :
سيعودان, يكفي ان تعرفي هذا, أنا اتيت من زمن و مكان و قانون مغاير, و هما كذلك, لا يمكن قياس زماننا بزمانكم و لكن لا بد أنهما عائدانو القارب مبرمج على العوده
أما في قرارة نفسه فكان يمني النفس بما سيحدث إن لم يعوداو كان يعرف مسبقا انهما لا يمكنهما العوده إلا إن خذلته الأقدار
ارتطام القارب بالصخر
ارتطام القارب بالصخر شرخ حائطه المامي, صاح الطفل : لا بد من ترميمه
ضجك الأب : اخيرا نطق الطفل , أوحشني صوتك يا بام
بام : أحبك يا أبي
قهقه الأب : كل الناس تحبك يا بام
كان الأب ما يزال يجذب الحبال محاولا ربط الحائط المامي, ساله الطفل و هو يغطي انفاسه بيديه ك هل هو شرخ عظيم؟
الأب : لا يا بام , لكنني أرى عديدا من الصخور امامنا, علها إشاره لقرب الوصول غلى اي يابسه
تساءل بام : أهي أرض الغريب
الأب : نعم بلا شك
بام متسائلا : أعجب كيف تركها
الأب : و اا أيضا يا بام, إلا انه لا يمكننا توجيه مثل هذا اللوم او السؤال لضيف وصل إلى ارضنا و طلب الإقامه عندنا
بام : هل تظنه يحبها؟
كان الأب ما زال محاولا ربط المقدمه بالحبال, صاح بصوت عالي مقهقها
: إنه سليم, و شرخ خارجي فقط , لكنني ربطته بالحبال إحتياطيا
إستلقى مستندا بظهره لاحد جوانب القارب بينما يداه تتلمسان مكان الشرخ و حادث نفسه :
: و انا أيضا أعجب له, كيف ترك أرضه؟ الا يحبها؟ و كيف لا يحبها و يحبنا؟ و لم يرسل بي و بك إلأى أرض تركها هو او لم يحبها؟
إنها المرة الولى التي اسمع عن اشياء لا نحبها و نحتاج إليها, او أوطان نحبها ثم نتركها, مع هذا الرجل ماعدت أفهم الشياء, كان يحمل أشياء غريبه معه, ظن اننا سنسعد بها, و عجب أن لم نسعد, أراد أن نستخدمها لصناعة بعض الأشياء له, لم نكن نعرف كيف فعلمنا و صنعنا له ما أراد, ألم يكن واجبنا تجاه الضيف الغريب أن نصنع له ما يريده هو و يحبه؟
علا صوته مقرا بحقيقة الأمر : نعم و و لكن مع الأيام لم يعد ضيفا
الإبن : بل ما زال يا أبيو سيظل كذلك, إن غريب الطباع دائما ضيف
همهم الأب : طباعه ليست سيئه
الإبن : أعرف, و لكنها غريبه, لم يسوءني غرابتهاو بل ساءني رغبته و إصراره على فرضها علينا
أجاب الأب مذهولا من تفكير إبنه سائلا نفسه هل هذا التفكير من تأثير الوباء على عقله؟ أم من تأثير الأجواء الغريبه التي يخترقاها لأوطان أخرى : فعل ذلك لأنه يحبنا
الإبن بإمتعاض: إنه لا يعرف كيف يحب , نحن نحب أشياءنا, يمكننا صنع الأشياء التي يحبها هو لتطون له وحده و أما لنا معه فلا
قال الأب و قد تغلغلت أنفاسه روائح طعام ذلك الغريب :
: كان شيئا جدا ذلك الطعام الذي حمله إلينا
الإبن ضاحكا : و أخبرنا أنه أفضل طعام في وطنه
الأب متململا: سنجبر على تناول هذا الطعام طوال فترة الإقامه هناك يا بام
إرتطم القارب ثانيه معلنا الوصول, و إقترن هذا الإرتطام بقهقهات الأب الذي حمل ولده معانقا إياه في أول لقاء متعمد لأنفاسهما منذ لحظة الرحيل
: وصلنا يا أبي
الأب : نعم يا بام
الإبن وهو يشمشم أنفاس أبيه : حلوه انفاسك يا أبي
ضحك الأب معلقا : ما أخشاك ولا أخشى أنفاسك يا بام و لكني حريص أن نعود معا إلى إليزا يا بام
الإبن : نعم يا أبي
حين تعاودهما صورة رسمها القادم من العالم القابع بالطرف الآخرو يشعران بالبهجه و يحثان السير
تبدو أمامهما ملامح أشياء غريبه, و قسمات قوم تشبه قسماتهم تلك القسمات التي ودعتهم بالدموع, إلا أن القسمات هنا كالحه متعبه.
الإبن : هنا يا أبي
الأب : أظن هذا يا بام
عاود الصغير شمشمته كجرو يبحث عن أمه, فمد الأب إليه ذراعه يرفعه إليه
: عم تبحث يا بام
تملص الطفل من ذراعي والده وقال : طعام الغريب يا أبي, لا رائحه له هنا
الأب : لا أظن أننا ضللنا الطريق
الإبن: ماذا يأكل الناس هنا؟
الأب: ربما ليس موعد تناول الطعام في بلادهم, ثم ماذا يعنينا من هذا يا بام؟ لقد أتينا من أجل الدواء لا الطعام
الإ[ن: رائحته تغلغلت أنفاسي قبل الوصول بقليل !! و إختفت حين صلنا
الأب : اوه يا بام
شدت انظارهما القوى الخائره تحاول إستنهاض نفسها عبر ذات الوجوه و ذات القسمات التي إلتقوا بها حال الوصول و بعضها ملقى على بالطرقات يقظا, و الآخرون كالسائرين نيلما بحثا عن مفقودو و بين الحين و الآخر يسمع صوت الباعه ينادون, فيركض إليهم النائمون ليستيقظوا فجأة مستشعرين كثيرا من الغبطة لرنين الصوت المفقود, و قدر عال من إحباط ليقظتهم التي أخرجتهم من وعيهم لباعة الطعام و الفاكهة.
و حين تقدم الغريبان (بام و والده) دخلا من حيث لم يعلما دائرة أحلام اليقظة, الباعة تنادي و الناس تهرول, فيهرولان معهم بحثا عن الطعام, و عند الوصول لمصدر الصوت يستيقظ الجميع فلا يوجد أحد, و حين فطن بام للعبة أصبح هو البائع الوحيد لأحلام اليقظة, و حين فطن الأب لعبث ولده, استجداه أن يكف فقد حضر من أجل الدواء لا اللهو.
بام: اللهو طعامهم
الأب: و الدواء حياتنا يا بام
سارا بطرقات بعضها يضيقو يضيق معه حال أهله و بعضها يتسع و لا يتسع الحال معه, حين وجدا أول شجار في هذه الأرض كانت نتيجته مقتل شخص, و سقوط الآخر في حفرة عميقة يستحيل الخروج منها, ركد الأب إلي الحفرة محاولا فعل أي شيئ لإنقاذ الرجل
صاح الساقط بالحفرة: أرسلها لي, لا تجعله يأخذها, أرساها لي.
كان دوي صوته هائلا, بينما بام يقرض بعض أوراق الشجر و لا يعبأ بما يدور حوله
الأب: كيف أخرجك؟
الساقط في الحفرة: أرسلها لي, إنها بيديه, لقد قتلته لكنه لم يأخذها معه
الأب: ما هي؟ يداه فارغتان
صاح و قد أصبح صوته مبحوحا: طعامي ....... عامي .... امي .. ( و انقطع الصوت)
إنتبه بام إلي الصوت و ارتعد و قد سقط من بين يديه أوراق الشجر: يقرضون الأشجار يا أبي
و ارتمى في حضن والده و فرك رأسه في حضن والده رفضا ثم تحول نظره إلي شئ ما عن بعد
أبي إنظر هناك
كان الأب يدلك أنفه محاولا طرد الرائحة الغريبة التي واتته خشية أن يعود للعبة أحلام اليقظة, أما ما لفت نظر بام فقد كانت جنازير مجنزرة من الحديد حول أنواع الطعام المختلفة و كثير من الحراس مدججون بما لم يفهم بام و لا والده مغزاه أو معناه
كان أنصاف خائري القوة يتقدمون و يتقدمون و يركدون ثم يلعقون و يرحلون.
بام: ما هذا يا أبي؟
الأب: لا أفهم يا بام
بام: يبدو أن الأثمان هنا مختلفة يا بام, في بلدنا ثمن الطعام هو الجوع, أما هنا فما زلنا لا نعرف الأثمان يا بام.
*********
احتضنت السيدة ابنتها و دفعت بيدها الصغيرة إلي فمها و همست لها: اقرضي أظافرك
سحبت الطفلة يد الأم لتضعها في فمها الصغير: أعطني بعضا من أضافرك يا أمي
جذب الأب ولده بام بعيدا, ثم ضم رأسه إلي صدره حاملا إياه
الأب: لابد من الدواء
رفع الصغير رأسه و هو يقرض أظافره رغبة في التعرف على طعم و نوع هذا الطعام الجديد:
الجوع يقرضهما يا أبي.
جذب الأب رأس الصغير ثانية مخفيا إياها في صدره
الأب: من أجل هذا لابد من الحصول على الدواء يا بام, قبل أن يقرضنا الجوع هنا
حين تقدم من كهل عجوز استند إلى حائط مائل, و في يده بقية باقية من عكازه اللذي تناثرت بعض أشلائه حول فم العجوز الخالي من الأسنان, تشبثت يد العجوز بقطعة الخشب الصغيرة, و دمعت عيناه و قد ملأه الرعب حين رآهما يتقدمان.
أدرك الأب ما يدور بمخيلة العجوز فبادر: الدواء يا شيخ, لا حاجة بنا إلى الطعام الآن.
قطعة الخشب المتبقية من العكاز, كانت قد أفلتت من يد الشيخ متخذة طريقها بعيدا, و ذلك إثر سقوط الشيخ أرضا أسفل الحائط المائل اللذي تحول إلي حائط ساقط إثر انفجارات متتالية لم يعرف لا بام و لا والده مصدرها, إلا أنهما ركضا مع الراكضين إلي حيث لا يدريان أين الذهاب, و التقط الأب ولده اللذي سقط فجأة ثم ارتفع إلي أحضان أبيه مخفيا أنفاسه.
نزلت الجموع إلي مكان غريب لم يعرفا كنهه, و التصقت الأنفاس و الأجساد في صمت لم يقطعه إلا صوت طفل صغير يبكي في حضن أمه, كان يد بام الملتصقة بأنفاسه تتسلل رويدا رويدا تلكز الأم و تضع في يديها بقايا عكاز الشيخ العجوز.
صمت الطفل و قد بدأ رضاعته عبر فم أمه الذي لم يقاوم الجوع, فاقتسم العكاز مع أمه في قبلة لم يفهم أحد مغزاها إلا بام, أما الباقون فنظروا يعتصرهم الألم خشية أن يحين الوقت الذي يهجر فيه قرض الأظافر و تقرض فيه الأفواه و الشفاة كما تفعل السيدة و الرضيع.
تململت سيدة, و قالت معبرة عن الفكرة الجماعية التي طرأت لهم:
و بم نقرض لو قرضت شفاهنا و أفواهنا و بالتالي أسناننا؟
سخر شاب و قد ارتفع نظره للأم و الرضيع: ربما لو فعلنا هذا ينتهي الجوع, نبدأ بالقرض من الفم حتى المعدة.
حين أنهى عبارته كانت يد بام الخافية لأنفاسه قد لفتت نظره, فقفذ إليه جاذبا يده باحثا عما يخفيه فيها أو داخل فمه, صارخا: ماذا معك تقرضه وحدك أيها اللعين؟
صاح بام: أنفاسي و أعاد يده ليخفي فمه بها
صمت أصوات الفرقعات و الانفجارات و عاد الحال لما كان عليه, و خرج الجميع من المخبأ, لا يشغل بام في هذه اللحظة و لا اللحظات السابقة إلا أنفاسه.
بام: أنفاسي, أخشي على الناس منها.
رحلة البحث على الدواء شاقة, فالعثور على الطعام في مثل هذه الحالة أشد سهولة, مجنزرا بالجنازير, عليه حراس شداد و ينقد الناس مقابل لعقة, أما الدواء فلا. فلا أثر له.
همهمات المرضى تصل إليهما: خلف الحدود
والد بام: و ما الحدود؟
المرضى: الأرض المجاورة
نظر الأب إلي إبنه باستغراب: كم من الأراضي في العالم ! كنا نظنها أرضا واحدة
أما بام فما زال يكتم أنفاسه: و أنا كنت أظن أن كل المرضى مريضا واحدا
يد الأب تتلمس ولده: أنفاسك تزداد برودة يا بام
إبتسم له : أحبك يا أبي
نظر الأب الى جوع و عناء البشر حوله : أنا قلق من أجلك يا ولدي, لنرحل هناك يا بام خلف ما يسمونه حدودا
بام : ألم تسمعهم يا أبي؟ مسدوده بأحجار متفجره
الأب : معنا القارب يا بام
تحت وابل فرقعات و شرارات و ويلات لم يستوعباها حتى اللحظه كان يجرجر ولده الذي تقطعت انفاسه و و بدت عباراته كهمهمات غير مفهومه.
: أتهرب لتموت معي يا أبي؟
أما الأب فكان يتعجب كيف يصنعون في هذه البلاد الدواء ثم يقتل بعضهم بعض؟
و الطفل يتساءل : ترى بم ستعود يا والدي؟ بالموت أم بي و بزجاجات الدواء؟
لملم طفله محتضنا إياه, يرقبان الجموع المتهالكه تفر ثانيه إلى المخبأ, فقد تألق نهار الحرب في ذلك المساء متصلا بضوء الفجر الذي لم يستشعراه, و ببزوغ أشعة الشمس كانت طوابير الناس تتساقط خارج باب المخبأ, تشتعل حولهم ألسنة اللهب, و اسرع من لملم بعض قواه يخمد الحرائق بالتراب, أو يحمل إليها ماء البحر, فإذا ما كان الإجهاد من نصيبه من العمل شرب ماء البحر ثم أزال ملوحته بالتراب.
صوت والد بام يدوي : أما من حل؟
أما الحقيقة فإنه أيضا كان مستمتع, امتدت يده للتراب يقذفه في وجوههم: و حين ينتهي التراب ماذا ستأكلون : أجيبوني .. كفوا عن الصمت .. لابد من حل.
صوت واهن قرر استنفاذ طافته الأخيرة ناصحا إياه:
وفلا طاقات غضبك .. ستحتاجها ليطول بك العمر يوما واحدا, ثم تأوه تاوهات خاغتة و ألقى رأسه يمينا و أسلم الروح.
ذعر بام و أخفى وجهه بين يديه: أبي
الأب: مات .. مات, إنهم يموتون هنا فرادى يا بام
دبت الحركة حولهما, الجميع يجذبون جثث الموتى, و يلقون بها في فجوة كبيرة أحدثتها إحدى الانفجارات السابقة, و بدأوا بإلقاء الجثث الواحدة تلو الأخرى
أجاب أحدهم على نظرات الأب المذهول:
سيشعلون بها النيران, نحن هنا نحتاج التراب, ثم لا طاقة لنا لحمله و إهالته عليهم.
بينما كانت رائحة الشواء تعبق المكان, كان الجميع منكبون على التراب أو الصخور يستمدون الطاقات, و بعض من كان أكقر حظا تقع يده على حشرة أو جرز أنهكه الجوع, أما العاملون بالدفن فيسيل عرقهم تعبا و لعابهم شوقا, فرائحة الشواء كانت لم تفرق كثيرا عن تلك التي عانقت أنوفهم آخر مرة حول موائد الطعام قبل اندلاع الحرب و فرض الحصار, و حين يلعق أحدهم بساعده عرقه قد يلتقي بلعابه شيئا من طغم هذا الشواء, و قد يعبر إلي عقله تساؤلا عن الفارق بين هذا الشواء و ما عداه.
تلك الفكرة (الفارق) بدأت صغيرة عبر لعق العرق, و لعق الشواء ثم انتشرت و تغلغلت في النفوسو ارتضاها عمال القبور سرا ثم فاحت رائحتها دون اعتراض, و بات الناس يجدون ما يدوسونه في التراب حين يأكلون.
كان الجوع أكبر من الخوف من الأمراض, أو فلنقل كانت أمراضا غير معروفة الشأن أهون من أمراض سوء التغذية و فقد الطاقات, و رغم مخاوف غير معلنة من أن يؤدي الأمر, (التغذية) .. إلى قلة الوفيات, و بالتالي إلى حدوث المجاعة ثانية إذا لم تتوفر كمية الجثث المتاحة حاليا, إلا أن الوفيات كانت في ازدياد, و لم يعد غريبا في وسط هذا الحصار المفروض من أرض مجاورة, أن تجد الأم تلقي بنفسها في (بركة النار), أو لنقل (قدر النار) فقد ابتلعت و هي تتناول الغذاء خاتما كان في أصبع ابنتها فأدركت كنه ما أكلته.
و لم يمنع هذا الناس في أن يستمروا حول ذات المائدة طلبا للحياة خاصة أن صخور الأرض برزت بعد أن زال التراب من فرط ما ابتلع الناس منه, و كان للصخور قسوة و غلظة كسرت أسنان و مزقت بطون من رقت قلوبهم لحال الموتى, و أبوا أن يأكلوهم.
أما بام فكان قد استلقى أسفل أقدام أبيه يقرض أظافره جوعا, و قد امتدت يد الأب تعبث بما بقي له من شعيرات في رأسه فقد فقد منها الكثير منذ وطأت أقدامه هذه الأرض, و سرح الأب بخياله متعجبا من أمر الأرض التي وطؤها من أجل العلاج و قد حرمتها الأرض المجاورة من موارد العذاء, و سدت عليها الأنهار و منابع المياه, و فجرت مخازن الطعام و الدواء فبات المريض يمرض ليموت و الجائع يجوع ليصنع طعامه من جثث من سبقوه إلى الموت بسبب الجوع أو المرض.
الأب: سنرحل يا بام
بام: سنعود إلى إليزا؟
الأب: بل إلى الأرض المجاورة.
بام: كلا .. أرض قساة القلوب ... لا
الأب: لابد أن نرحل, لا تنس أنك تحمل وباء, و أنا أخشى عليهم أن تحل بهم لعنة بسببنا, .. لنرحل
بام: كيف يا أبي و كل السبل مسدودة؟
الأب: لابد يا بام, سنحاول, هناك الدواء, إن لنا أرضا تنتظرنا نرعاها و نحبها, لو تخاذلنا كرهناها, لابد كي لا تدفن إليزا و الآخرون.. يصمت قليلا ثم يكمل: لا داعي أن نصيب القوم بسوء أكثر مما فد حل بهم, إن أجدنا التجديف بسلام إلى الأرض المجاورة ذهبنا و عدنا بالدواء, .. و إن لم نجده سنعود إلي أرضنا يا بام.
كل السبل بدت مسدودة أمامهما, .. ها هو القارب حطام بفعل الإنفجارات التي استمرت طيلة الليلة الماضيه, البحر الأسود اللون قاتم كمسافات ميتة لا أمل في قطعها, إحساس الغربة الذي لم يملأ نفسيهما و هما قادمان خيم عليهما بشكل قاطع و هما يتفقدان حطام قارب لا أمل في إعادته كما كان و لم يجد أي منهما سبيلا لإنهاء الشعور بالغربة إلا إلصاق أنفاس أحدهم بالآخر يستنشقها.
مازال يحمل ولده عبر الأراضي الغريبىة المحاصرة, محاولا إيجاد ثغرة لدخول الأرض المجاورة, و مجربا بإلقاء بعض الحجارة على المتاريس الفاصلة بين الأرضين فإذا هي تنفجر.
يحتضن الوباء في أنفاس ولده دون أن يموت الأمل في نفسه:
إن لم ننج نحن يا بام, .. فلتنج هذه الأرض المحاصرة.
إبتعد عن الحد الفاصل بين الأرضين, و جذب ولده ثانية نحو البحر, كان الصغير متهالكا, لا يقوى على الحركة, و قد ازدادت أنفاسه برودة, أما والده فخائر القوى لا يقوى على حمله فاستعاض عن الأمر بجذع خشبي يجذبه خلفه حاملا الطفل الذي هبط عنه حال وصولهما للشاطئ و انهمك الأب بنحت الجذع قاربا و حمل به ولده مجدفا رافعا شراعا صنع من كفن أبيض صادفه في الطريق و كتب عليه (إنه الوباء, فقط نريد الدواء, طفل في العاشرة مريض, ليس عدوا و لا حبيبا, فقط طفل مريض).
و بينما هو يرسل بشراعه رسالة تطلب النجاة كانت قذائف الموت ترسل من كل جانب, و اشتعلت الرسالة و الشراع, أما الأب فقفز ناجيا بولده من عذاب الحريق, و ما زال يبحر و يبحر بساعديه حتى اقترب من الأرض المجاورة بأنفاس محترقة و طفله الذي حمله فوق ظهره و قد أنهى عليه الوباء فمات.
و مازال الأب ينتحب و يبكي, ولا يدري أين يذهب و لا ماذا يفعل, فعانق أنفاس إبنه مخلصا في العناق متسائلا .. هل استخلاص الوباء لنفسه من ولده هو الحل؟, و عاوده صوت القادم من الأراضي الغريبة:
(حي أو ميت لابد من دفن الطفل أو حرقه حتى لا يصاب الجميع بالوباء)
أما التراب فكان سخيا في الأراضي المجاورة, و كان يمكنه حفر مثوى أخير لإبنه الصغير حامل الوباء, و كانت قذائف اللهب مازالت تسير أمام عينيه مشتعلة بالشراع, فلو شاء لتخلص و خلص المكان حرقا.
(أحبك يا أبي)
كاد ينطقها الطفل الميت وحيدا بينما والده يطفئ النار بجزع الشجر الذي حط بالشاطئ و فقد فقد شراعه و رسالته
(كل الناس تحبك يا بام) مرفوضه في عقل الأب في أرض يحرق فيها الزرع ليموت الناس جوعا و يمنع فيها الدواء ليحيا الناس مرضى.
سن من الصخر سكينا و نحن حرفا غريبة على مداركه على الجذع الذي ربط به ولده, و حث السير حاملا الجذع بطفله الميت نحو منبع الأنهار في البلدة المجاورة و عبر ماء النهر الذي سد عن الأرض المحاصرة أرسل رسالة إلي البلدة المجاورة (جذع شجر يحمل الوباء عبر طفل ميت و يحمل كلمات محفورة, أما أنت فلا أحد يحبك يا بام)
الإمضاء: القادم إليكم من الأزمنة الغريبة.. الوباء

التعليقات