أخر المقالات

مسألة الحظ تحت مجهري العلم و الدين د محمد غاني

الكاتب : نور سليمان

مسألة "الحظ " تحت مجهري العلم و الدين
د محمد غاني ، أكاديمي و باحث مغربي
يجلس أحدنا فوق أريكته مشدوها أمام التلفاز بما حققه آخرون من إنجازات شتى في مختلف ميادين الحياة ، يستنتج تلقائيا أنه ليس له حظ في هاته الحياة لأن غيره أعانته الظروف لتحقيق تلك النجاحات، فهذا زيد صاحب الشركة الفلانية استقى ثروته من رأسمال مادي تركه له والده بعد رحيله من هاته الحياة الدنيا، و ذلك عمرو صاحب المعمل الفلاني لولا أن الحظ ساعده بالتزوج بالفتاة إياها و أعانه والدها على تطوير حرفته في صناعة الثياب لما و صل الى وصل اليه من رقي مادي، و ما قيل عن الترقي المادي يمكن أن يقال أيضا عن غيره من التدرج في مدارج الكمالات الفكرية أو المادية أو الجسدية أو حتى الروحية.
إذا كان الحظ يلعب كل هاته الأدوار في تحسين حياة الأفراد أو حتى المجتمعات فلم لا نبحث جميعا عن حظنا؟ و هل قضية الحظ مسألة وهبية " بمعنى هبة و منحة الهية من السماء " أم "كسبية" لا يمكن للإنسان أن يصلها دون كد أو تعب؟
لنضع المسألة تحت مجهري الدين و العلم حتى تتضح الرؤية:
يرى براين تريسي في كتابه "ارسم مستقبلك بنفسك أن قانون الاحتمال يعد أهم المبادئ المفسرة لقضية الحظوظ في تحديد مسارات الخلائق حيث أن هذا القانون يقول أنه "بالنسبة لكل حدث هناك احتمال بأن يقع تحت ظروف محددة، و كلما كان بالإمكان ضبط معدل الاحتمال بدقة، زاد معدل التوقع بسرعة هائلة" و يسوق مثالا على ذلك "لو أنك قذفت إحدى العملات المعدنية لأعلى و لأي عدد من المرات، فسوف تقع العملة بنسبة 50 بالمائة على وجه الصورة لكل مرة و على وجه الكتابة بنسبة 50 بالمائة لكل مرة بصرف النظر عن عدد المرات التي تقوم فيها بعملية القذف. فقد تقوم بقذف العملة نفسها خمسة آلاف مرة و في كل مرة تظل الاحتمالات بنسبة 50 بالمائة، علاوة على هذا فإن بمقدورك التنبؤ بالنتائج مع الوقت بدقة"1
لنبتعد قليلا عن حقل قانون الاحتمال المرتبط بالرياضيات و لنقفز الى حقل الفيزياء الذي استحق فيه
هيزنبرغ جائزة نوبل بطرحه لقانون عدم اليقين ، و الذي يرى فيه أنه "من الممكن علميا تحديد نوع السلوك الذي ستسلكه فئة معينة من الجزئيات على وجه العموم". وعلى الرغم من هذا يرى صاحب جائزة نوبل أنه "لا يمكن التنبؤ بشكل قاطع أي من تلك الجزئيات سوف يسلك هذا المسلك أو ذاك تحديدا، و بناء على هذا هناك دوما درجة من عدم اليقين في الفيزياء".2
يستفيض براين تريسي صاحب أكثر الكتب مبيعا في العالم في التنظير لعلم نفس النجاح بأمثلة محسوسة من حياتنا اليومية مفادها باختصار أن هناك دوما و في كل لحظة من لحظات تاريخ الانسانية نسبة معينة من الناس تعيش حياة بديعة و لهم أطفال أصحاء و يعيشون في سعادة و سيعمرون بين 80 و 90 سنة ، لكن أحدا لا يستطيع الجزم من هم هاته الفائة.
يقعد تريسي بعد ذلك أهم قاعدة في تحقيق النجاح يسميها "مفتاح صياغتك لمستقبلك الخاص" بقوله "أيا كان الشيء الذي تريده، قم بكل شيء ممكن لتزيد من احتمالات حصولك عليه و مهما بلغ أحد العوامل من ضآلة : فقد يمثل فارقا ما بين النجاح و الإخفاق".
من خلال نظرية تريسي في مسألة الحظ يتضح جليا أن عاملان أساسيان يلعبان دورا مهما في تحقيق الأهداف الانسانية :
- العمل الدؤوب.
- استغلال الفرص الذهبية.
إن النظرة نفسها هاته التي ينظر لها رائد علم نفس النجاح هي عينها التي يشير لها الوحي الالهي لتنبيه ذوي الألباب الى تحسين ظروفهم الحياتية دنيويا و أخرويا في اشارة الهية بليغة حيث جاء في الذكر الحكيم " و ما يلقاها الا الذين صيروا و ما يلقاها الا ذو حظ عظيم" 4، و تذهب معظم كتب التفسير الى أن الصبر في الآية يقصد به الجد في العمل الأخروي و ما جزاء ذلك الا الحظ العظيم و معناه الجنة.5
لكن هذا لا يمنع في نظرنا من إسقاط هاته القاعدة الإلهية الذهبية على حياتنا اليومية و ربط ذلك بتحقيق الأهداف الإنسانية الكبرى عبر التخطيط و العمل الدؤبين حتى إن جاءت الفرص وجدتنا على استعداد من أجل استغلالها بأعلى نسب الاستفادة، وكلما واظبت على العمل الدؤوب و صبرت على ذلك، كلما زادت نسبة ما يسميه الآخرون حظا بنسبة كبيرة فإن "نتيجة الاستعانة بعوامل الحظ في حياتك ، يصبح النجاح أمرا متوقعا و يمكن التنبؤ به"6، ذلك أن "ثمة علاقة مباشرة بين عدد ما تحاوله من مهام مختلفة و بين احتمالية نجاحك النهائي"7.
1، انظر براين تريسي ، ارسم مستقبلك بنفسك، ص18.
2، نفس المرجع، ص19.
3، نفسه ص 20.
4، فصلت ،35
5، انظر تفسير الطبري للآية.
6، انظر براين تريسي ، ارسم مستقبلك بنفسك، ص24 .
7، نفسه ، ص 22.

التعليقات