الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

جنكيز خان مؤسس حضارة المغول

جنكيز خان مؤسس حضارة المغول
بقلم : أحمد عبده طرابيك

تعتبر إمبراطورية المغول أول امبراطورية في التاريخ كوحدة جغرافية متصلة من حيث المساحة ، وثاني أضخم إمبراطورية في التاريخ من حيث المساحة بعد الإمبراطورية البريطانية ، وهي نتاج توحيد قبائل المغول والترك في مايسمى حاليا منغوليا ، فقد تمكن تيموجين ، الذي لقب باسم جنكيز خان " أي ملك الملوك " ببراعة سياسية وقبضة عسكرية حديدية من توحيد قبائل منغولية - تركية رحل كانت بالسابق شديدة التنافس فيما بينها فأصبحت تحت إمرته ، وبسرعة تمكن من غزو ممالك الصين الشمالية وضمها إليه ، ثم على الحدود الغربية حيث الدولة الخوارزمية القوية ، وحدثت بعض الاستفزازات فيما بينهما مما حدا بالخان للاتجاه غربا صوب آسيا الوسطى حيث احتل خوارزم ودمرها واحتل بلاد ماوراء النهر وفارس ، بعد ذلك هاجم كييف الروسية والقوقاز وضمهم إلى ملكه .
حسب الأعراف يبقى الحكم للأسرة المالكة والتي هي من سلالته فقط ، فبدأت بتيموجين " جنكيز خان " الذي أعلن حاكما لها عام 1206 فكانت فاتحة للغزوات التي وصلت أقصى مدى لها عام 1405 من حوض الدانوب حتى بحر اليابان ، ومن فيليكي نوفجورود بالقرب من الحدود الروسية الفنلندية حتى كمبوديا ، حيث حكمت شعوب تعدادها التقريبي 100 مليون نسمة ومساحة من الأرض مقدارها 33,000,000 " ثلاث وثلاثون مليون " كيلو متر مربع ، أي 22% من مساحة اليابسة على الكرة الأرضية ، وإلى جانب إنجازاته العسكرية الضخمة ، جعل جنكيز خان الامبراطورية المغولية تتطور في مختلف المجالات ، حيث أصدر مرسوم باعتماد الأبجدية الأويغورية كنظام الكتابة في الامبراطورية المغولية ، كما شجع علي التسامح الديني ، وأنشأ امبراطورية موحدة من قبائل شمال شرق آسيا الرحل .
ولد تيموجين ما بين عامي 1155 ، و 1162 في منطقة ديلوون بولدوغ بالقرب من جبل بوخان خلدون ونهري أونون وكيرولين بالقرب من العاصمة أولان باتور ، وكان أبوه يسوغي غائبا وقت ولادته إذ كان يقاتل التتار وقتل زعيما لهم اسمه تيموجين ، وعندما عاد مظفرا وجد أن زوجته انجبت له ابناً . وحينما فحص الطفل وجد أن بداخل قبضة يده قطعة من الدم ، فتيمن بأن ذلك نتيجة نصره على عدوه فأطلق عليه اسم تيموجين ، وهو الابن الثالث ليسوغي زعيم مغول الخاماق التابعين لقبيلة كياد وحليف وونغ خان زعيم قبيلة الكراييت ، والأكبر من أبناء أمه هويلون .
يتصل نسب تيموجين مباشرة مع جده خابول خان ، وأمباغاي ، وأخيه كوتولا خان " الذين تزعموا الاتحاد المنغولي ، فعندما انتقل دعم سلالة جين الصينية من المغول إلي التتار عام 1161 ، وحطموا خابول خان ، برز والد جنكيز " يسوغي " زعيم أسرة " بورجقين " ، وهي الأسرة الحاكمة لعشيرة " قيات " المغولية ، وابن أخ " أمباغاي " ، و " كوتولا خان " ، ولكن هذا المنصب كان ينازعه عليه أسرة " تاي تشيود " المنافسة ، الذين ينحدرون مباشرة من " أمباغاي " ، فعندما قوي نفوذ التتار بعد سنة 1161 ، حول حكام الأسرة جين دعمهم إلى قبيلة الكراييت " ،
تسمى عشيرة يسوغي باسم بورجيقن ، أما عشيرة هويلون فكان اسمها أولخونوت التي تنتسب إلى قبيلة أونجيرات ، وعشيرة تيموجين كما هو الحال مع باقي القبائل الأخرى هي من الرحل ، ويعتبر هو من أصول كريمة حيث والده وأجداده كانوا زعماء القبيلة ، وتلك المنزلة الاجتماعية الرفيعة سهلت عليه الحصول على مساعدة من قبائل المغول الأخرى عندما كان يطلبها .
كان لدى تيموجين ثلاث أخوة من أمه وهم جوجي قسار ، قاجيون ، تيموجي ، وأخت واحدة هي تيمولين ، أما اخوته من أبيه فهم بختير ، بلكوتي ، وكما هي أوضاع الكثير من قبائل المغول ، فإن بداية حياة تيموجين كانت قاسية ، حيث جهز له والده زوجة وأخذه في سن التاسعة إلى العشيرة التي بها زوجة المستقبل بورته وهي تابعة لقبيلة أونجيرات ، بقي تيموجين هناك في خدمة والد زوجته " داي سيجين " حتى بلوغه 12 عاما وهو سن الزواج ، أما والده فقد مات عند مروره على اعدائه التتار المجاورين لقبيلته في طريق عودته إلى قبيلته ، حيث قدموا له طعاما مسموما فمات من فوره عام 570 هـ / 1175 م . وما أن وصل الخبر تيموجين حتى عاد إلى أهله مطالبا بمنصب والده كونه الوريث الشرعي لرئاسة قبيلته ، وكان عمره آنذاك 9 سنوات وقيل 13 سنة ، ولكن القبيلة رفضت الدخول في طاعته بسبب صغر سنه ، فانفضت القبيلة عن أولين وأبنائها، وتركوهم بدون حماية .
لم يكن في هذا الوقت أيا من الاتحادات القبلية في منغوليا لها كيان سياسي ، وكانت أغلب مصاهراتهم وزيجاتهم هي لترسيخ تحالفات مؤقتة . كبر تيموجين وهو يراقب المناخ السياسي المعقد في منغوليا والذي اشتمل على الحروب القبلية والسرقة والغارات والفساد واستمرار أعمال الانتقام التي تجري بين تلك التحالفات ، ويفاقم الأمر سوءا التدخلات الأجنبية مثل الأسرة الحاكمة الصينية في الجنوب . تعلم تيموجين من والدته أولين العديد من الدروس حول عدم استقرار مناخ منغوليا السياسي ، خاصة ان هناك حاجة ملحة للتحالفات ، واضطر تيموجين إلى الدخول في تبعية حليف والده وانغ طغرل خان زعيم الكرايت للاحتماء به .
أنجب جنكيز خان من زوجته بورته أربعة أبناء هم : جوجي " 1185 1226 " ، " جغتاي " 1187 1241 " ، " أقطاي " 1189 1241 " ، تولوي " 1190 1232 " ، وعلى الرغم من أن تيموجين قد اتبع التقاليد واتخذ له عدة زوجات ، إلا أن بورته ظلت الإمبراطورة الوحيدة ، فقد كان لجنكيز خان عدة أبناء من زوجاته الأخرىات وأسمائهم موثقة - عدا البنات - لكنه استبعدهم من خلافة حكمه .
بدأ صعود تيموجين البطيء نحو السلطة حيث قدم نفسه حليفا لزعيم قبيلة الكراييت طغرل صديق والده العزيز ( وتسمى تلك الصداقة اخوة الدم ) . وقد دعمت تلك العلاقة عندما خطف الميركيتيون بورته زوجة تيموجين ، فطلب تيموجين مساعدته ، فاستجاب له بإعطاء تابعه 200,000 مقاتل من الكرايت ، واقترح بأن يشرك معه صديق طفولته جاموقا ، الذي أصبح بعد ذلك خانا على قبيلته ، وبالرغم من نجاح تلك الحملة التي أدت إلى تحرير بورته وهزيمة المركيت الشديدة ، إلا أنه مهد طريق الانقسام بين أصدقاء الطفولة جاموقا وتيموجين . فقد كان تيموجين قبل ذلك قد تعاهد مع جاموقا عهد الدم ، وأن يظلا أوفياء لبعضهما البعض إلى الأبد .
بعد أن استتب الأمر لجنكيزخان اتجه إلى إصلاح الشئون الداخلية ، فأنشأ مجلساً للحكم يسمّى " قوريلتاي " عام 603 هـ / 1206 م ودعاه للاجتماع ، وفيه تحددت لأول مرة ملامح ملكه ، ونظم إمبراطوريته ، ووضع لشعبه دستوراً محكماً يسمى " قانون الياسا " لتنظيم الحياة ، بعد أن رأى أن الآداب والأعراف والتقاليد المغولية لا تفي بمتطلبات الدولة الجديدة ، ولم تكن مدونة ، فأعاد النظر في بعضها ، وقبل بعضها الآخر ، ورد ما رآه غير ملائم ، وتناول الدستور أموراً متعددة لتنظيم الحياة بالدولة الناشئة ، وألزم أجهزة الدولة بتطبيق بنودها والعمل بموجبها ، وشدد على معاقبة المخطئين .
كان توزيع الخصوم الرئيسيون في اتحاد المغول الكونفدرالي بداية القرن الثالث عشر بشكل جغرافي فريد ، فقد كان النايمان غربا ، والمركيت في الشمال ، والطانجوت جنوبا ، وفي الشرق يوجد التتار وأسرة جين الصينية ، وبحلول عام 1190 تمكن تيموجين من تكوين اتحاد منغولي مصغر من أتباع ومستشارين . وتمكن من خلال حكمه وغزوه للقبائل المتناحرة من كسر تقليد بين المغول والغاءه نهائياً ، ذلك أن توزيع المناصب يكون على أساس الولاء والكفاءة وليس حسب الروابط الأسرية ، وهو حافز للطاعة المطلقة واتباع قانونه المسمى " الياسا " ، وكان تيموجين يعد الأهالي والجنود بالرخاء من غنائم محتملة لحروب مستقبلية . فعندما يهزم القبيلة المناوئة له فإنه لايطرد جنودها ويهين القبيلة ، بل كان يجعل ماتبقى من القبيلة التي غزاها تحت حمايته ويشرك أبنائها في أمور عشيرته . بل حتى أن والدته كانت تجمع أيتام القبائل التي غزاها وتجعلهم من ضمن الأسرة . من وحي تلك الابتكارات السياسية تمكن من أن ينال ولاء عظيما بين القبائل التي غزاها ، وهذا جعل تيموجين يزداد قوة بعد كل نصر يحرزه .
علي الرغم من أنه جمعت بين جاموقا وبين تيموجين صداقة شديدة ، إلا أن طموحهما الشديد نحو السلطة لا يجعل تقاربهما محموداً ، ومع ذلك فقد كانا غير راغبين في صدام أحدهما بالآخر ، ولكن حصل مالم يرغبان بحدوثه وهو حادثة بين تايشار أخ جاموقا الأصغر وجوجي درمالا من قبيلة الجلائر التابعة لجنكيز خان ، فقد سرق تايشار قطيع خيول لجوجي ، وقيام الأخير بقتل السارق واستعادة القطيع ، فاستنفر جاموقا قبيلته وحلفائه ليثأر لأخيه ، فجمع ثلاثين ألف مقاتل ، فانطلقوا عبر جبال ألا أوت وتورقا أوت لمباغتة تيموجين الذي يعسكر امام جبل جوريلجو في وادي سنجور الأعلى حيث اجتمع حوله ثلاثون ألف مقاتل من قومه ، ونشبت معركة في موقع آلان بالغوت قرب منابع نهر أونون ، انتصر فيها جاموقا وانسحب تيموجين نحو منطقة جيرين ، ولم يجرؤ جاموقا على مطاردته ولكنه انتقم من الأسرى بأن وضعهم في سبعين مرجلا من الماء المغلي ، الأمر الذي كان سبباً في ضعف شعبية جاموقا ، فاستفاد تيموجين من ذلك حيث تدفق إليه المتطوعين والمؤيدين له , فانضمت إليه قبيلتا أوروت بزعامة جورشيداي والمانغوت بقيادة قويدار ، إضافة إلى صديق والده مونجليك . فذاعت شهرته بين قبائل المغول والترك ، وبدا أنه أقوى رجل في المنطقة ، ومع هذا فقد كان لا يزال من اتباع طغرل خان ملك الكرايت .

كان سنجوم ابن طغرل " وانج خان " شديد الغيرة من تنامي قوة تيموجين وتقاربه مع والده ، ويزعم أنه خطط لاغتياله ، بالرغم من أن تيموجين قد انقذ حياة والده في عدة مناسبات إلا أنه استسلم لمشورة إبنه ، وبدا غير متعاون مع تيموجين الذي علم بنوايا سنجوم وقد هزمه بعد ذلك . وكان السبب الرئيسي لتصدع العلاقة بين تيموجين وطغرل هو رفض الأخير تزويج ابنته لإبنه الأكبر جوتشي ، وهي دلالة على عدم الاحترام في الثقافة المنغولية . وقد أدى هذا التصرف إلى الانقسام والقطيعة بين الزعيمين ومهدت إلى الحرب ، وتحالف طغرل مع جاموقا الذي يعارض تيموجين ، ولكن ساعدت الخلافات الداخلية بين الحليفين إضافة إلى فرار العديد من الجنود نحو تيموجين من هزيمة طغرل ، وتمكن جاموقا من الهروب خلال النزاع . كانت تلك الهزيمة عامل مساعد لسقوط وانحلال قبيلة الكرايت .
منع تيموجين جنوده من النهب والسلب والاغتصاب دون إذن منه ، وقام بتوزيع الغنائم الحربية على المحاربين وعائلاتهم بدلا من الأرستقراطيين ، وبذلك حصل على لقب " خان " ، بمعنى " السيد " ، إلا أن أعمامه كانوا أيضا ورثة شرعيين للعرش ، وقد أدى هذا الأمر إلى حصول عدد من النزاعات بين قوّاده ومساعديه .
قام جنكيز خان بتعيين أصدقائه المقربين قواداً في جيشه وحرسه الشخصي والمنزلي ، كما قام بتقسيم قواته وفق الترتيب العشري ، إلى وحدات تتألف من فرق ، تحوي كل فرقة منها عدد محدد من الأشخاص ، فكانت وحدة الأربان تتألف من فرق تحوي 10 أشخاص في كل منها ، وحدة الياغون تتألف كل فرقة منها من 100 شخص ، وحدة المنغان من 1000 شخص ، ووحدة التومين من 10,000 شخص ، كما تمّ تأسيس فرقة الحرس الإمبراطوري وتقسيمها إلى قسمين : الحرس النهاريون والحرس الليليون ، وكان جنكيز خان يُكافئ أولئك الذين يظهرون له الإخلاص والولاء ويضعهم في مراكز عليا، وكان معظم هؤلاء يأتون من عشائر صغيرة قليلة الأهمية والمقدار أمام العشائر الأخرى .
سرعان ما وقع جنكيز خان ، بعد بروز إمبراطوريته كقوى عظمى ، في نزاع مع أسرة جين الشوجينية ، وأسرة زيا الغربية التغوتيّة ، حكّام شمال الصين ، فقام بغزو ممالك الصين الشمالية وضمها إليه ، ثم حصلت بعض الاستفزازات فيما بينه وبين الدولة الخوارزمية القوية ، على الحدود الغربية ، لامبراطوريته ، مما حدا بالخان للاتجاه غربا صوب آسيا الوسطي ، حيث احتل خوارزم ، واحتل بلاد ما وراء النهر ، وبعد ذلك هاجم كييف الروسية والقوقاز وضمهم إلى ملكه قبل مماته .
واصل تيموجين خطته في التوسع على حساب جيرانه ، فبسط سيطرته على منطقة شاسعة من إقليم منغوليا ، تمتد حتى صحراء جوبي ، حيث مضارب عدد كبير من قبائل التتار ، ثم دخل في صراع مع حليفه رئيس قبيلة الكراييت ، وكانت العلاقات قد ساءت بينهما بسبب الدسائس والوشايات ، وتوجس " أونك خان " زعيم الكراييت من تنامي قوة تيموجين وازدياد نفوذه ؛ فانقلب حلفاء الأمس إلى أعداء وخصوم ، واحتكما إلى السيف ، وكان الظفر في صالح تيموجين عام 600 هـ / 1203 م ، فاستولى على عاصمته " قره قورم " وجعلها قاعدة لملكه ، وأصبح تيموجين بعد انتصاره أقوى شخصية مغولية ، فنودي به خاقاناً ، وعُرف باسم " جنكيز خان " ؛ أي إمبراطور العالم .

كاتب وباحث في الشئون الآسيوية
ahmedtrabic@hotmail.com

التعليقات