الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

ما فعله سائق التاكسي.. بنا وبسكورسيزي !

الكاتب : أشرف نصر

Taxi Driver
تأليف:بول شريدر
إخراج:مارتن سكورسيزي
بطولة:روبرت دي نيرو-سيبل شيبرد-جودي فوستر
إنتاج:أمريكي 1976

تعاون سكورسيزي-بعد عدة أفلام- مع الكاتب بول شريدر فى سائق التاكسي،هو الفيلم الثاني لشريدر،ويختار سكورسيزي دي نيرو للبطولة، ثم يتعاون الثلاثي بعدها فى فيلم "الثور الهائج"، بعدهما تعاون المخرج والكاتب فى تحويل تحفة كازانتزكس الروائية "الاغواء الاخير للمسيح" المثيرة للجدل لتحفة سينمائية مثيرة للجدل بطبيعة الحال! ويظل لسائق التاكسي مكانته كعلامة انطلاقة فارقة،مع مرور الزمن تحول الفيلم لأيقونة سينمائية،ولنبدأ عملية استعادته "بأثر رجعي" للبحث عما فعله الفيلم بالسينما،بنا وبسكورسيزي.

البداية بلقطات لأضواء الإعلانات وقطرات المطر على الزجاج وكلوزات للتاكسي العابر بنويورك التي تتصاعد في شوارعها الأبخرة،المكان نيويورك والزمن 1976

 نيويورك- المعروفة عالميا- بالمدينة التي لا تنام،نشاهد حياة الليل فيها من خلال سائق"ترافيس" ناقم،غير متكيف اجتماعيا،المدينة فى رأيه تحولت لمستنقع من الفساد والمخدرات والدعارة والتفسخ الاجتماعي،ترافيس يستلم عمله لأنه يعاني الأرق فى الليل،كان قد خرج من الجيش،بعد نهاية المأساة الأمريكية فى فيتنام وانتشرت صرخات الغضب الاجتماعية من الدعارة والمخدرات والهيبز وتمرد للشباب،

فى الفيلم سنجد تمرد الفرد فى مواجهة المجتمع،"ترافيس" يعاني الوحدة والحياة الحقيرة ومن الأصوات فى عقله،يرغب فى الفعل وعاجز عن فعل شيء وهو على أقصى هامش من المجتمع،قصتان فى حياة ترافيس،بيتسي الشابة المقبولة اجتماعيا والتي تعمل فى حملة مرشح سياسي للرئاسة،والطفلة العاهرة ايريس أو "ايزي" –لقب العمل-،ومن قبل ومن بعد مع التفكير الذي يعذبه.

سكورسيزي مخرج يفكر بالكاميرا،يعتصر قصته مخرجا تفاصيل سيناريوهاته كدراما، وحاضر بحركة الكاميرا طوال الوقت فمثلا يقطع لقطاته ب"كلوزات" لتفاصيل يركز عليها ويوجه بها عين المشاهد،تفاصيل مثل عداد التاكسي أو ورقة نقود او كوب الفوار ويكرر كلوزات مرآه السائق،وهو يشاهد الركاب معه من زاويته،

فإذا كانت كلوزات البداية وتقطيعات اللقطات فى البداية تخبرنا عمن نحن مقبلون عليه فى عالم الفيلم، فسنجد مشاهد "ترافيس" فى غرفته تبعث الحيوية من خلال التقطيعات وتغيير زوايا الكاميرا فى اللحظات–الميتة دراميا- مثل حالة الأرق وعند شراء المسدس وتجربته، فهي على الشاشة مشاهد طويلة لكن لا نحس بأي ملل بل يثيرنا الغضب والرغبة فى الفعل مثلما هو حال ترافيس،

فمثلا فى مشهد شديد الدلالة،الكاميرا ثابتة،اللقطة متوسطة،ترافيس يجلس على يمين الكادر،يمسك بالمسدس ويمد ساقه،وعلى يسار الكادر تليفزيونه الصغير على كومود،يهز ترافيس التليفزيون بقدمه،والذي يعرض أحد مشاهد مسلسلات "السوب أوبرا" "التافهة"، ويظهر حوارا عاطفيا "رخيصا" على شاشة التيلفزيون،البطل يهز التليفزيون عدة مرات ثم يزيحه أخيرا فيتحطم،ثم يغير حجم اللقطة ل "كلوز" نرى فيه ترافيس ممسكا برأسه وهو يكرر اللعنة،

أو فى مشهد آخر يأكل ترافيس طعامه الفقير،والسياسي يخطب فى التليفزيون،ترافيس هنا يحتقر السياسي وعالمه فينهيه سكورسيزي بالقطع فجأة على صورة وصوت "شوشرة" التليفزيون،

أو فى نقل سريع كأنه الفعل ورد الفعل اللازم،من لقطة للفتاة ايريس مع القواد حيث يخدعها و"يستخدمها" كأنه يحبها، إلى قطع سريع/حاد لترافيس يطلق النار فى مكان للرماية.  

الغضب كملمح رئيسي للبطل،يقدمه سكورسيزي مصاحبا أغلب الوقت بنغمات موسيقى آلة الساكسفون –الآلة الرئيسية مع البيانو فى موسيقى البلوز والجاز- وهما صرخة الغضب الموسيقية الموازية التي عبر بها الأمريكيين من أصل أفريقي "الزنوج" عن غضبهم.

وإذا كان البطل فشل فى خطته للحل الفرد،أي اغتيال المرشح الرئاسي،فهو يغير وجهته محققا ذلك الحل بقتل اثنين من القوادين وأحد زبائن الدعارة، والذين يستغلون الفتاة "ايريس" التي لم تتجاوز الثالثة عشرة! هو مشهد"ماستر سين" دراميا واخراجيا حيث استخدام المسدس أخيرا،اطلاق النار،الدم، الجثث، حيث العنف المحمل بمبررات درامية عدة،كلها تفاصيل ستحضر فيما بعد فى عالم سكورسيزي!

أما الأجمل إخراجيا حتى من مشهد "الماستر سين" هذا هو حركة الكاميرا فى نهايته،يخرج سكورسيزي "زووم أوت" طويل من الغرفة وبهدوء يخرج بالكاميرا منتقلا للممر فى بيت الدعارة، ثم "زووم إن" طويل على غرفة البطل فى مكان آخر،النقلة البصرية هنا خادمة للدراما كخطوة أولى،ثم تبرز فكرة حضور المخرج وتوجيه عين المشاهد التي تحدثنا عنها كملمح بارز،وأخيرا مفجرة لمفاجأة أن البطل لم يمت بل كوفئ–اجتماعيا ودراميا- بالشفاء وتحول لبطل خلص الفتاة الصغيرة من الدعارة ونال ثناء المجتمع متمثلا فى نشر قصته فى الجرائد،والأهم الخطاب الذي نراه فى غرفة البطل مع صوت "فويس أوفر" لوالدي الفتاة ايريس وهما يمتدحان فعل البطل ويطمئنانه أن ايريس عادت للبيت والمدرسة،حيث ينبغي أن تكون،

شهد الفيلم أيضا علامة تمثيلية لدي نيرو فى عنفوان الشباب،صارت فيه جمله مثل: أتتحدث إلى؟! أو مشاهده أمام المرآة مصوبا المسدس،ومشهده حليق الرأس إلا من جزء صغير فى منتصف الرأس وهو مرتديا الجاكت متربصا بالمرشح الرئاسي لاغتياله،وعلى شفتيه ابتسامه السخرية والرغبة فى الانفجار ليدمر هذا "السيرك"، تحولت تلك المشاهد لأثر خالد فى ذاكرة المشاهد، وسنتحدث فى مقالات أخرى عن الكاتب،أما سكورسيزي، فعاد مرات بعدها لمدينته الأثيرة نيوريوك لتجسيد تنوعيات ذلك الغضب والعنف وأزمات السياسة والبحث عن الحل،من خلال الرجل المصاب بأزمة فى التكيف مع النساء وبدرجة أكبر مع المجتمع وعالم الجريمة والعنف كما نرى مثلا فى الثور الهائج وعصابات نيويورك وغيرهما،

واخيرا تبدو طرافة شخصية سكورسيزي نفسه فى أداء تمثيلي لأدوار صغيرة فى أفلامه وأفلام آخرين فى شخصية يؤديها بنفسه لرجل يطلب وقوف السائق تحت نافذة بيت تخونه فيه زوجته،ونلحظ أداء سكورسيزي الساخر-بمرارة- وكيف زرع فكرة السلاح فى ذهن السائق كحل للأزمة، تلك السخرية "السوداء" خاصة ونحن لم نجد الراكب يفعل أي شيء سوى الحديث الأقرب للهذيان عن الانتقام،ثم يختفي الراكب من الفيلم بينما تظل الطرافة والسخرية فى شخصية المخرج الذي يقدم عددا كبيرا من تلك الأدوار الصغيرة ،معظمها كوميديا،والأداء الصوتي فى أفلام الكارتون، لكن الأهم والأكثر خلودا أنه يدهشنا بأفلامه كمخرج من أهم علامات الفن السابع.
***
أشرف نصر
(نشر بمجلة أبيض وأسود)

التعليقات