الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الفقر المطلق

الكاتب : محمود حمدون

قضايا تتعلق بخط الفقر المطلق ....


من الدراسات المبكرة التي تناولت الفقر " دراسة , رونتري 1901 " والذي عرّف الفقر الأسري بأنه الحالة التي تمر بالأسرة وتعجز بموجبها عن تحقيق الدخل اللازم للوفاء باحتياجاتها الأساسية . واعتقد الباحث وقتها بأن ثمة حدا أدنى من الدخل النقدي لازم للأسرة لكي يمكنها الحصول على المواد الغذائية اللازمة لإبقاء أعضائها على قيد الحياة مضافا إلى ذلك بعض التكاليف المعيشية الضرورية للأسرة مثل دفع إيجار المسكن أو شراء الحد الأدنى من الملابس التي تقي أعضاء الأسرة من حر الصيف أو زمهرير الشتاء . ومن ثم استطاع التوصل لخط للفقر يرتبط كثيرا وحتى اللحظة الراهنة بمقدار الدخل التي تتحصّل عليه الأسرة .

وهذا المنهج السابق ينظر للفقر على أنه قصور بالدخل النقدي أو حرمان للفرد من المقدرة على استهلاك الخدمات و الاحتياجات الأساسية اللازمة لمعيشته وبحسب هذه النظرة فإن الفقر يشيع بالمجتمع عند تعجز بعض من طوائفه عن الحصول على الدخل اللازم للوفاء بحاجات أعضائها .. وبرغم وجاهة هذا المنهج إلاّ أن الواقع يشير إلى أن الدخل ليس العنصر الوحيد الذي يفرض الحرمان على الفرد , فأحيانا نجد أن تدني الوضعية الاجتماعية وافتقار الفرد للمهارات والقدرات الشخصية عنصرا حاسما في شعوره بالحرمان بل أحيانا يمتلك الفرد المقدرة المالية ( الدخل ) ويفتقد للمهارات أو القدرات الأساسية اللازمة بالحياة ما يجعله يئن من وطأة الحرمان والعوز !

وبالتالي نجد أن النظرة قد تغيّرت حثيثا ناحية الفقر فلم تعد تربطه بالعوز المادي للدخل فقط بل يرتبط كما ذكرنا آنفا بالعجز عن امتلاك المهارات والقدرات اللازمة للحياة الاجتماعية للفرد , مثلا البطالة , الاضطرابات الصحية , تدني المستوى التعليمي , العجز عن التأثير في الآخرين .التهميش والاستبعاد الاجتماعي( بسبب الاختلاف الثقافي والطبقي والإثني) ,

لذا فقد بدأت الدراسات الحديثة في الاهتمام بهذا الجانب في رسم وصياغة إستراتيجيات للحد من أو مكافحة الفقر , فالمؤكد أن مكافحة الفقر أو التخفيف من آثاره رهن بزيادة قدرات ومهارات الأفراد من خلال تحسين نوعية التعليم وإتاحة الفرصة أمامهم للوصول للفرص التعليمية , كما أن تحسين الخدمات الصحية ومنح الفرد أو الفقير المقدرة على الوصول لهذه الخدمات يؤدي بطريقة مباشرة إلى تحسين قدرات الفرد على العمل وبالتالي على زيادة الإنتاجية وهذه بدورها تزيد من مقدار الدخل المادي الذي يتحصّل عليه الفرد .

وبغض النظر عن المنهج المتبع فالقضية التي ينبغي التركيز عليها حاليا تتعلق بكيفية قياس أو بتقدير الفقر لذلك ينبغي الوقوف على الحدود الدنيا من الخدمات والسلع الأساسية اللازمة لمعيشة الفرد بالمجتمع على قيد الحياة . كما نُعنى أيضا هنا بالتعرف على فكرة خط الفقر , التمييز بين كلا من الفقر المطلق والنسبي وعلاقة كل منهما بالفرد . من ناحية أخرى نهتم بتمييز الفقر على مستوى المناطق الجغرافية أو بين الجماعات السكانية وبعضها البعض كما نهتم أيضا بالتعرف على الفوارق بين الجماعات أو المناطق الفقيرة وغير الفقيرة للتعرف على المسببات التي تدفع الفقر للتجذر بمنطقة أو بين سكان جماعة ما دون الأُخريات .

من ناحية ثانية نجد أنه من الضرورة بمكان ولكي نضع أو نرسم السياسات والإستراتيجيات الخاصة بمواجهة الفقر أو نحلل ظاهرة أو مشكلة الفقر بكل ما يتصل بها من عوارض أو ظواهر فرعية نتيجة لممارسات الفقراء أنفسهم وتعايشهم مع الفقر بالمجتمع , وبصفة عامة نجد أن هناك مدخلين رئيسيين لقياس الفقر وهما :-

1- المنهج النسبي والذي يُعرّف الفقر في علاقاته بالمتوسطات الخاصة بمستويات المعيشة للفرد وطبقا للتحليل الموضوعي لهذا المدخل النسبي نجد أن شعور الفرد بالحرمان أو السعادة أمر نسبي يختلف من زمن لآخر ومن مكان لآخر فما هو يعتبر حرمان بالنسبة لفرد من أبناء العالم الغني بالغرب قد لا يكون كذلك بالنسبة لفقراء العالم النامي , فمثلا نجد بالعالم الغربي أنه من غير المقبول اجتماعيا أن يوجد فرد بينهم يعيش دون مستوى معيشي واجتماعي واقتصادي محدد , ثم بعد ذلك تتفاوت المستويات الاقتصادية والاجتماعية فارضة نوعا من الفقر النسبي أو مستويات مختلفة من الحرمان وهي ظاهرة لا يعرفها العالم النامي إذ يفتقر سكانه أساسا من الحد الأدنى اللازم لمعيشة الفرد .

2- يقونا هذا للمدخل الثاني والذي يُطلق عليه مدخل الفقر المطلق , والذي يعني أن كل الأفراد على مقياس خط الفقر يجب أن يحصلوا على الحد الأدنى من الخدمات والسلع الرئيسية اللازمة لبقائهم على قيد الحياة , ويشير أنصار هذا المدخل إلى أنه يتغير بتغيّر الظروف والزمن , وقد يتغيّر بتغير الأوضاع الاقتصادية فالفقر المطلق بالبلدان الغنية الصناعية أعلى بكثير من البلدان الفقيرة النامية ! حيث المستويات والتباينات الاقتصادية بين من يملكون ومن لا يملكون كبيرة للغاية والفجوة لا يمكن سدّها بخلاف البلدان النامية التي تضيق فيها الفجوة بين هؤلاء وأولئك بصورة تتماثل فيها المستويات المعيشية بين الكافة بدرجة كبيرة .

بعض التقارير الأوليّة المتعلقة بخط الفقر المطلق :-
• نظرا لأن خط الفقر المطلق يحدد الحد الأدنى لمستوى المعيشة بالمجتمع فيجب أن يكون ثابتا بالنسبة للجميع,كما يجب أن تتاح الخدمات والسلع للكافة بعدالة ( توزيع أفقي ) وعلى الرغم من أن الناس تتباين وتختلف فيما بينها من حيث السمات والقدرات إلاّ أن هذا لا يجوز أن يقللّ من حق الفرد بالوصول للحدود الدنيا للمستويات المعيشية المرتبطة بخط الفقر المطلق .
• ولكن ما هي الظروف الفردية الهامة التي يجب مراعاتها عند قياس الفقر المطلق ؟ نعتقد أنها تتمثل في :-
أ‌- الاختلاف في العُمر والجنس وبالتالي احتياج الأفراد من المواد الغذائية وغير الغذائية تختلف بدورها فيما بينهم .
ب‌- اختلاف الظروف الطبقية والاجتماعية بين الأفراد بالمجتمع الواحد .
• لذلك من الأهمية بمكان أن يُعدّل خط الفقر المطلق بحيث يراعي هذه الاختلافات بين البشر كما يجب أن يُعدّل أيضا بحسب التباين بين المناطق الجغرافية أو المجتمعات الإنسانية وبعضها البعض .
• إن تغير مقياس أو خط الفقر المطلق يرتبط بالتغيّر بالمستويات السعرية للسلع والخدمات أو تحديدا يتأثر بالظروف الاقتصادية السائدة بالمجتمع ( يجب تعديله كل فترة بتغيّر تكاليف الحياة اللازمة لإعاشة الفرد بالمجتمع )

متطلبات تتعلق بالتغذية :-
• من الأهمية بمكان أن ننشئ خط للفقر المطلق يرتبط بالغذاء أو تحديدا بمقدرة الفقير على الوصول للمواد الغذائية اللازمة لمعيشته وحياته .فإذا تمكّن الفرد من الوصول للمواد الغذائية اللازمة لبقائه على قيد الحياة فإنه يكون وقتها ابعد ما يكون عن الفقر الذي نقصده هنا , ولعل هذا المقياس ما يُطلق عليه حاليا " نوعية الحياة "

• ولا ريب أن التحديد القطعي لمتطلبات التغذية للفرد أو للأسرة تعتبر مهمة صعبة , ومع ذلك ولكي يبقى الفرد على قيد الحياة وقادر جسديا على ممارسة الأنشطة اللازمة لاكتساب الدخل فعليه أن يحصل على قدر محدد من المواد الغذائية , ( أنظر في ذلك تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة في معرض دراستها عن قضية تحديد المستلزمات الأولية لتغذية الفرد .

وتبيّن هذه التقارير أن هذه المتطلبات تتباين بدورها من مجتمع لآخر ومن زمن لآخر بذات المجتمع كما تختلف بشدة بحسب النوع والعُمر .)
• ولكن هل يمكن للمعايير التي وضعتها منظمة الفاو , أن تمثل سلة من الغذاء تكفي للوفاء بخط الفقر المطلق للفرد على المستوى العالمي ؟ نعتقد أن الإجابة على هذا السؤال ترتبط بالنظر للفقر المطلق على أنه مرادف لحالة الجوع ونُدرة الغذاء المتاح للفرد بالمجتمع وبالتالي يمكن رسم خط للفقر المطلق في ضوء كميات المواد الغذائية اللازمة لحياة الفرد .

• طبقا لمعيار السعرات الحرارية اللازمة لسد احتياجات الفرد من الغذاء نجد أن البنك الدولي قدّر أن 34% من سكان العالم العام 1980 , عجزوا عن الحصول أو الوصول للقدر الكافي من الطاقة اللازمة لحاجة أجسادهم من المواد الغذائية التي يحصلون عليها . كما جاءت تقارير الفاو , مؤكدة لمؤشرات البنك الدولي حيث رأت أن 23% من سكان العالم في الفترة 1979 – 1980 , عانوا بصورة مباشرة من أمراض سوء التغذية , ويعتقد البعض من المتخصصين والمهتمين بهذه القضية أن هذه الأرقام والمؤشرات دون التقديرات الحقيقية ويرجع ذلك لصعوبة الحساب الدقيق لمن يعانون فعليا من سوء التغذية على مستوى العالم .

• ولكن ثمة مشكلة عويصة تتعلق بكيفية قياس أو تحديد مستويات أو مؤشرات سوء التغذية كما وأنه إذا كان سوء التغذية يعُّد مؤشرا على وجود الفقر إلاّ أن الفقر ذاته يتضمن مؤشرات عديدة تؤثر عليه بصورة يغيب فيها بدقة حجم وطبيعة تأثير سوء التغذية . لذا يرتد البعض لفكرة ربط سوء التغذية بحجم الدخل المتاح للفرد للحصول على القدر الضروري لحاجة الفرد من المواد الغذائية اللازمة لعيشه .

• وبالتالي وفي ظل هذه التطورات يمكن تصور إمكانية بناء مقياس كبير وحقيقي للفقر يستند إلى سلة من المواد الغذائية مع ضرورة مراعاة أن حاجة الفرد من الغذاء رهن بعوامل مثل السن , الجنس ومستوى الأنشطة التي يبذلها يومي بالمجتمع .

• ونظرا لتباين المعايير الخاصة بالتغذية بين البلدان المختلفة وبعضها البعض نظرا لاختلاف العرق أو الإثنية أو الظروف المناخية فمن الأهمية بمكان أن تأتي هذه المعايير مناسبة بقدر الإمكان للوجود الإنساني بوجه عام .
• وبصفة عامة نجد أن المواد الغذائية أو المُغذّية تنقسم إلى مجموعات ستة وهي :-
1- السعرات الحرارية
2- البروتينات .
3- الكربوهيدرات .
4- الدهون .
5- الفيتامينات .
6- المعادن .


وبالطبع يحصل الفرد على الوجبة المثالية من الطعام الجيد إذا تكوّنت من العناصر الواردة بالمجموعات المشار لها بعاليه وبالتالي نجد ضرورة ملحة أن تتضمن مؤشرات أو خطوط الفقر المستندة للمواد الغذائية على تركيبة من هذه العناصر المشتقة من المجوعات الستة .

التعليقات