الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

موسيقى عصر الباروك


إذا كانت الفنون التشكيلية في عصر الباروك قد تميزت بغلبة العناصر الزخرفية وتحلل الوحدة العضوية إلي وحدة شعورية وإلي الاعتماد علي النور والظل كعناصر للتكوين، "وتوقف الفنانون عن الإضافة، واتجهوا إلي المضاعفة"( ). فإن هذا ناتج عن توق إنسان الباروك للقلق والتوتر، وشغفه بجو الماسي. كذلك؛ كان فن العمارة في هذا العصر مولعاً بالتكرار كوسيلة لتأكيد معانيه، فقد انتقلت هذه الفكرة إلي الموسيقي، وقام بالتعبير عنها الكونشرتو الذي "استحوذ علي النشاط الموسيقي للقرن السابع عشر برمته"( ).
يحدد الدكتور (زين نصار) الفترة الزمنية التي امتد عصر الباروك علي ضفتيها بأنها كانت ما بين عامي 1600م و 1750م( )، ويذهب (ثروت عكاشة) إلي تحديد عصر الباروك بأنه نشأ قرب نهاية القرن السادس عشر وانتهي مع بداية العقد الثالث من القرن الثامن عشر (1580 ـ 1720)( ).
والباروك ما هو إلا تطور فني ازدهر علي ما يزيد عن القرن والنصف قرن، وأصل الكلمة مشتق من لفظة (باروكو) البرتغالية والتي تعني اللؤلؤة الخام( ). لقد "انبثقت كلمة الباروك لتُطلق في بادئ الأمر علي أسلوب معماري خاص ثم ما لبثت أن أطلقت علي سائر الفنون التشكيلية والتعبيرية منذ نهاية القرن السادس عشر حتى منتصف القرن الثامن عشر بما في ذلك الموسيقى"( ). ويرى (زين نصار) أن "الباروك اصطلاح استعير من فن العمارة للدلالة علي الموسيقي الأوروبية التي ألفت فيما بين عامي (1600 و 1750)"( ).
ولم يكن يُطلق علي الموسيقي في نهاية القرن السادس عشر اسم: الباروك، بل إن هذه التسمية "الباروك" أطلقها النقاد الموسيقيين في القرن التاسع عشر بقصد تمييز موسيقي هذا العصر التي كانت تفرط في الزخرفة والتنميق( ). أن الموسيقي الباروك يمكن أن نتلمس آثارها الشحيحة في وقت كان فن الرينسانس في مجده، خاصة في إيطاليا من حوالي سنة 1550م، ثم أصبح لهذه الآثار الشحيحة الغلبة الفنية في الحقل الموسيقي بحلول عام 1600 م( ). وقد ظهرت أثار موسيقي الباروك بشكل مبكر في إيطاليا عبر صورتين؛ هما:( )
1. الصورة الأولي: أسلوب البندقية متعدد الكورس بأنغامه ذات التلوين المتميز الذي يتغير علي حين غرة إلي لون أخر.
2. الصورة الثانية: الهارمونية الكروماتيكية التي ميزت المادريجال الإيطالية المتأخرة.
لقد خضع الموسيقيين في عصر الباروك ـ خضوعاً كاملاً ـ لإغراء موسيقي الآلات الجديدة، "فقد قام (فريشيسكو انيريو) بإعداد مصاحبات من الآلات لقداسات (بالسترينا)، كما حدث شيء مماثل لموتيتات (لاسوس) المجيدة"( )، كما أصبح ينظر في هذا العصر إلي الكتابة الكونترابنطية علي أنها مجرد مسألة حرفية( ).
لقد اكتشف الباروك منذ بداياته الأولي الإمكانيات الضخمة المتمثلة في الأصوات المليئة بالحيوية التي تصدر عن الآلات الموسيقية ، فتحولت الريشيركاري والتوكاتو علي يد أمثال (جوفاني جابرييلي) إلي قوالب كونترابنطية ذات نظام منطقي للآلات، وكذلك ظهرت (الفوجة)( )، وموسيقي الآلات في هذا العصر كانت تجمع بين أسلوب المونودي ذي اللحن الواحد، وأسلوب الكونترابينط ذي الألحان المتعددة( ).
ورغم ظهور فن الأوبرا في عصر الباروك، بل والجنون بهذا الفن الفتي خاصة لدي فينيسيا وسكانها إذ قد علي مسارحها فقط حوالي 350 أوبرا في القرن السابع عشر( )، هذا بالإضافة إلي عدد مماثل تقريباً من الأوبرات التي ألفها فينيسيين علي مسارح في مختلف دول أوروبا خلال القرن السابع عشر( ). إلا أن موسيقي الآلات كانت تفسح لنفسها مكاناً بين الأوبرا والأوراتوريو وغيرها من الأشكال التي كانت تعتمد علي الأصوات البشرية، حتى حققت في بداية القرن السابع عشر فطامها عن أمها موسيقي الغناء( )، وأصبح لها أسلوب خاص يتميز عن أسلوب موسيقي الغناء( )، فقد شهد القرن السابع عشر تقدماً غير عادي في موسيقي الآلات من ناحيتي التأليف والعزف( ). " ولكن أهم تحول في التفكير الموسيقي لهذا العصر هو استنباط العناصر الأساسية للصيغ الموسيقية الملائمة للعزف، إما بواسطة تجميع عدد من القطع القصيرة في وحدة كبيرة ، كما هو الحال في السويت والسوناتا، أو بواسطة (التنويع) علي لحن أساسي بشتى طرق التنويع اللحنية والإيقاعية والهارمونية والبوليفونية "( ). لقد كان العنصر الجذري في تفكير عصر الباروك في الصيغ الموسيقية هو الفهم الجديد للسلالم الكبيرة والصغيرة، وكذلك في فهم الموسيقيين لقيمة التحول الهارموني كعنصر من عناصر البناء الموسيقي، " إن تناول مؤلفي عصر الباروك للانتقالات من سلم لآخر لهو المقدمة الحقيقية لتفكير العصر الحديث في البناء الموسيقي البحت المتكامل الذي بلغ ذروته فيما بعد"( ). وبدأ المؤلفون في تخصيص الألحان التي تناسب الآلات الموسيقية المختلفة من وترية وآلات نفخ وأرغن وهابسيكورد( ).
حقاً كانت الموسيقي تتجه إلي التصوير أو الطابع التصويري في الموسيقي، إلا أن اتجاهاً أخر كان يزيد من إبراز الكلمات مستخدماً الصوت البشري في فقرات هارمونية أو ميلودية، وعلت أصوات الكورس مزدوجةً. ففي إطار التيار الكبير للباروك، "يمكننا أن نلمح ازدياداً في شيوع الألحان الشعبية، واتجاهاً رومانتيكياً قد انحدر من رومانتيكية القرون الوسطي... وفي إيطاليا عادت رومانسيات الفروسية إلي الظهور في بداية الباروك، كما ازدهرت أشعار الملاحم التي اتصفت بطولها وإثارتها للملل. وأصبحت روح الأدب خاوية متحذلقة، وتراجعت الإلهامات الخلاقة الجريئة أمام البلاغة المعقدة المصطنعة"( ).
لقد احتفظت الكنيسة بسلطانها وهيمنتها علي المجتمع خلال عصر الباروك رغم جيشان حركة الإصلاح الديني "البروتستانت" ورغم انبثاق النزعة الإنسانية. "فالباروك لا يستطيع النهوض بغير اعتماد علي أساس ديني"( )، فلم يكن الباروك ـ فقط في جانبٍ كبيرٍ منه ـ موسيقي جماعية توضع خصيصاً لأغراض كنسيّة، حيث قام كل من: (كوريللي) و(تارتيني) و(فيفالدي) باداء الكثير من أعمالهم الموسيقية للكنائس( )، فيكاد الطراز الباروكي أن يكون ـ من الناحية التاريخية ـ متوافقاً مع نشأة الحركة الكاثوليكية المعارضة للبروتستانتية ونظامها، كما تقرر في مجمع "ترنتينو"( ). " والثابت أن فرنسا قد تفوقت علي إيطاليا فيما يتعلق بالموسيقي الكنسية الكاثوليكية إذ انبرى بلاطها الملكي يشجع الموسيقيين علي تأليف أعمال دينية مبهرة علي نحو ما عهدت إلي مارك أنطوان شاربنتييه بتأليف (تسبحة الشكر) الرائعة Te Deum ، علي حين لم يعبأ مؤلفو الموسيقي الكنسية بألمانيا اللوثرية بالأبهة والفخامة في موسيقاهم بقدر عنايتهم بالتعبير الذاتي واهتمامهم بـ(الشكل) دقّة ورقّة وتنميقاً"( ). وسنلاحظ أن البروتستانت؛ الدجماطيقين منهم؛ يرفضون الفن والموسيقي الباروكية، لأنهم يربطون بين الباروك وبين الكاثوليكية( ).
وكذلك فإن للطبقات الاجتماعية تأثيرها وحضورها علي المؤلفات الموسيقية في عصر الباروك؛ فالطبقات الاجتماعية كانت تعيش خلال عصر الباروك بمعزل عن بعضها البعض، وكان لكل طبقة من هذه الطبقات الاجتماعية وسائلها الخاصة في الحياة، ولم يكن هناك نوع واحد من المؤلفات الموسيقية يناسب كل الطبقات، فما يقدم في قصور النبلاء من موسيقي جادة؛ وصيغ موسيقية؛ لا يتناسب مع الطبقات المتوسطة أو طبقات الفلاحين، كذلك ما كان يحظى باهتمام الطبقات الوسطي من مؤلفات موسيقية لا يلقى نفس الإقبال في نفوس النبلاء( )، ولهذا كان مؤلفي الموسيقي في عصر الباروك يلتزمون بتقديم صيغ موسيقية محددة ذات أسس ثابتة تقريباً.
ولم يكن الباروك واحداً في معظم الدول الأوربية؛ خاصة في الموسيقي؛ فموسيقي الباروك الفرنسية كان لها طابعٌ خاص يختلف عن طابع الموسيقي الإيطالية والألمانية( )، كما أن موسيقي الباروك في انجلترا لم يأت لها ذكر خلال القرن السابع عشر، ولم يصبح لها أي أهمية إلا في القرن الثامن عشر( ).

أهم مميزات/خصائص أسلوب الباروك الموسيقي:
1. الحليات والزخارف: وكان لها الصدارة علي امتداد عصر الباروك. "والاسم الفني الجامع الدال علي الزخارف المرتجلة هو: diminution، ويعني (تحليل نغمة طويلة وتفتيتها إلي عدة أنغام أقصر وأسرع. وأعتبر الموسيقيون في عصر الباروك، سواء أكانوا من المغنين أو العازفين، القدرة علي ابتداع الحليات المرتجلة، الأساس الوحيد للبراعة الفنية"( )، حيث كانت النزعة الباروكية ترمي إلي التألق في العرض ووفرة الزخارف( ).
2. الباص المتصل Basso Continuo: أو الباص المتابع Basso Sequente، "ويطلق هذا الاصطلاح علي الركيزة أو الدعامة الهارمونية التي تحمل النسيج الموسيقي في عصر الباروك، وهي عبارة عن خط لحني منخفض في الباص، تدون معه أرقام خاصة بطريقة الاختزال التي اتبعها المؤلفون في عصر الباروك"( ).
3. صدارة الهاربسيكورد: فقد احتلت آلة الهاربسيكورد مكانةً أساسيةً في المؤلفات الموسيقية التي أبدعت في عصر الباروك، وكان عازفها هو قائد الأوركسترا( ).
4. التناول الجديد للهارمونية: حيث تزايد الاهتمام بالتأثيرات اللونية الموسيقية وبالانتقالات الأخاذة من مقام إلي آخر، كما زادت عناية مؤلفي المادريجال الإيطالي بما يسمى بـ"الهارمونية الكروماتية"، وابتعدوا عن صرامة المقام/السلم الدياتوني الخاص بالمقامات الكنسيّة الذي كان الركيزة الأساسية للموسيقي طيلة أكثر من ألف سنة( ).
5. اللاشخصية: يتناول فيلبالد جورليت Wilbaid Gurlitt هذه السمة؛ في مقالٍ له بعنوان "التغيرات التي طرأت علي المثل الصوتي للأرغن"؛ بأنها ظهرت عندما كان العازف الموسيقي في عصر الباروك المبكر يحرص علي استبعاد أي تعبير تظهر فيه العاطفة الشخصية عند قيامه بعزف أي آلة موسيقية، وكان العازف يتجنب التعبير الحار المفعم بالعاطفة، ويبتعد عن ما يسمي بـ"affeto"، وكان يسعى لأن يكون عزفه لا شخصياً، ومن ثم ظهرت نزعة لتقديم أصوات الحيوانات والطيور، وبدت هذه الأصوات اللاشخصية عند الموسيقيين الألمان سنة 1650 ذات قيمة رمزية( ).
6. الاكتمال.
7. مولد فن الأوبرا( ).
8. استقلال الموسيقي عن الغناء والرقص( ).
9. رسوخ البناء: وهذه السمة تتحقق من وجود:
أ‌. "قوالب ميلودية ثابتة محددة، ونماذج محددة لدور الموسيقي المصاحبة، خاصة الصلة المتبادلة بين الأصوات المختلفة، وقد ترتبت عن إتباع الطريقة السائدة المسماة بالـBasso Continuo أو الباص المستمر"( ).
ب‌. أنماط محددة ذات حدود واضحة سواء في الأداء الغنائي أو الأداء الموسيقي( )، وهي ناتجة عن سيطرة النسيج البوليفوني ذي الأسطر اللحنية المتعددة علي أغلب المؤلفات الموسيقية في هذا العصر( ).
ت‌. قواعد ثابتة تتحكم في التعبير الخاص بأي عمل فني( ).
ث‌. ثبات الأشكال والصيغ الموسيقية( ).
10. ظهور مؤلفات موسيقي الآلات لأول مرة؛ وهي: المتتالية، الكونشيرتو جروسو، الكونشيرتو المنفرد، السوناتا، الفوجة( ).
11. استخدام مجموعة كبيرة من الآلات الموسيقية( ): كما يتضح من مؤلفات الكونشيرتو جروسو حيث تُستخدم مجموعة كبيرة من الآلات الموسيقية في مواجهة مجموعة صغيرة.

التعليقات