الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الصيغ الموسيقية في عصر الباروك

تعددت الصيغ والألوان الموسيقية في عصر الباروك، وخاصة لوجود هذا الانفصال؛ الذي ميّز عصر الباروك؛ بين الموسيقي والغناء، فأصبح لموسيقي الآلات صيغها الخاصة، كما أن الصيغ الغنائية تجددت بميلاد فن الأوبرا خلال عصر الباروك، كما ميّز عصر الباروك بين شكلين واضحين من الأشكال الغنائية، هما: الأوبرا والأوراتوريو.
فقد "كان ابتكار نموذج الأوبرا عام 1600 إرهاصة مؤذنة بموسيقي الباروك فإذا المسرح يوفر تربة خصبة للموسيقي خلال تلك الحقبة، وإذا أهل الشمال الأوروبي يقصدون إيطاليا مهد النموذج الأوبرالي للدراسة والاشتغال بمهنة الأوبرا، ولا يغيب عنا أن هيندل قد بدأ يزاول تأليفه الأوبرالي في إيطاليا. علي أن فن الأوبرا لم يزدهر في فرنسا بوصفه متعة لهو وترويح فحسب وإنما باعتباره دليلاً علي مدي ما يتمتع به العرش الفرنسي من هيبة وجلال"( ). فقد حاول أعضاء "الكاميراتا" بزعامة الكونت (باري) عام 1600م إخراج مسرحية تتخللها الموسيقي علي غرار ما تصوروه عن التراجيديا الإغريقية، فإذا بهم يصلون من خلال محاولتهم تلك إلي نموذج فني جديد أسموه "الأوبرا"، وهو القالب الذي قدموا فيه أسطورة "يوريديكي" التي كتب موسيقاها جاكوموبيري وتضمنت البذور الأولي لكافة عناصر الأوبرا( ) التي تطورت خلال السنوات التالية، وكانت إيطاليا وخاصة فينيسيا معقل الأوبرا في هذا القرن. فقد كانت أوبرا الباروك هي الشكل الفني الذي ألتقي فيه كل مبتكرات هذا العصر، "فلا نظير علي الإطلاق للفخامة والمبتكرات الآلية التي أغدق عليها عند إخراج أوبرات القرن السابع عشر"( )، ففن الأوبرا الوليد من الفنون المركبة التي تتعاون فيها مجموعة من الفنون، في فن الأوبرا تتحد الدراما مع الموسيقي الغنائية والأوركسترالية مع التمثيل مع الإخراج مع الديكور والأزياء والإضاءة( ).
ولم تبقَ موسيقي الآلات علي صيغة جامدة، لكنها تطورت وتعدد صيغها خلال عصر الباروك، وقد اتخذت موسيقي الآلات لنفسها أربع صيغ رئيسية؛ يمكن تتبعها؛ منذ بواكير عصر الباروك؛ وهذه الصيغ/النماذج هي:( )
1. نماذج مشتقة من النماذج الغنائية، فقد قام جوفاني جابرييللي بنقل حرفية الكتابة للكورس المتعدد( ).
2. نماذج مأخوذة عن موسيقي الرقص.
3. نماذج مبتكرة تراعي الأصول الفنية للعزف علي الآلات الموسيقية، مع العناية بالزخارف.
4. نماذج أسلوب الكونشرتو، وقد خطت هذه النماذج بداياتها علي يد مؤلفي الموسيقي في بدايات عصر الباروك.
وتعد نماذج الكونشرتو من أهم ميادين الموسيقي خلال عصر الباروك، حيث الموسيقي التي تعتمد علي المواجهة والمبارزة؛ ومبدأ الأسلوب لا يقوم علي التعاون، بل يقوم علي التعارض والمنافسة والمباراة بين فريقين موسيقيين( ). فقد "كانت القاعدة في الكونشرتو الاعتماد علي التعارض بين فريقين متباينين من الآلات والأصوات. والاختلاف قد يكون في حجم المجموعتين أو في ألوانهما الصوتية"( ).
وبهذا يكون لدينا نوعين من الكونشرتو، ينطلقان من القاعدة ذاتها ؛ قاعدة التعارض والتنافس الصوتي؛ وهما:
1. الكونشرتو جروسو Concerto Grosso: هو أحد صيغ مؤلفات موسيقي الآلات الهامة في عصر الباروك؛ ويعتمد علي التباري الموسيقي بين مجموعة كبيرة من الآلات تسمي Tutti( ) أو Ripieno( )، وبين مجموعة صغيرة تسمي كونشرتينو Concertino( ). والكونشرتو جروسو "يبلور أهم المبادئ الجمالية المميزة لروح عصر الباروك مثل التجاوب والتقابل بين كتل صوتية متباينة لكل منها رنين خاص، ثم تقليد رجع (الصدى) الذي كان من المؤثرات الصوتية المحببة في هذا العصر...... كما أن به مجالاً متسعاً لعنصر التنميق والزخرفة اللحنية وذلك في الأجزاء الانفرادية التي ينفرد فيها عازفو الكونشرتينو. وأهم من هذا كله توفيقه بين البوليفونية والهارمونية الذي يتجلى في هذا النوع من المؤلفات، فالكونشرتو جروسو يكتب بأسلوب بوليفوني معتدل الكثافة، تسانده هارمونيات (الباص المتصل) التي يعزفها الهاربسيكورد بل الأرغن أحياناً"( ).
وقد بلغت هذه الصيغة أعلي مراتبها من النضج في كونشرتات هيندل؛ ومنها كونشرتو جروسو رقم 5 في سلم ري الكبير مصنف 6( )، وكونشرتات (براندنبورج) لـ(باخ). ومن أشهر الأعمال في صيغة الكونشرتو جرسو بأعمال فيفالدي كونشرتو "الفصول الأربعة"، والذي يصور فيه فيفالدي بالموسيقي فصول السنة تصويراً لطيفاً مُعبراً، و"لم يقصد فيفالدي من وراء تسمية هذه الكونشرتات (بالفصول الأربعة) تقديم موسيقي تصويرية تحاكي الطبيعة بالتصوير الموسيقي الواقعي، وإنما كان يرمي إلي تقديم انطباعات موسيقية عن الجو الذي ينفرد به كل فصل من الفصول الأربعة... والواقع أن قيمة هذه الكونشيرتات الحقيقة إنما تنبع من قوامها الموسيقي ومن أفكارها الموسيقية ومن بنائها المحكم"( ).
وقد أدت هذه الصيغة وظيفة هامة في الموسيقي الغنائية في عصر الباروك، إذ استخدمه كل من باخ وهيندل في بعض الأغاني في الأوراتوريو والكانتاتا، مثل: أوراتورا "المسيح" لـ(هيندل)، وكانتاتا "القهوة" الشهيرة لـ(باخ)( ).
2. كونشرتو الآلة المنفردة Solo Concerto: ويبدو أن هذه الصيغة كانت تطوراً عن صيغة الكونشرتو جروسو، فقد كانت هناك نزعة تساير التطور في العزف الانفرادي للفيولينا، فظهر نوع من مؤلفات الكونشرتو يقوم بالعزف والتجاوب مع الاوركسترا عازف منفرد بدلاً من مجوعة الآلات، وظل مبدأ التقابل( ) والتنافس موجوداً. "ثم امتد المبدأ نفسه إلي آلات أخرى غير الفيولينا فكتبت مؤلفات قيمة منها ما كتبه باخ من كونشرتات ممتازة للفيولينا والاوركسترا الوتري مثل الكونشرتو في مقام لا الصغير........ وكذلك كونشرتات هيندل البراقة الجميلة للأرغن والاوركسترا"( ). "ويحرص المؤلف الموسيقي في هذا النوع من المؤلفات علي إظهار البراعة غير العادية للعازف المنفرد، سواء من الجانب التكتيكي الذي يتضح عند أداء الفقرات الصعبة، أو الجانب التعبيري الذي يظهر مدي حساسية العازف أثناء الأداء. بينما يوضح المؤلف علي الجانب الأخر قدراته الذاتية في السيطرة علي الكتابة للاوركسترا وفهمه العميق لاستخدامها بأفضل صورة"( ).

وكانت روح عصر الباروك تسمح بتناول موسيقي الآلات بكثيرٍ من التساهل والتوسع، فكثيراً ما كان عدد الآلات في السوناتات يزيد إلي خمس أو ست آلات، وبذلك تقترب هذه الموسيقي من المجموعة الأوركسترالية، وقد تنقص الآلات إلي فيولينا واحدة فقط مع الهاربسيكورد، فتزداد إقتراباً من طابع موسيقي الحجرة، فالسوناتا في عصر الباروك صيغة شديدة المرونة( ).
يتسم مفهوم موسيقي الحجرة ببعض الغموض الناتج عن عدم الدقة في تحديد الممارسة الأوركسترالية، فموسيقي الحجرة لم تنفصل عن الاوركسترا إلا في القرن الثامن عشر، فمصطلح "Da Camera" الذي يترجم إلي Chamber أو الحجرة لم تكن له نفس الدلالة التي تنسب له الآن، فقد كان هذا المصطلح في الباروك الباكر يعني نوعاً من الموسيقي لا يستعمل في الأوبرا ولا يؤدي في الكنيسة( ). فموسيقي الحجرة سارت في اتجاه معاكس لما سارت عليه الكتابة الموسيقية للنماذج الأخرى في هذا العصر، فقد قامت بتخفيض كل من عدد الأسطر اللحنية والعازفين، ومن ثم ابتدعت السوناتا الثلاثية "تريوسوناتا" التي أصبحت جوهر موسيقي الحجرة في العصر الباروكي( ). فقد كانت أغلب سوناتات عصر الباروك تكتب لآلتي فيولينا يصحبهما باص مستمر من الهاربسيكورد( )، ومن هنا جاءت التسمية "تريوسوناتا".
وعرف عصر الباروك السوناتا؛ وهي قالب موسيقي بحت نتج عن بحث طويل ويميل إلي تخليص الموسيقي مما عداها( )؛ وكان لها نوعين خلاله؛ وهما:( )
1. سوناتا الكنيسة Sonata Da Chiesa: كانت تعزف ـ أحياناً ـ في الكنيسة كملحق للموسيقي الدينية الرسمية، غير أن أهم ما يميزها هو طابعها الجدّي الوقور الذي يغلب عليها من أول حركة حيث تستهل بحركة بطيئة تتبع بحركة كنترابنطية مكتوبة بأسلوب الفوجة، ثم حركتين إحداهما بطيئة والأخرى سريعة. وتتميز بأنها تكتب بالطريقة البوليفونية الصارمة، وتأتي كمقدمة من الآلات لعمل غنائي( ).
2. سوناتا المنزل Sonata Da Camera: لم تكن في البداية سوى متتالية من ثلاث أو أربع ألحان راقصة لتعرف من عدد قليل من الآلات الوترية القوسية، وكان يطلق عليها اسم "سوناتا" علي الرغم من أنها ما تزال تبرز بقوة صورة المتتالية، وكان الانتقال من مقطوعة إلي أخرى يتم عن طريق تحويرات مقامية لا يكاد يشعر بها أحد( ).
انتظمت السوناتا في صيغتها المعروفة بفضل المؤلف الإيطالي كوريللي الذي قام باقتصار عدد حركاتها إلي ثلاث حركات هي: سريع، متمهل، سريع جداً( ). أما سوناتات هيندل للآلات المنفردة؛ فكانت مستوحاة من نموذج المتتالية ومن أعمال كورللي، بينما كان باخ متأثراً بصيغة الكونشرتو عند تورللي وفيفالدي( ).

ومن أشهر المؤلفات الموسيقية في عصر الباروك كانت المتتالية Suite؛ وكانت تسمي في الفرنسية القديمة Ordre، وفي الألمانية Partie أو Partita، وفي الإيطالية Sonata Da Camera( )؛ و"هي مُؤَلَّف موسيقي يتكون من عدد من المقطوعات التي تعزف الواحدة تلو الأخرى. وقد يصل عدد تلك المقطوعات إلي العشرين مقطوعة. وتبني ألحان تلك المقطوعات علي موسيقي الرقصات التي عرفت في ذلك الوقت، علي أن تكون مختلفة عن بعضها في أربعة نقاط "( ).
وهذه النقاط الأربع هي:( )
1. السرعة.
2. الميزان الموسيقي.
3. الطابع العام.
4. البلد الذي جاءت منه الرقصة.
وتحتوي مؤلفات المتتالية بشكل أساسي علي أربع رقصات؛ هي: الليماد، الكورانت، الساراباند، الجيج( ). وهناك رقصات تضاف بحسب اختيار المؤلف الموسيقي، منها: البوريه، الجافوت، المنيويت، البولونيز( ). وكانت بعض المتتاليات المموسيقية في عصر الباروك تبدأ بأفتتاحية تتكون من ثلاثة أجزاء: بطئ، سريع، بطئ( ).

تعتبر صيغة الفوجة Fugue من أنضج الصيغ البوليفونية منذ القرن السادس عشر؛ وقد سبقتها صيغ عديدة مهدت لصيغة الفوجة طريقها، منها: الموتيت، والكانزوية، والريشركاي. "وهي جميعاً تمثل محاولات لاستغلال عنصر المحاكاة اللحنية (imitation)، فيؤدي فيها أحد الأصوات لحناً معيناً ثم يردده بعده صوت أخر، وقد يردده صوت ثالث أو رابع حسب عدد الأصوات المشتركة في النسيج البوليفوني، ولكن هذه الصيغ القديمة التي تستغل طريقة المحاكاة لم تبلغ ما بلغته الفوجة، وخاصة في عصر الباروك، من تماسك بنائي فريد في تركيزه واقتصاده وحبكته. فالفوجة هي ذروة التأليف البوليفوني كله، وفوجات باخ ـ وأشهرها الثماني والأربعون فوجة من كتاب (الكلافير المعدل) ـ هي أعلي نماذج هذه الصيغة، وأكثرها مرونة ونضجاً وموسيقية من كل العصور علي الإطلاق"( ). والفوجة كمُؤلَّف بوليفوني يتميز بالصرامة في الكتابة( ).
وتعتبر صيغة التنويعات من الصيغ الموسيقية التي تبلورت خلال عصر الباروك، ويمكن تقسيم صيغ التنويعات إلي:
1. التنويعات المندمجة أو المتداخلة: "والتنويعات المندمجة داخلياً هي تلك التي تسمعها فلا تجد فيها فواصل أو وقفات"( ). ومن صيغها: الباساكاليا، والشاكون، الباصو أستيناتو (باص الأرضية)( ).
2. التنويعات المنفصلة أو المستقلة: فهي مثل القطع المسماة باسم "لحن وتنويعات" "Theme and Variations"؛ وهي قطعة موسيقية طويلة تستهل بلحن رئيسي تجري عليه التنويعات فيما بعد، ويسمع اللحن في البداية بسيطاً واضحاً، ثم تتلوه التنويعات المختلفة التي يكاد أن يكون كل منها مستقلاً وقائماً بذاته، ويستغل كل تنويع أحد الأساليب العديدة للتنويع سواء منها الإيقاعية أو الزخرفية أو الهارمونية أو الكونترابنطية، ولكل تنويع رقم خاص يميزه داخل القطعة( ).

التعليقات