الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

يوهان سيباستيان باخ

باخ

تمثل العائلة التي ولد لها يوهان سيباستيان باخ في 23 مارس/آذار سنة 1685( )؛ في مدينة (آيزناخ)( )؛ موقفاً فذاً بين العائلات الموسيقية، فلد عائلة باخ ما يربو علي الخمسين موسيقياً عبر تاريخها الحافل، وقد شغل عدد وفير من آل باخ ما يقرب من كل المناصب الموسيقية في كل من فايمار وآفورت وايزناخ( ).
كان (فايت باخ) الخباز المعروف بولعه بالموسيقي هو أقدم أفراد آل باخ، وقد ورث أبنائه ولعه هذا، فكان منهم أول موسيقيين محترفين (وليبس) الموسيقي الكنسي المقيم في بمانيجين، أما أخاه (هانس) فكان أستاذاً للرقص وكان له ثلاثة أبناء، هم: (يوهان) الأكبر وهو جد الفرع المقيم في (آفورت) وهو الفرع الذي زخر بالعديد من عازفي الأرغن العظام، والثاني (هينريخ) أقام في (آرنشتات)، والثالث (خريستوف) الأكبر وهو الجد المباشر لباخ وكان موسيقي هين الشأن( ).
فقد يوهان سيباستيان باخ الطفل والديه مبكراً ؛ وعهد بتربيته إلي الأخ الأكبر يوهان خريستوف، وفي أوردورف تعلم يوهان سيباستيان مبادئ الموسيقي علي يد أخيه( )، وتعلم يوهان الصبي العلوم الإنسانية في مدرسة البلدة( )، ثم التحق بمدرسة (سان ميشيل) في (لونيبورج) وبها عرف الثقافة الموسيقية الجادة( ). تعلم الفيولينا والهاربسيكورد والأرغن، وعني وهو صبي بصوت السوبرانو في كورال الأكاديمية التي كان يعمل أخوه بالتدريس بها( ).
كان يوهان سيباستيان باخ من الذين علموا أنفسهم بأنفسهم، فلم يكن له مدرس رسمي؛ فتعلم الكثير من المدونات الموسيقية من مكتبة المدرسة التي كان بها، ودرب نفسه تدريباً فائقاً علي البوليفونية( ). كما أنه استمع إلي واحد من أفضل عازفي الأرغن في ألمانيا وقتها، وهو (جورج بيم) عازف الأرغن بكنيسة القديس يوحنا في مدينة (لونيبورج)، كما استطاع أن يسمع ـ كذلك إلي الأوبرا الألمانية في (هامبورج) القريبة من (لونيبورج) حيث أعجب وقتها بعزف (راينكين) للأرغن( ).
في سنة 1703 عين باخ وهو ابن الثامنة عشر من عمره عازفاً للفيولينا في بلاط الأمير (يوهان أرنست) شقيق الدوق أمير فايمار( )، ثم عين في نفس السنة عازفاً للأرغن في كنيسة (آرنشتات) الجديدة( ). وفي نفس العام ألف باخ أول أعماله الموسيقية( ).
ترك إعجاب باخ بـ(لوبيك) أثره في أسلوب باخ( )؛ كما كان للمؤلفين الفرنسيين والإيطاليين أثر علي باخ ظهر ـ هو أيضاً ـ في مؤلفاته( ).
في صيف عام 1707 تزوج يوهان من ابنة عمه (ماريا باربارا)( )، ثم انتقل بعدها إلي بلاط الدوق (فيلهلم أرنست) في (فايمار)( )، وفي هذه الفترة بدأت اكتشافات باخ. اعتمد باخ علي عازف الأرغن ذو الخبرة والحرفية (يوهان جوتفريد فالتر) في هذه الفترة، فهو صاحب فضل إلهام باخ بتأليف أعمال الفوجة وغيرها( ). "وفي فايمار بدأ باخ صفحة مجيدة من إنتاجه الموسيقي العظيم هي صفحة الكانتاتا الدينية، فكان يكتب الكانتاتات الدينية تبعاً للتقويم المسيحي، بأعياده ومناسباته، كما كان يؤلفها كذلك للمناسبات الاجتماعية كالأفراح والمآتم، وليست كانتاتات فايمار إلا بداية طيبة لذلك الفيض الغني الذي سطره قلمه النشيط منها، والذي يربو علي الثلثمائة، بدأها في فايمار ثم كتب أنضجها بعد ذلك"( ).
في سنة 1717 غادر باخ موطنه لكي يصبح رئيساً لموسيقي البلاط عند أمير (آنهالت كوتين)، حيث أبدع العديد من موسيقي الحجرة والكونشرتات، وفي عام 1720 ماتت زوجته الشابة فأخذ يبحث لنفسه عن مكان أخر بعيداً عن تلك الذكريات الأليمة( ). ثم تزوج باخ مرة أخري من (بانا ماجدالينا)، وقد رزق باخ بسبعة أولاد من زوجته الأولي( ). في هذه السنوات كتب باخ عدداً من الكونشرتات كان أغلبها للفيولينا ، ثم أعاد صياغتها لتلائم الهاربسيكورد مع الاوركسترا( ). "وتعد هذه الكونشرتات مرحلة التمهيد التي أدت في الجيل التالي له إلي خلق الكونشرتو المنفرد، بما يشبه مفهومه الحديث المتداول "( ). كما كتب باخ المجموعة الأولي من "المقدمات والفوجات" حوالي سنة 1722، وبعد حوالي عشرين عاماً أتبعها بالمجلد الثاني( ).
وفي سنة 1723 عاد يوهان سيباستيان باخ إلي (لونيبورج) حيث عمل في كنيسة القديس توماس؛ "وفي هذا العمل الجديد كان عليه واجب تنظيم الخدمة الموسيقية بكنيستين وكذلك في الجامعة، ثم تدريب الكورال لكنائس المدينة كلها"( ). في النهاية توقف باخ عن كفاحه وتقاعد، وعاش منـزوياً بين أفراد عائلته، ففي العشر سنوات الأخيرة من حياته شعر يوهان سيباستيان باخ بارتياح عندما رأي أبناءه يتمتعون بقدراتٍ موسيقية فائقة، إلا أنه فقد بصره بسبب انكبابه علي كتابة مؤلفاته ونسخها، وتوفي في 28 يوليو/تموز 1750( ).

وتعد مؤلفات باخ للأرغن أقرب مؤلفاته في مجال موسيقي الآلات إلي مؤلفاته الكورالية في القدرة علي التعبير المركز عن المشاعر فخامةً وثراءً وكثافةً وخيالاً وتنوعاً في إيقاعها، كما يبرز في موسيقي للقداس من مقام سي الصغير، وفي أوراتورا "آلام المسيح وفق إنجيل متى"( ).
"وقد عُني باخ عناية خاصة برفع الهاربسيكورد إلي مصاف الآلات الانفرادية بعيداً عن وظيفته الروتينية المعروفة في عزف (الباص المتصل). فهو صاحب فكرة تقدمية في ترقيم واستعمال الأصابع في العزف؛ ليمكنها أن تتغلب علي القصور الشائع قبلاً في طريقة عزف الهاربسيكورد، إذ كان الإبهام نادر الاستعمال جداً علي حين كانت الأربع الخامسة (البنصر) ثانوية إلي جانب الأصابع الثلاثة الأخرى. ويرجع الفضل إلي باخ في التطوير في هذا المجال حيث استعمل الوضع المقوس لليد بحيث تلتقي أطراف أصابعها الخمس جميعاً علي الملامس، فتصبح كلها ميسرة للعزف "( ).
لقد "انعكست شخصية باخ التأملية العميقة في المظهر الفلسفي لبعض مؤلفاته. فلقد فسر في كانتاته وموسيقاه الخاصة بآلام المسيح ومقدماته الكورالية للأرغن معاني الكتب المقدسة، والعقيدة المسيحية، بحمية وإقناع ونفاذ وقدرة خيالية كبيرة، لم تتكرر ثانية في أية موسيقي دينية"( ). ويصنف النقاد أعمال باخ إلي قسمين؛ هما:( )
1. أعمال كورالية دينية.
2. موسيقي دنيوية مُؤلَّفة للآلات.
كما ظهرت في القرن الماضي ثلاث تصورات عن باخ؛ فكان هناك باخ الرومانتيكي، وباخ الرمزي، وباخ المطلق، وكان كل جيل يتصور باخ في الصورة التي توائم فكرته السائدة عن الموسيقي( ).
وقد تميز أسلوب باخ في جميع مؤلفاته الكورالية باستخدام ألحاناً معينة ترمز إلي أفكار وصور أو مشاعر بذاتها، كذلك أسلوب باخ بمعالجته للأصوات الغنائية علي نحو شبيه بمعالجته للآلات الموسيقية( ). فلم يكن باخ يرسم حدوداً لغناء الصوت البشري كما لم يُعن مثل الإيطاليين باستعراض القدرة الفنية علي إبراز الأصوات الغنائية، فكان يكتب الدور الغنائي كي تؤديه مغنية من طبقة السوبرانو أو مغن من طبقة التينور علي حدٍ سواء، كما كان يكتب الأدوار لموسيقي الآلات كي تُعزف سواء علي الفيولينا أو علي التشيللو( ). لقد كانت كتابات باخ الموسيقية سلسة وواضحة، وكانت أفكاره الموسيقية مبتكرة، وكان يعتني بالتفاصيل الزخرفية؛ وكل ذلك ناتج عن استيعابه الكامل للعناصر الإيطالية والفرنسية وتوفيقه الكامل بينها وبين البوليفونية الألمانية العتيدة( ). كما بلغ يوهان سيباستيان باخ بالمتتابعات ذروة التطور الموسيقي خلال عصر الباروك؛ فتخلت متتابعاته عن صفة الرقص تماماً ولم تحتفظ من الحركات الراقصة إلا علي القشرة الخارجية فقط( ).
"لقد أوضح لنا باخ في أسلوب يتميز بوضوحه واستقصائه ونفاذه ما تعنيه الكلمات والمعاني الموسيقية المختلفة مثل: شكل، وإنشاء، ومنطق، وتماسك، وتناسق، وتقدم، وحدود ميلودية، وقاع خلفي، وحوار، وتعبيرات مميزة عن العاطفة، وتعبيرات رمزية، وتعبيرات تصويرية، وجاذبية، وثقل، وخفة، وتباين"( ).
"وقد وضع باخ كتاباً كاملاً خاصاً بتعليم الفوجة أسماه "فن الفوجة" جمع فيه مقطوعات توضح دراسة الفوجة عكف علي دراستها عدد غفير من كبار المؤلفين ممن جاءوا بعده وما تزال معاهد الموسيقي في أنحاء العالم تدرسها حتى اليوم"( ). وفوجات باخ تبين الصلة الباطنية بين الرياضيات والموسيقي، وهو ما لم تفصح عنه أية موسيقي أخرى بمثل هذه البراعة( ).

التعليقات