أخر المقالات

مَفْهُومُ الْجِهَاد فِي الْإِسْلَامِ ..... منير مزيد

الكاتب : نور سليمان


مَفْهُومُ الْجِهَاد فِي الْإِسْلَامِ

منير مزيد

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ (آل عمران: 142).

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (البقرة: 218).

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 218).

إِنَّ اِرْتِبَاطَ مَفْهُوم الْجِهَادِ فِي الْإِسْلَامِ بِالْحَرْبِ أَوْ الْقِتَالِ لَهْوَ وَاحِدةٌ مِنْ الحَقَائِقِ الْتَقْليديّةِ ، وَمُحَاوَلَةٌ لِطَمْسِ جَوْهَرِ الْجِهَادِ وَتَحْرِيفِ مَسَارِهِ . وَهَٰذَا نَاتِجٌ عَنِ العَبَثيّةِ الفِكْريَّةِ أَوْ المَعْرِفيَّةِ ، وَعَنِ الْمُحَاوَلَات اللاّمَسْؤُولةِ فِي تَأْطيرِ الْجِهَاد فِي إِطارٍ مُحَدَّدٍ مِنْ أَجْلِ حَصْرِهِ وَإِخْرَاجِهِ مِنَ الرُّؤْيَا الشُّموليّةِ إِلَىٰ الْتَقْليديّةِ لِخِدْمةِ مَصَالح تَتَحَكَّمُ فِيهَا اعْتِباراتٌ شَخْصِيَّةٌ . مَعَ ذَلِكَ يَبْقَىٰ الْجِهَادُ فِي الْإِسْلَامِ وَاحِداً مِنَ الْمَرَاتِبِ الْعُلْيَا فِي الْإِيمَانِ مُوَازٍ لِلتَّقْوَىٰ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ﴾ (التوبة: 20) .

مِّمَّا لاَ شَكَّ فِيهِ إِنَّ المَفْاهيمَ الْإِسْلَاميّةَ لَهْيَ مُتَدَاخِلَةٌ وَمُتَرَابِطَةٌ ، وَلَا تُحْتَاجُ إِلَىٰ تَفْكِيكٍ بِقَدَرٍ مَا تُحْتَاجُ إِلَىٰ التَبَيُّنِ وَالتَوْضِيحِ ، وَلَكِنْ هُنَالِكَ أَمْرٌ لاَ بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ وَهْوَ إِنَّ كُلَّ المَفْاهيمِ الْإِسْلَاميّةِ مَا هِيَ إِلَّا دَعَائِمٌ لِمَفْهُومٍ وَاحِدٍ " الْإِيمَان" ، وَبالتَّالي إِنَّ مُناقَشةَ أَيّ مَفْهُوِمٍ مِنَ المَفْاهيمِ الْإِسْلَاميّةِ بِمَعْزَلٍ عَنِ الْإِيمَان لَهْيَ مُحَاوَلَةٌ عَبَثيّةٌ .

كَمَا ذَكَرْتُ فِي مَوضُوعِ "الْإِسْلَامُ، الشُمُوليَّةُ وَالاكْتِمَالُ" حَوْلَ فِكْرَة تَصْنِيفِ الآيَاتِ الْكَرِيمةِ وَوَضْعِهَا فِي قَوائِم حَسَبَ تَصْنِيفِهَا ، وَالَّتِي سَاعَدَتني كَثِيراً فِي إِعْدادِ هَٰذَا الْكِتَابِ ، وَفِي اكْتِشَافِ حَقِيقَة الْعِلْم التَلَقِّي الرَّبانيّ الَّذِي يَتَوَازَىٰ مَعَ الْعِلْم اللَّدُنِّيّ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ . وَمِنْ خِلَالِ تَصْنِيفِ الآيَاتِ الْكَرِيمةِ ، نَجِدُ أَنَّ الآيَاتِ الَّتِي تَتَنَاوَلُ قَضِيَّةَ الْجِهَاد مُتَعَدِّدَةٌ وَكَثِيرةٌ مِمَّا يَدِلُّ عَلَىٰ أهَمِّيَّة الْجِهَادِ فِي الْإِسْلَامِ وَمَكَانَتِهِ . لِهَٰذَا كَثُرَ الْحَدِيثُ وَالجَدَلُ وَاللَّغَطُ حَوْلَ الْمَعْنَىٰ الْحَقِيقِيّ لِمَفْهُومِ الْجِهَاد فِي الْإِسْلَامِ .

تَتَجَلَّىٰ عَظَمَةُ الْإِسْلَامِ فِي شُّموليّتِهِ ، وَالَّتِي تُؤَكِّدُ أنَّ هَٰذَا الدِّينَ لَهْوَ الْحَقُّ ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ (البقرة: 26) ، ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ (البقرة: 144) ، ﴿ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ (آل عمران: 60) ، ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ (التوبة: 33) ، ﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾ (يونس : 82) ، ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ (الكهف : 29) ، ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ (النحل : 102) ، ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ (الحج : 54) ، وَالْجِهَادُ بِشُّموليّتِهِ هُوَ إِيمَانٌ ، وَعَمَلٌ ، وَعِبَادَةٌ ، وَإِحْقَاقُ الحَقِّ بِكَلِمَاتِ اللهِ ، وَإِظْهارُ الدِّينِ وَنَشْره وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ، فَهْوَ تَاجُ الْإِسْلَامِ المُرَصَّعُ بِالنُّورِ الرَّبانيّ . وَهَٰذَا التَّاجُ الإلَهِيُّ المُرَصَّعُ بِالجَوَاهِرِ النُّورَانِيَّةِ يَحْتَاجُ إِلَىٰ مَسْحِ غُبَار الْحَقِيقةِ الْتَقْليديّةِ عَنْهُ حَتَّى تَتَجَلَّىٰ عَظَمَتةُ أَمَامَ أَعْيُنِنَا. فَلَوْ جَاهَدَ كّلُّ إِنْسَانٍ بِصِدْقٍ وَإِخْلاَصٍ وَأَمَانَةٍ فِي مَوْقِعِهِ مَا عَاشَتْ الإِنْسانِيَّةُ بِهَذِهِ الْفَوْضىٰ ، وَاِنْتِشارِ الْفَسَاد الأَخْلاَقيّ وَالسِّياسيّ وَالثَّقَافِيّ وَالاِجْتِمَاعِيّ وَالاقْتِصَادِيّ حَتَّى ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ (الروم : 41) أَلَيْسَ هَٰذَا مَا يَحْدُثُ فِعْليًّا فِي هَذِهِ الأيَّامِ..؟

يَتَضَمَّنُ تَاجُ الْإِسْلَامِ عِدَّةَ جَوَاهِر ثَمِينةٍ لَا تَعُدُّ وَلَا تُحْصىٰ ، حَيْثُ كُلُّ عَمَلٍ نَافِعٌ أَسَاسَهُ الْإِيمَانُ وَالصِّدْقُ وَالإِخْلاصُ هُوَ جَوْهَرةٌ فِي هَٰذَا التَّاجِ الإلَهِيِّ الفَرِيد ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ (الأحزاب: 23) ، ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾ (آل عمران: 195) .

إِنَّ الْجِهَادَ لَهْوَ الدُّسْتُورُ الإِلَهِيُّ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلَىٰ كُلِّ بُنْودِ الخَلاَصِ الْإِنْسَانيِّ ، وَلَا يَحْظَىٰ بِشَرَفِ الْجِهَادِ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِئَة قَلِيلَة مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّابِرِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ مِنْ أَجْلِ إعْلاَءِ كَلِمَة اللهِ ، مِنْ أَجْلِ نَشْرِ رِسَالَة السَّمَاءِ ، مِنْ أَجْلِ إِحْقَاق الحَقِّ ، مِنْ أَجْلِ تَحْقِيقِ الْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ بَيْنَ النَّاسِ ، مِنْ أَجْلِ تَحْرِيرِ الْإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ أَنْوَاع العُبُودِيَّةِ ، مِنْ كُلِّ أَنْوَاع الاسْتِلاَبِ الفِكْرِيّ ، مِنَ الْجُوعِ وَالْفَقْرِ وَالْجَهْلِ وَالْخَوْفِ ، مِنَ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ .

مَا الْجِهَادُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْجِهَادُ إِنَّهُ الْأَمْرُ الإِلَهِيُّ بِالْحَرْبِ عَلَىٰ الْظُّلْمِ وَالْاِسْتِبْدَادِ ، عَلَىٰ الْفَسَادِ ، وَعَلَىٰ الْجُوعِ وَالْفَقْرِ وَالْجَهْلِ وَالْخَوْفِ، لِهَذِهِ الأَسْبَاب كُلّهَا، يَسْعَىٰ الْكَافِرُونَ وَالظَّالِمُونَ وَالْفَاسِقُونَ وَالْمُفْسِدُونَ وَالطُّغاةُ وَالْمُرَابُونَ إِلَىٰ تَحْرِيفِ الْمَعْنَىٰ الْحَقِيقِيّ لِمَفْهُومِ الْجِهَاد فِي الْإِسْلَامِ مِنْ أَجْلِ التَّلاعُبِ بِالوَعْي الْإِنْسَانيِّ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَىٰ مَصْالَحهِمْ الدُّنْيَوِيَّةِ . فَهَؤُلَاء قَدْ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ ، وَاشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ، وَاشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ ، وَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا .

أَسْلِحَةُ الْجِهَاد: -

الْإِيمَانُ وَالْعِلْمُ
الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ ﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾ (الفرقان: 52)
السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ وَالأَحَادِيثُ الشَّرِيفَةُ
الفَضَائل وَالْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ
الْقَلَمُ وَالْأَمْوَالُ
السَّيْفُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ

التعليقات