أخر المقالات

إبراهيم عليه السلام النبى الفيلسوف

فى البدايه لو أردنا أن نتكلم عن الإلحاد من ناحيه والتطرف الدينى من ناحيه أخرى وطبيعة التعاطى مع الفريقين الذين زعموا أن الحق معهم والحقيقه غايتهم..يمكن أن نبدأ بقول الله تعالى
وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (49)
هذا حال الملحدين اليوم..لم يتخيل أحد منهم بأنه سيُبعث ويُحاسب بين يدى الله تعالى..لذلك يتسائل أحدهم كيف يمكن أن اُبعث من جديد !
إن هذا المُنكِر لليوم الاّخر..قد جعل عقله المادى مُهيمن على الواقع وأخضع الكون لتصوراته الشخصيه ولخياله المحدود..فجعل نفسه مُطلق المعرفه وكأنه أحاط بكل شئ علما..أسقط تصوراته الدنيويه على كل شئ..فرأى أن البعث من المستحيلات..ولم ينتبه أنه قد خُلق من قبل ولم يكن شيئا..فهو لم يفكر إلاّ فى اللحظه الراهنه..على الرغم من أن المعادله بسيطه جدا..
(من بدأ الخلق قادر على إعادته)
لكن فى الواقع إنه لا يؤمن بالله أصلا ولا يتصور نفسه مخلوق لله..فهو لا يرى إلاّ ذاته ولا ينظر للعالم إلا من خلال منظوره الضيق وأفقه المحدود ولا يمكن أن يتخيل أن هناك قوه مطلقه قادره عليه.
إن الإيمان باليوم الاّخر..هو نتيجه لمُقدمه منطقيه ألا وهى الإيمان بالله..
فمن يؤمن بالله وعدله ينتهى تفكيره إلى الإيمان باليوم الاّخر (يوم الحساب)
إن أساس المشكله يبدأ عندما يؤمن الإنسان بنفسه وبمركزيته فيعيش فى مرحلة الطفوله الفكريه ولا يخرج منها..فالطفل الصغير يعتقد دائماً أنه على صواب..حتى لو ارتكب أخطاء..يلهو ويلعب فيرتطم بالكرسى ثم يسارع لضرب الكرسى..لأنه يظن أن الكرسى هو المُخطئ..وتخيل معى لو أن رئيس أكبر دوله فى العالم حاول مضايقته..بالتأكيد لن يتردد هذا الطفل فى ضربه أو َسبّه.
هذا الطفل الذى ينظر إلى الكون من منظور ضيق يليق بعُمره العقلى..
يذكرنى بالملحد الذى لم يتجاوز مرحلة الطفوله الفكريه مثل الطفل الصغير الذى قد تحذره من النار..لكنه لا يتعظ إلاّ بعد أن يلمسها ويتذوق لهيبها..إنه لا يؤمن إلاّ بالتجربه الماديه الملموسه المحسوسه..فهو لا يهتم بالشواهد والبراهين العقليه وأيضا قد يتناسب ذلك مع العُمر العقلى للطفل
لكن من بلاغة القراّن..يضرب الله لنا مثلا لهذه النوعيه من البشر الذين أبوا أن يعبروا هذه المرحله الطفوليه فى التفكير..فيقول
( لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201)
وما أريد أن اقوله هو أن الإيمان بالله واليوم الاّخر قد يترسخ داخل إنسان بعدما يمر برحلة من البحث عن الحقيقه كالرحله التى مر بها الإمام أبوحامد الغزالى أو الدكتور مصطفى محمود الذى مر برحلة من الشك إلى اليقين..و من حق أى إنسان أن يبحث لأن البحث عن الحقيقه يُعتبر غايه عُليا وهدف سامى..ولكن..لابد أن ينطلق البحث من مقدمات منطقيه لينتهى إلى نتائج منطقيه أيضا..وللأسف ما تسمى بموجة الإلحاد قد بدأت أساساً بنتيجه وليس بمقدمه..فتجد الشاب الذى لم يبلغ من العمر 17 سنه يبدأ بالفكر الإلحادى..والسؤال هنا..متى بدأت رحلتك فى البحث عن الحقيقه ومتى أنهيتها؟
فى الواقع قد يكون هذا الشاب سمع أحد كبار الملحدين..واقتنع بكلامه ومن ثم خرج ليُعلن إلحاده..وبعد ذلك يحاول أن يجد مبررات تخدم نتيجته المُسبقه..وهذا الإتجاه المتطرف يساراً..يذكرنى بالمتطرفين فى القتل بإسم الدين..وهؤلاء أيضا قلبوا الحقيقه وبدأوا بالنتائج المأخوذه من شيوخ متطرفين أقنعوهم أن القتل والسلب والتكفير حلال وأوصلوهم لهذه النتيجه وتركوهم ليبحثوا عن معطيات تؤكد لهم صدق نتيجتهم..
إن سيدنا إبراهيم بدأ فى رحلة بحثه عن الحقيقه منطلقاً من مقدمه منطقيه ألا وهى ..أن هذا الكون لابد أن له خالق وهذا الخالق كامل أكبر من كل شئ..لم تكن إشكاليته فى أنه لا يعلم أن هناك خالق..لا..هو كان يعلم ان هناك خالق للكون وكان يعلم ان هذا الخالق واحد أحد كامل مُتفرد أكبر..وكان يدرك أن الالهه التى كان يعبدها قومه هى متعدده ناقصه لا تضر ولا تنفع..ومن هذه المقدمه بدأ يبحث عن الواحد..

{‏فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الأفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ‏}
إن الكوكب واحد والقمر واحد والشمس واحد..ومن ذلك نستنتج أن سيدنا إبراهيم كان بيحث عن الواحد..إن الشمس أكبر من القمر وأكبر من الكوكب ..ومن ذلك نستنتج أنه كان يبحث عن الأكبر..فهو يعلم أن للكون إله واحد أكبر..ولكن كانت الإشكاليه لديه أنه يريد ان يُظهر هذا الإله فى مقابل تعدد الاّلهه التى يعبدها قومه..كان يريد ان يجد الحقيقه الكامله التى يحاجج بها أبيه وقومه ليخرجهم من الإشراك إلى التوحيد..فبعد رؤيته للكوكب ثم القمر ثم الشمس..قد لاحظ أن الشمس هى أكبر ما فى الكون..فلما أفلت..بالتحديد هنا أدرك أن هذا يعنى أن هناك اله أكبر لا يأفل ولا يغفل ولا تأخذه سنة ولانوم..قد أدرك الحقيقه بغياب الشمس..فمن خلال النقص أدرك الكمال..لذلك قال (فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ‏)
هنا انتهى البحث عندما أدرك أنه يبحث عن إله أكبر من الكون..هنا عَلِم أن الله يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار..هنا أدرك أن الله لا يمكن أن يندرك تحت رؤية مخلوقاته..هنا انتهى نهايه منطقيه بأنه لن يرى الله لأن الله ليس مثل مخلوقاته..إن رحلة نبى الله إبراهيم انطوت بداخلها على الحقيقه لأنها بدأت من مقدمات منطقيه فانتهت لنتائج منطقيه أيضا..إن مصداقية الباحث تتوقف على مرونتة وقدرته على الإستنتاج وإستيعابه للبديهيات..ومن أولى البديهيات أن هذا الكون لابد له من مُوجد..ومن العبث أن يقول أحدهم أن الكون أوجد نفسه بنفسه لأن هذا القول ينطوى على سذاجه فكريه لا يقبلها العقل..واصحاب هذه النظره الإلحاديه يدورون فى نفس الدائره المغلقه ولأنهم بدأوا من العدم فلا يصلون إلاّ للعدم..إن المعركه الدائره بين التيار الإلحادى والتيار الدينى المتشدد..لن تنتهى فكل طرف يعتمد على تخاريف الطرف الاّخر ويوطد أركانه على تناقضات الطرف الاّخر..فتجد الإتجاه الإلحادى يعتمد فى الأساس على من يقتلون بإسم الدين..هؤلاء الذين يرفعون رايات الحق ويجهرون بالباطل ويسيئون للدين ويساهمون فى تبليغ الدعوه إلى الإلحاد الذى يرتدى ثياب برّاقه ويزعم أنه يدعوا إلى الحب والسلام والإنسانيه المجرده فى مواجهة التيار الدينى الإرهابى المتشدد..وهذا الوهم الكاذب يحتاج إلى وقفه فكريه فهذا الملحد الذى يزعم أن له مبادئ إنسانيه..هو فى حقيقة الأمر كاللص الذى يسرق فى الخفاء ويقتل فى الغرف المغلقه..فهو يؤمن بأنه لن يُحاسب على أفعاله أمام اله عادل..وقد يكون هاذا دافع لإرتكاب أى جريمه فى الخفاء..أما أمام المجتمع فهو معنى بتصدير صوره ظاهريه جيده..وفى الواقع كلا الفريقين فى ضلال مبين..وسبيل النجاه الوحيد هو الوسطيه وعدم الإنجراف إلى القتل بإسم الدين أو التحرر من الدين..فكلاهما باطل..والله تعالى جعلنا أمة وسطا..ومن ينتهك هذه الوسيطه ويدعوا إلى التحرر من الدين فهو فى الحقيقه يكون قد ضرب بالقوانين المنطقيه عرض الحائط..ومن يقول لك أن الله يأمر بالقتل ويدعوا إلى إقتلاع الروؤس ويتلذذ بسفك الدماء..فقل له أنت تعبد اله اّخر غير الإله الحق ولا تتردد فى رفض منطقه السقيم حتى لو اطال اللحيه وتكلم بالفصحى ونحت ختم الصلاه على جبهته..
إن الحرب لن تنتهى بين الملحدين والمتشددين..والتفكير السليم يرفض أولئك ولا يوافق هؤلاء..
إن الحقيقه واضحه ومزروعه فى الفطره السليمه ولا تحتاج إلى كل هذا العناء والجهد..فقط العوده إلى هذه الفطره وذلك الشعور الداخلى الذى يدفعك نحو الصواب..هذا الضمير الحى والقلب النابض والنفس السويه المطمئنه التى تسبح فى ملكوت الحق وتحلق فى سماواته فتتشبع بالحقيقه من مصدرها الأول..هذا النور الإلهى الذى يقذفه الله فى قلب العبد الصادق ليرى به الحق حقاً ويتبعه ويرى به الباطل باطلاً ويجتنبه..تلك البوصله التى تستقر فى الذهن الصافى والصدر المنشرح فتُوجه صاحبها إلى طريق الحق بيُسر وسلام..إن الحقيقه تسعى إلينا وكل ماعلينا أن نفتح لها باب العقل ونُطهر لها القلب حتى تستقر بداخله..فالحقيقه لا تستقر إلا فى القلب السليم .

التعليقات