الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

السهل الجميل في شعر الدليل...

انجذب إلى الإبداع ــ الشعر خاصةً ــ ثم انقطع عنه، وظن رغم دراسته للغة العربية وتخصصه فيها حتى صار معلمًا أن جذوة الإبداع قد خمدت أو أنه قد وأدها إلى الأبد، ولكن عن غير عمدٍ منه تفجرت براكين البيان في قلبه وعلى لسانه، فعدا القلم سريعًا يكر فوق الورق ليسجل ويسجل محاولاً استعادة تلك السنوات العجاف التي ضاعت، فأصدر ديوانه الأول ثم أتبعه الثاني وسيلحقهما الثالث.

إنه الشاعر المصري "محمد الدليل" الذي صدر له "حلم شاعر" و "همسات الدليل"، وحيث أن رؤية الشاعر لا تنفصل عن شعره أو عن جغرافية إبداعه التي تتسق مع جغرافيته، جاء شعر الدليل منسابًا سهلاً، لا يكاد يندرج تحت مدرسة بعينها، أو متأثرًا بشاعرٍ ما، ليس لأنه لا أساتذة له ولكن لأن كل ما اختزنه خلال سنوات عمره من إبداع غيره خرج منه بتذوقه حتى صار متسقًا مع طرحه الشعري.

قد يخطيء من يمر على شعره مرورًا سريعًا فيتهمه بالتقريرية والتسطيح والمباشرة؛ إذ الأمر عكس ذلك تمامَا، فهناك تقف الفكرة/الرسالة التي يريد الدليل أن تصل إلى قارئه على خط مستقيم لا لبس فيها ولا غموض، ينبع ذلك من أن الرجل بتاريخه التعليمي والمهني يحتم عليه التيسير وتبسيط الفكرة، وتوضيح الغامض، وإزالة أسباب اللبس، ولهذا بان سهلاً لقارئه لا عن عجز التقعر والصعوبة ولكن عن طبيعة فيه.
أحس "الدليل" بأن الواقع الذي تمر به البلاد يملي عليه أن يكثف جهوده من أجل أمته عبر قصائد وطنية كثيرة غطت مساحة كبيرة من ديوانيه، وكلما أحس أن القصيدة الواحدة لم تتسع لما يريد قوله سارع إلى كتابة غيرها ليحمّلها ما يريده.

لا يعرف الدليل سوى الأمل يبثه عبر أبياته، ينفخه في صدور الطيبين من الشباب وغيرهم، يبذر الحماس حولهم ويمنيهم بأن الغد يحمل الجيد والجديد، وهو لا يمل عبر ديوانيه من ترديد تلك المنظومة، تتوازى معها وتتقاطع صرخاته ومطارداته لكل من غدروا ويغدرون بالوطن أولئك الذي يتوعدهم بأشد الوعيد: "واكتب على باب جنتك ..ممنوع دخول كل اللي خان".

كما لايملك عندما تضيق به السبل والنفس من عون البشر لمصر، أن يتوجه عبر قصائد عديدة بالتوجه إلى الله تعالى بالدعاء ويحث المخلصين للوطن من أبنائه أن يشاركونه رفع أكف الضراعة للمولى بأن يكشف الغمة، وينقذ الوطن: "رب السما يقدر يحوش"، "بدعي للمولى يصونك..يا قمر كل البرايا"، "نرفع إيدينا للسما..ندعي لرب العالمين"، "لو بتحبوا بلدنا ادعولها.. ادعوا معايا وقولوا آمين".

لايطرح الشاعر محمد الدليل عبر قصائده أسئلة كونية فلسفية ملغزة، فهو لايقصد تعجيز سامعيه لإبراز مكنوناته الثقافية، بل يطرح أسئلته التي تأتي متسقة مع طبيعته ومنهجه وما يهدف إليه، فهو يطالب الجميع بالمشاركة في التفكير، والبحث عن حل للخروج من الأزمة، أن "الدليل" هنا ليس "دوجماطيقيًا" ممن يشيعون أنهم وحدهم أصحاب الحقيقة المطلقة، وما أكثرهم في أيامنا، ولا يدعي أنه حامل المفتاح السحري للحلول، فتأتي أسئلته في ديوانه "همسات الدليل" عبر رائعته "الحل إيه؟!"، وهيّ أول ما شدني لقراءته والكتابة عنه، بما تحويه من مسح واعي لواقعنا السياسي، والاجتماعي، والديني... ولقد نصحته بالعكوف عليها حتى تقوم ديوانًا بنفسها.

ومع سهولة الطرح الشعري للشاعر الدليل، إلا أن الجمال لم يفارق شطرات قصائده، والإيقاع الشعري الهاديء المتناغم يصاحبها، والتراكيب اللغوية المقصودة تسكنها، ولغته الثالثة التي تبدو بوضوح حيث تقف في المرحلة الوسطى بين قاع العامية وأطراف الفصحى، بل استخدم أحيانًا كلمات فصحى قحة، ولم يستعبده قلمه فساقه طمعًا وراء القافية، وهو ما حفظ أكثر قصائده من الترهل، كما أبدع في تأملاته عبر قصائده: "وجهة نظر"، و"ناس وناس"، و"مقسوم".

وبقى في النهاية أن أناشد الدليل بالاكتفاء من الارتواء من نهر الوطن، وشق رافد جديد في الوجدانيات دون افتعال، والعكوف على التأملات لأنه يملك عين راصدة، وقلم واعٍ، ونهنيء الساحة الأدبية باسترداد صوت واعد طمرته الأيام فزادته اختمارًا، ثم سال مشتاقًا للبوح، فوجب عليه أن يرعى موهبته ولايبددها، حتى يواصل السير في ماراثون الإبداع إلى أن يعتلى سدة المجد والخلود وهو بالغها إن شاء الله تعالى.

التعليقات