الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

سمك.. بارانويا.. تمر هندي

العالم يقهرني.. الجميع يكرهونني، يتجسسون علي، يتآمرون علي، ويسعون لإيذائي.. لأني أرفع منهم درجات، لأني عظيم، ولأني أذكي.. بل إني لخارق الذكاء. فهم يريدون أن ينالوا مني، وينتقصوا من قدري ومكانتي الرفيعة.. يريدون تشوّيه قدراتي الخارقة.
أناااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا....
أنا مضطهد لأني عظيم.. أنا لا أحصل علي التقدير الذي أستحقه.. أنا ضحية مؤامرة كونية حقيرة يرتكبها من هم أدني مني ليحطوا من مكانتي العالية الرفيعة.
ولأني أمتلك ناصية الحكمة، ولأني أهم مَنْ في الكون، فالحكمة تبدأ من كلماتي، ومشكلتي هي مسئولية هذا العالم الحقير الذي يضطهدني، وعليه أن يُكرس كل قواه ووقته من أجلي، وأن ينصاع لرغباتي.. وأن ينقذني.
هكذا تفتَّحت توقعاتنا من ذلك العنوان الذي يحمله العرض المسرحي "بارانويا"، ثم تطالعنا الذات المتأملة (إحدى أوجه الذات) علي خشبة المسرح – في بداية العرض المسرحي - تصوغ حكمتها، معلنةً عن وعيها الخارق بذاتها، ووجودها، وعالمها، قبل أن تنقلنا إلي الذات المنتدبة لسرد الأفعال الماضية غير المنضبطة، والتي تستعيد الصوت منها بين الحين والحين الذات المتأملة، لتؤكد فرادتها لنفسها وللجميع. وتتوارى الذات الفاعلة تمامًا، ولا يظهر لها أي أثر، فليس لهذه الذات العظيمة رفيعة المكانة أن تكون مسئولة، وليس لها أن تتحمل تبعية أي فعل، لأنها لا تقوم بأي فعل سوى أفعال التأمل وسرد الأحداث الماضية.
إذا حولنا الإجابة عن أسئلة من نوعية "من يتكلم؟"، و"لماذا يتكلم؟". فسنجد أن: لا النص المسرحي ولا العرض يملكان إجابة واعية لتلك النوعية من الأسئلة البديهية. ليس ثمة خصوصية لهذه الذات التي تكشَّفت، وتعرَّت وجُلِدَّت، وتأملت، وأضطهدت. إن أي ذات قد يتصادف أن تكون مصابة بهذه الأوهام عن ذاتها وعن عالمها، وقد أخذت تهذي، دون أن يصنع لنا المؤلف المسرحي سببًا واضحًا لهذيانها، دافعًا ما لأن تتحدث. فمن المؤكد أن ليس وجودها المسرحي في مساحة التشخيص (التمثيل) أمام أعين المشاهدين هو وحده السبب الكافي لأن يدفع هذه الذات (العظيمة/المضطهدة) للتكشف والحكي عن ذاتها.
وبعدما أخذت هذه الذات في الحكي عن ذاتها، لا نستطيع أن نستخرج من سردها "من تكون؟". كما أنها لا تحصل علي التعاطف Empathy المطلوب (تفهم خبرات الآخر، والإستجابة لهذا التفهم) مما يجعنا غير قادرين علي المشاركة الوجدانية Sympathy لتلك الذات المنتدبة للسرد دونما سبب واضح، سوى أنها اتخذت مكان العارض/المؤدي Performer أمام مجموعة من المشاهدين/المتلقين، وما كان استحسان المشاهدين قائمًا علي تشاركهم الوجداني للذات المنتدبة للحكي؛ أو حتى الذات المتأملة؛ وإنما كان استحسانًا لأداء العارض/المؤدي Performer الذي اجتهدت فيه (ريم حجاب)، وهو الاستحسان المبني علي الوعى المزدوج لدي المشاهدين الذي يسمح لهم بالتفرقة بين المؤدي والشخصية التي يقوم بأداءها. فقد استطاعت (ريم حجاب) أن تمسك بشخصية مريض البارانويا وتقدم أعراض المرض وتمسك بها، وإن بدا أن جسدها في بداية العرض لم يكن مستجيبًا؛ دعنا نقول محايًا؛ لما تقوم بأداءه، ربما كان مرجع ذلك لخفوت ظهور الذات الفاعلة، وطغيان الذات المتأملة علي بداية العرض.
حياد جسد المؤدي (الذي ظهر جليًا في بدايات العرض، وبعض مناطقه، قبل أن يعاود الظهور لمرة أخيرة مع النهاية) كان له تأثير سلبي علي حصول عملية التعاطف، وهو بالتأكيد مرتبط باستراتجية الأداء داخل العرض وصناعته، وما كان للمؤدي أن يتجاوز ذلك، وإن كان في استطاعته أن يقدم بعض المعالجات (علامات، وإيماءات بسيطة) تكسر هذا الحياد الجسدي، وتصنع إنحيازًا بصريًا لهذا الجسد لأنه هو الصورة العملية لوعيه، وهو ما كان يتناسب وينسجم مع سطوع الذات المتأملة، لأن المؤدي لا يكون روحًا إلا بهذا النشاط الذي يشكل وجودًا لذاته، ليتأكد فعل حضوره، فلا يتوه أو يبتلعه الفضاء المسرحي.
لقد ارتبط تشوش العرض بتشوش النص (المونولوج الطويل غير المتماسك الذي يتقاطع مع صوت اللاوعي ذلك النتوء المبهم المغاير الذي يدعو لحيرة وارتباك التلقي دون أن يدعو للتأمل واتصال الرسالة ونماءها)، فصنع ما يتصوره عن اللاوعي وغرائبية عالمه، وجَسَّدَه ليصنع منه صورة بصرية غير متنامية، وكأن هذا اللاوعي كتلة ثابتة غير متنامية أو مبنية بفعل التراكم، واستجلب لها صوتًا ذكورًا (ليس هو صوت المجتمع الذكوري الذي يمارس اضطهاد الأنثى وقمعها) تقطع مع صوت الذات المنتدبة للسرد، وحاورها أحيانًا صانعًا تشويشًا باختياراته الصوتية واللغوية؛ والتي لا يملك غيرها؛ مضافًا إلي تشويش اختياراته (مفرداته) البصرية، والتي أبرزها تلك المرآة التي كانت في مقدمة يمين المسرح (يسار المشاهد). فمجانية الوجود وحدها لم تكن صانعة التشويش، بل إن الإنتماء الفني لتلك المفردة الديكورية ؛ كأحد مكونات الصورة بعيدًا عن وظيفتها المهجورة؛ وإرجاء تشاركها أضاف تشويشًا بصريًا، تراكم مع مغايرة الإنتماء الفني للمفردة.
فلم يسلم العرض من التشويش الحادث في البناء غير المترابط؛ أو المتنامي بفعل التراكم؛ بل إن العرض استسلم له، وأخذ يصنع ترجمات بصرية له، بدءًا من تجسيدات اللاوعي وعالمه الغرائبي علي جانبي المسرح، وتجسيد فعل جلد الذات حركيًا دون الإكتفاء بجلدها لفظيًا، والتعري (التكشف) بالتخلي عن قطع الثياب واحدةً بعد أخرى مع تنامي العرض. بل أخذ يصنع له تشويشاته الصوتية، باختياراته اللفظية، بالإنتقال الحاد والمجاني من اللغة العربية الكلاسيكية إلي العامية المصرية، دون أي مبرر نفسي؛ مرتبط بالشخصية المريضة، أو جمالي؛ يرتبط بالأداء التمثيلي؛ ليحدث فارقًا جماليًا أو نفسيًا أو دراميًا، متخذًا من التشويش إستراتيجية عامة له.

التعليقات