الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

منهج الخليل والعروضيون العرب..

لعلها المرة الأولى التي أخالف فيها منهجي وأفصح عن كتاب قبيل نشره، أو أن أنشر فصلاً أو فصولاً منه إلا بعد أن يستوي في يد القاريء مكتمل الأجزاء حتى لا يبتسر مفهومه بنزعه من سياقه فيحكم عليه أحكامًا جائرة وناقصة تشوهه، ولكن وجه الاضطرار هنا أن أمام الكتاب وقت للنشر، والحاجة ماسة للإفراج عن هذا الفصل خاصة بعد أن قرأتُ ذلك المقال الذي نبهني إليه أستاذي الكريم خشان خشان، والمنشور بمنتدى العروض رقميًا، فمن شاء فليرجع إليه، تحت عنوان: "مع الأستاذ مهدي نصير" .. لن أعيد طرح ما قيل في تلك الصفحة، وسأنشر الحوار الذي دار بيني وبين أستاذي الكريم
خشان عبر الكتاب المزمع نشره بعنوان: "مع مهندس العروض الرقمي..خشان خشان، وقفات وتساؤلات".

عادةً ما أصطدم من خلال ما كتبت من كتبٍ ودراسات في السيرة المطهرة والإسلام "الدين والحضارة"، وعلوم القرآن الكريم بآراء من يناورون للالتفاف على الإسلام كدين سماوي توحيدي خالص، فمنهم من يبدأ باللغة فينتقد النحو بأنه كان العارضة الحاجزة أمام تقدم الأمة ومن ثَم فنحن نريد أن نجدد العربية كلغة، مرة بالبرنطة أي بتحويل حروفها إلى اللاتينية، ومرة بالدعوة لاعتماد اللهجات الدارجة، ومع هذا فهم يدَّعون حب العربية والتمسك بها ولكنهم يريدون فقط تطويرها، ومنهم من يتخذ طريقه نحو المرأة والزي، والطلاق، والتعدد، وتجديد الخطاب الديني، وتطويره، وتنقية التراث، والهجوم على السلفية، والتصوف، والفلسفة الإسلامية، والاقتصاد الإسلامي، والغناء العربي، وذلك من خلال اصطناع كلمات مخترعة، ملتبسة، كتلك التي يجيدها أركون، وجعيط، والقمني ومن على شاكلتهم، تخرج منها وأنت لا تدري ما يقولون وماذا يريدون.

ولذا فليس عجبًا أن يصبوا جام غضبهم على رأس الخليل الذي وضع لهم وأمامهم علمًا منضبطًا، له رأس وذيل، داخوا ومن سبقوهم السبع دوخات في وأده أو إجهاضه أو هدمه أو كله معًا فما أفلحوا ولن يفلحوا، ولعلي أبلغت أستاذنا الكريم خشان أن عروض الخليل الغير مقدسة بالنسبة لهم، مقدسة بالنسبة لنا في مصر؛ إذ تتم دراستها في المعاهد الأزهرية وكليات اللغة العربية، فمن أين يأتونها؟! ولكي لا أطيل عليكم، هاكم الفصل الذي عنوانه: "منهج الخليل والعروضيون العرب":

ــ العروضي الكبير الأستاذ خشان: يتكرر في طرحكم دومًا تعبيرات قيمة، منها: "المنهج واللامنهج"، "الذاتي والموضوعي".. فنرجو أن تبين لنا مدى أهمية هذين التعبيرين؟ وتأصيلهما من خلال منهج الخليل، ومنهجكم في العروض الرقمي؟

ــ متقابلا "المنهج واللامنهج"، "الذاتي والموضوعي".. يتداخلان لدرجة يصعب الفصل بينهما.وتمهيدًا للموضوع أذكر هذه القصة: من المعلوم أن الصحابي الجليل عُمر بن الخطاب رضى الله عنه كان شديد الحب لأخيه زيد بن الخطاب ... فلما قُتل زيد ... دخل القاتل الإسلام ليعصم دمه. فقال له عُمر بن الخطاب : والله إني أكرهك كراهية الاْرض للدم المسفوح. فقال له الرجل : اْيمنعني هذا حقاً من حقوق الإسلام. فقال له عُمر: لا. فقال الرجل: ما لي ولحبك ....إنما يبكي على الحب النساء. وقال له عُمر رضي الله عنه: لا تريني وجهك أمامي في طريق.

المنهج هو آلية تطبيق المبدأ على الواقع، وعندما يصدر صاحب المنهج أحكامه على جزئيات الواقع فيفترض أن تأتي منسجمة مع أصل المبدأ، فإن حصل تناقض بين أحكام الجزئيات فإن في المنهج والتزامه بمرجعية المبدأ ضمانًا لكشف الانحراف أو الخطأ والتمهيد بالتالي للتقويم والتراجع عن الخطأ.

الذاتية مجالها العواطف الشخصية التي ليس للعلم عليها سبيل ولا لها عليه سبيل، الموضوعية مجالها تطبيق الأحكام العلمية والقانونية بناءً على منهج كل منهما المنبثق من مبدأه.

لا تثريب على الشخص في مشاعره الشخصية. وإنما يعاب عليه أن يجعل لها سبيلًا للتحكم في تطبيق الأحكام العلمية والقانونية بما يشكل انتهاكًا لمنهجية كل منهما المنطلقة من المبدأ في كل منهما. ولا يتم ذلك إلا في غياب المنهج أو تغييبه. أما غيابه فمعلوم ككثير من الدعاوى في شتى المجالت، وهنا يحكم الإنسان بالظن، وأما تغييبه فلا يتم إلا بجهد مبذول. وأشدّ من تغييبه تسخيره ضد المبدأ الذي انطلق منه وهو أمر يقتضي تعطيل التفكير الحارس الأمين لاستمرار المنهج طبقا للمبدأ. وتغييب المنهج هي اتباع الهوى. يقول تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾[النجم:23]، الظن ليس منهجًا إذ هو نتيجة لغياب المنهج عن الذهن دون سابق قصد. وربما يقتنع صاحبه بالمنهج إن عرض عليه. أما الهوى فهو "منهج اللامنهج" أي تغييب المنهج عن سابق قصد وتخطيط. وانظر إلى دقة التمييز بينهما في القرآن الكريم يقول سبحانه عن الظن: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾[النجم:28]، وأما عن الهوى فيقول سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾[الجاثية:23].

لا أريد ــ حاشا لله ــ أن يكون قصدي من ذلك إسباغ قدسية على أي رأي في العروض لي أو حتى للخليل، وإنما هو استنارة واستهداء بمنهج الإسلام المنطلق من مبدإ الوحدانية في النظر إلى الأمور. لي ولغيري ممن يخالفني أن يستنير ويستهدي به، فإذا استقامت المرجعية للرأيين كان ذلك تيسيرًا للتوصل للصواب .

وكيف لي أن اسبغ أية قدسية على أي رأي لي وأنا أزعم أني أكثر من أخطأ في مسيرته نحو استقراء منهج الخليل، وما بلغته منه لا أستطيع أن أضمن خلوه من الأخطاء أو أنه الأفضل الذي لن يتجاوزه أحد نحو فهم منهج الخليل. بل أكاد أجزم أن الأفضل في استقصاء آفاق منهج الخليل لم يأت بعد، بل لعله يبقى هدفا يستحث الهمم للصعود.

ولكن الفضل في اكتشافي لأخطائي يعود إلى الفرضية المنهجية التي توصلت إليها، من أن الذائقة العربية محكومة رياضيا ببرنامج كشفته عبقرية الخليل وعبر عنها منهجه، وأن أي تناقض أو قصور أو خطأ عائد إلى قصور فهمي. وهو ما كان يحفزني على إعادة صياغة تصوري الذي قمت به غير مرة.

ماذا فعل بعض العروضيين العرب الذين لا يملكون تصورا منهجيا ولا يعرفون أن للخليل منهجا ناهيك عن أن يلموا به.؟

فيما يلي باختصار شديد بعض ما قال به هؤلاء مع ملاحظة التفاوت في الخروج على الخليل في بعض الحالات وهناك الكثير غيرها، ومدى أثره في كل حالة:

1ـــ حازم القرطاجني يقول إن وزن المتقتضب فاعلن مفاعلتن 2 3 3 1 3 يقول ذلك لينفي احتمال أن يجيء معولاتُ مستعلن = 3 2 3 1 3 وهنا يسأل هل يجوز في فاعلن هذه الخبن ؟ طبعا سيقول لا لأن معنى ذلك أن يأتي الوزن فعِلن مفاعلتن = 1 3 3 1 3 وهكذا فقد عدل عن وزن الخليل ليتجنب، ما ظنه ثغرة، فوقع في ثغرة حقيقية.،ثم قال باجتماع وتدين أصليين، دافع عنه أستاذي سليمان أبو ستة قائلًا إنه: (لا اجتماع لوتدين ولا حذف للفاء لأن فاعلن هذه = فاع لن = وتد مفروق + سبب). السؤال: هل يجوز في "فاع لن" هذه أن تأتي "فاع لُ" كما ذكروا عن كف (مستفع لُ) في الخفيف؟ والإجابة: طبعًا سيقول لا، لأن معنى وردها كذلك أن يأتي المقتضب على رأيه فاعلُ مفاعلتن = 2 1 1 3 1 3.

وإذن حاول كل منهما التعامل مع جزئية ظنًا أنها تُقوِّمُ اعوجاجًا في منهج الخليل فوقع كل منهما في اعوجاج أكبر. للخليل منهجه الكلي، أي منهج آخر جزئي، وهل يستحق أن يسمى الجزئي منهجًا؟

1ـــ نازك الملائكة تقول إنها ابتكار وزن صافٍ جديد يجري هكذا:
مستفعلاتن مستفعلاتن = 4 3 2 4 3 2 2

والصواب أنها وفقت لكشف صورة خليلية يشملها منهج الخليل وإن لم تصورها تفاعيله. وسبق أن قال عليه علي بن الجهم ( ت 249 هـ ):

فسر بودٍ أو سر بكرهٍ ما سارت الذلل السراع

وصدره = 3 3 2 2 2 3 2 ..= متفعلن مفعولاتُ مستف.(وهو كما ترى من منسرح الدائرة مستفعلن مفعولات مستفعلن )، وحتى الدماميني على رسوخ قدمه عَدَّهُ من شاذ مخلع البسيط.

1- الشيخ جلال الدين الحنفي اعتبر من المتدارك، النصَّ:

ما في القوم من عالمٍ ..... تستفتيه في مسألةْ

2 2 2 3 2 3 باعتباره = 2 2 – 2 3 – 2 3 والسبب أن لا منهج لديه يستثني به الخبب من المتدارك. وما الوزن المذكور إلا (مفعولات ُ مستفعلن = 2 2 2 1 2 2 3) وهو وزن المقتضب على الدائرة وتجب فيه المراقبة وأشهر صورتيه مفعلاتُ مستعلن 2 3 3 1 3.

2- د. صادق الكرباسي وهو عروضي ضليع قال إنه: (أضاف إلى بحور الخليل ما جعل عدة البحور 210 بحرًا، وفيه من مخالفة مباديء وبدهيات الخليل ما فيه. وما ذلك إلا لغياب المنهج لديه. ولو عرف ذلك لما تبع هواه.

3- د. مصطفى حركات وهو من هو في فهمه الرياضي للعروض يرى أن [يا] في مطلع معلقة عنترة أطول مدة من [يا] في مطلع معلقة النابغة، لأنها ــ حسب رأيه ــ في مطلع معلقة عنترة تقوم مقام (متْ) من متْفاعلن القابلة للتحول إلى (متَ) في متَفاعلن ومقدارها وحدتان. بينما هي في معلقة النابغة تقوم مقام (مسْ) من مستفعلن القابلة للتحول إلى (مُ) في حالة خبن مستفعلن إلى متفعلن.

عنترة : [يا] دار عبلة بالجواء تكلمي ...... وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي

النابغة:[يا] دارَ مَيَّةَ بِالعَلياءِ فَالسَنَدِ ..... أَقوَت وَطالَ عَلَيها سالِفُ الأَبَدِ

هنا معطيات سليمة يتم الربط بينها بدافع الهوى لا غير. وهنا غير عثرة:

أ‌- ربط الواقع بمآل المقطع حسب الحكم.

ب‌- إعطاء المدة أهمية ليست لها أصلًا. فيمكن أن يغير المُلقي إلقاءه ليمد ما يشاء كما يشاء دون أن يتأثر الوزن.

جـ- لو رجع إلى الواقع في القصائد الملقاة على اليوتيوب لما وجد اطرادًا لزيادة المدة لأي منهما بل لعل (يا) في البسيط تكون أطول منها في الكامل في أغلب الحالات.الرياضيات دون منهج الخليل مطية للهوى الذي يصدر أحكاما ذاتية.

4- دكتور محمد توفيق أبو علي يتحدث في كتابه: "علم العروض ومحاولات التجديد"، عما يدعوه "ثغرة العروض"، وهو يأتي بحقيقتين موضوعيتين ثم يربط بينهما برابط ذاتي يمليه الهوى لا غير:

أ – أن هناك (با) بالمد و (بأْ) بالسكون.

ب – أن ثمة شعور بخلل ما في البيت:

قدموس قد سرقوا الحروف وخانوا بعدما زلت بك القدم

ثم يستنتج أن هذا الشعور ناتج عن عدم التمييز بين با وبأ، وقد تناولت دحض قوله بالدليل.

5- ذهب بعض الباحثين إلى اقتباس العروض العربي من الشعوب الأخرى. لو كان العروض العربي مجرد أحكام جزئية لكان هذا الراي ـــ على ضعف احتماله ــ غير محال. لكن المنهج لا يستعار. سواء في العروض أو سواه. ويذكرنا هذا باتهام المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في نسبة القرآن لبشر أو لأساطير الأولين أو غير ذلك. وهذه الاحتمالات تتهاوى عند منهجية القرآن الكريم الشاملة التي لا يمكن اقتباسها. ويغيب هذا الاعتبار للأسف عن أذهان كثير من الناس الذين يغرقون في الجزئيات تأييدًا أو نقضًا بمعزل عن تذكر المنهج. وقد يشفع لبعضهم جهلهم بوجوده. أعرف من هؤلاء:

أ - عبد الله حسين جلاب: وينسبه إلى الأصل الهندي أو البابلي.

ب - نزار حنا الديراني يتساءل: "أوزان الخليل هل هي أندلسية أم سريانية مشرقية؟"

جـ - عبد الله الطيب مجذوب: يرجح تأثر العروض العربي بالعروض الفارسي.

... أرجو أن يتسع صدر القاريء لتوضيح صبر وحدة الأستاذ خشان خشان وهو يسوق الحجج تلو الحجج، والرد بالبراهين ضد من يبتدعون بحورًا جديدة تخرج عن وعلى المنهج الخليلي الذي هو ــــ أي الأستاذ خشان ـــ من أشد الداعين لوجوده، والزائدين عنه، والمتمسكين به، فالرجل يرى ــــ وهو محق ــــ أن: (الورود لا يتغير شكلها ولو درستها لوجدت شكلها ذا إيقاع العناصر في الطبيعة محدودة بخصائص رياضية بين الأعداد والأوزان الذرية. لن يستطيع أحد أن يأتي بعنصر جديد.الذائقة العربية السليمة مبرمجة رياضيًا لن يستطيع أحد إيجاد جدول ضرب جديدًا صحيحًا. الفاعل سيبقى مرفوعًا والمفعول به سيبقى منصوبًا ما لن يدركه أحد ممن لا يعرفون علاقة المنهجية بالذائقة العربية أنهم يتعاملون مع برنامج رياضي محكم. الخروج عليه عبث بالذائقة العربية.يقول أبو العلاء المعري في شرحه لديوان المتنبي عن "مستعلن" في بيته :

(رب نجيــ)ــع بسيف الدولة انسفكا .....ورب قافية غاظت به ملكا

ولم يزاحف أبو الطيب زحافًا تنكره الغريزة إلا في هذا الموضع . أبو العلاء المعري يقول: (إن الغريزة السليمة تنكر زحاف المتنبي، فكيف تتسع لما هبّ ودب من أوزان. لكن الغريزة السليمة تشوهت. ووضع الخليل العروض للحيلولة دون أن تلحق بتشويهها بحور الشعر العربي. الغريزة السليمة ترفض أن تنسب [البحور الجديدة] للشعر العربي وترفض نصب الفاعل.الغريزة المشوهة تتسع لكل شيء حتى لنصب الفاعل. الأوزان لا حدود لها ولا ضابط. أما البحور فشيء آخر. يكشف العروض الرقمي انطلاقا من تواصله مع فكر الخليل أن الذائقة العربية محكومة ببرنامج رقمي دقيق مطرد أودعه الله الوجدان العربي فضبط نتاج هذه الذائقة قبل الخليل في الشعر الجاهلي، ولا زال يضبطها في الشعر النبطي وكثير من الشعر الشعبي وربما في الفصيح لدى شعراء لم يعرفوا العروض).

فبالإضافة إلى بحور الكرباسي المبتدعة هناك [بحرين] سجلهما الشاعر سامر سكيك باسمه، وللشاعر معين حاطوم عدة [بحور]، وللشاعر ذياب شاهين العديد من البحور كما للشاعر والعروضي محمود مرعي العديد من البحور وللشاعر محمد السحار بحور جديدة ، وهناك بحر الهنيدي للشاعر صالح الهنيدي.

يقول العروضي خشان خشان: (إن تجاوزات الأستاذين الكرباسي ومحمود مرعي على شططها مكشوف عوارها وهي لا تقنع أحدًا ذا قليل من البصيرة وبالتالي فخطرها يسير. أما الخطر البالغ فهو ذلك الناجم من عدم إدراك وجود منهج للخليل، وهذا يشمل الأمة إلا من ندر ممن يتحسس طريقه نحوه، وقصر المنهج على المستشرقين وهم ذوو منهج ولكن منهج الخليل هو الأفضل والأقوم). يرى خشان أن بحور الشعر هي أجمل أوزان ائتلاف الكلام البشري. وكل تغيير يتناول حشوها هو تشويه لها وانحدار، ولا يعترض رغبة من يرغب في التجديد مع معرفته بمنهج الخليل والتزامه به، فله ذلك، ولكنه يشترط عليه بغض النظر عن تقييم وزنه، عدة شروط: (أن يعتبر شعره في حيز "الموزون" لا حيز الشعر، وأنه يرغب في التجديد مع معرفته بمنهج الخليل ورفض الالتزام به، فله ذلك ولكن يترتب عليه أن لا يستعمل تفاعيل الخليل. فالتفاعيل كقطع اللوجو ومنهج الخليل كتالوجها، أو هي كقطع السيارة تجمع حسب مخطط مصممها. وكما تنتج أشكال مشوهة من تركيب قطع اللوجو خلافا لكتالوجها ولا تنتج سيارة إن ركبت قطعها خلافا لتعليمات صانعها، فكذلك لا ينتج شعر عربي إذا جمعت تفاعيل الخليل خلافا لمنهجه. وأنه يرغب في التجديد ولا يعرف أصلا أن للخليل منهجًا بل عليه أن يوجد منهجًا متكاملًا يحكم الشعر العربي غير منهج الخليل... أو أن يصمم ذائقة جديدة لأمة جديدة دون ذكر الخليل أو تفاعيله).

يصل الأمر بالعروضي خشان إلى تشبيه من يُرَكِّب تفاعيل الخليل على غير منهجه – مع إدراكه لذلك المنهج - كمثل من يصلي دون ترتيب حركات الصلاة فيبدأ بالسجود ثم يسلم ثم يركع ثم يقف.وذلك رفع عنه القلم.

وبعد أن يستشهد بقول الأستاذ عبد الودود سيف: (والإشكالية التي وقع بها دارسو عروض الشعر العربي من العرب، أنهم وقعوا تحت رحمة هذا التصور، واستبعد غالبيتهم أن يكون لعلم العروض منهج يذكر. أما من قال منهم عن منهجه، فقد استبعد أن يكون لمنهجه، إن وجد، قيمةٌ علمية يعتد بها. وتبدى ذلك بإكبار محاولات المستشرقين، والتقليل من شأن الخليل بطريقة منفرة).

يخاطب كل عروضي عربي قائلًا: (أيها العروضيون العرب من منكم يدرك منهج الخليل؟ أشعر بالحرج من المضي قدمًا وأهيب بمن يجد شيئًا من احتمال الصواب في كلامي أن يراجع المواضيع التالية: "الرقمي قبس من نور الخليل، العروض العربي ليس علمًا، الخليل وماندلييف، العروض ليس مقدسا ولكن، السانيات والعروض".. من يأتي بـ[بحر] جديد لا يمارس دور الشاعر أو العروضي فحسب بل يمارس دور عالم العروض وما من مستحق ليدعى عالم للعروض إلا إن ألم بمنهج الخليل. أتمنى أن يعرف ذوو النوايا الطيبة ـــ وأنت منهم في الطليعة بإذن الله ــــ عاقبة رفض وجود منهج للخليل.فاجتماع [وتدين أصيلين] يقلقل عظام الخليل في قبرهلو قال شخص إنسأجيء بشكل دائرة جديدة فهل يعقل ؟ الدائرة أقصد بها الشكل المستدير. ولكن الأمر كذلك ذو علاقة بدوائر الخليل التي تمثل مخطط البرنامج الرياضي للذائقة العربية. لا بحر خارج دائرة ولا دائرة خارج ساعة البحور. من يعرف ما هو تكثيف التكثيف يقدر كلامي، ويقدر وجاهة مطالبتي له بأن يأتي بدائرة بل وساعة جديدتين لذائقة الأمة التي يصممها:أوزان الخليل ـــــ حسب منهجه ـــــ توزن بميزان ذهب لتستحق أن تسمى بحورًا.. وحدات الميزان هي تفاعيله. والخليل مصور للأوزان شارحٌ لها وليس موجدًا. من يؤسس بحرًا جديدًا لشعر يصمم ذائقة أمة. ولك ذلك صمم ما تشاء ولكن بعيدًا عن لفظيّ بحر وتفعيلة وعن مسميات تفاعيل الخليل... وجدير بمن يصمم ذائقة أمة خارج منهج الخليل أن يفهم منهجه ليستفيد منه في تصميم ذائقة الأمة التي يريد).

لا يكتفي خشان بمخاطبة العروضيين العرب ولكنه يرسل تهنئة كأنها الصرخة إلى أهل العروض الرقمي لعلها تصك آذان كل عروضي عربي: )أربع ملاحظات أحسن كبار في ملاحظة كلٍّ منها على حدة: ابن عبد ربه، الجوهري، محمد العلمي وسليمان أبو ستة، مصطفى حركات، أحمد مستجير.. تحسب لهم ملاحظة كل منهم، ويؤخذ عليهم عدم رؤيتهم إياها جميعًا مرة واحدة. هذه الرؤية الواحدة التي يدركها دارس الرقمي بالضرورة، ولا يشعر بأنه امتلك شيئًا لم يمتلكه جميعًا مرة واحدة أحد قبله. طبعًا هو أقل من كل من تقدموا من حيث "الكمَّ المعرفي في العروض وشواهده ومصطلحاته وتفاصيل أحكامه"، لكنه يملك ما لا يملكون وهو إدراك وجود "منهج للخليل" وفهم ذلك المنهج. الذي يدرك كل منهم بصيصًا منه في كل ملاحظة لاحظوها. بصيص كان كفيلا بأن يقودهم إلى مصدر النور لولا الحواجز الحديدية لحدود التفاعيل التي صاغت العقول على مقاسها، بحيث لو أبصر أحدهم من شقها شيئا لم يكن إلا جزئيًا.هذا كلام كبير. لا أقوله إلا قرعا للجرس أمام العروضيين العرب الذين لم يأبهوا بمضمون الرقمي. وهو أول محاولة تفترض وجود منهج للخليل وتسعى إلى إثبات ذلك والدعوة إلى الوعي عليه. وهذا هو محور الرقمي وإطاره. هذا الكلام الكبير – ترددت في قوله – قد يحمل جانبًا من عدم اللياقة، ولكنه ضروري لتوصيل الصوت عبر آذان ثقل سمعها وعيون حُجبَ بصرها وأذهان استغلقت وأدمنت الحفظ على حساب التفكير. بحيث لم يجد معها قرع الأجراس وعديد المراسلات سنين طوالا. لعل هذا يجعل الاستفزاز محمودا في هذا المقام، وقد سبق استفزاز مثله في موضوع: "الرقمي.. قبسٌ من نور الخليل"..ما الذي يمتلكه من مضى عليه سنين ينبه إلى منهج الخليل بل خطابه المباشر دون أن يلتفت إليه أحد كما استمر الحال عبر مئات السنين؟..إنه أمر في وضوح الشمس يقوله الخليل عبر دوائره وجسدته ساعة البحور وذكرته مرارًا وما من اهتمام بذلك استمرارا لقرون مضت، وذلك بسبب سيادة ثقافة الحفظ المكرسة أصلًا ببعدها التاريخي الثقافي العام على طمس البصائر وتغييب التفكير بهدف منع رؤية ما تم طمسه من جهة وما تمت فبركته من جهة أخرى فيما هو أخطر من العروض. لدرجة وصلت أن من يبصرون الظاهرة واضحة أمامهم يغمضون عيونهم، لعدم نقل الواقع إلى أذهانهم، وبالتالي سد الذريعة أمام احتمال التفكير من أول الطريق. ويروحون يتحسسون! ويتحسسون ماذا؟ يتحسسون قال فلان وقال فلان، وكفى الله العيون مهمة الإبصار، وكفى العقول شر الإدراك ناهيك عن شر التفكير).

كان العروضيون ــ كما يقول ويأمل خشان ــ هم المؤهلين للربط بين العملية الفكرية ونتاجها لدى الخليل، ولكنهم لم يهتموا بالعملية الفكرية، ذلك أن عدم وعيهم على حقيقة وجودها جعل تفكيرهم خاضعًا لبرمجة تجزيئية التفاعيل في الأعم الأشمل الأغلب. يصدق هذا على من وافق الخليل ومن عارؤضه. ماضيًا وحاضرًا.. وليس ما يلقاه الرقمي من العروضيين إلا في نادر النادر من رفض أوسخرية أو استخفاف أو إعراض أو فتور إلا لأنه يقدم العروض بالتواصل مع فكر الخليل ومنهجه القائم على شمولية فكره، ليضع التفاعيل في مقامها كأدوات خاضعة لذلك المنهج، وهذا يعني نسف فلسفة الأساس التي قام عليها منهج العروض العربي لغاية الآن. وبدوره فإن هذا يستجيش في نفوس العروضيين بوعي أو دون وعي شدة في الدفاع عن أساس من الصعب عليهم العدول عنهبطبيعة إلفة النفوس لما استقرت عليه وركونها إليه وخشيتها من الإقرار بما يخالفه وما ينتج عن الإقرار من إعلان وجود ما هو أفضل، وهذه عقبات لا يستطيع التغلب عليها إلا ذو بصيرة وشجاعة.

يختتم العروضي الكبير خشان خشان واثقًا: (فليعرف أهل الرقمي مكانتهم مقارنة بباحثي وعروضيي المسلمين جميعًا من عرب وفرس وسواهم. ولاتـُهوّن قدرَهم لدى أنفسم سهولةُ ما حصلوا وسرعته، فهم أخذوا الجوهر الذي ندر أن نفذ إلى بعضه سواهم، وما من أحد منذ الخليل إلى اليوم أوضح رؤية منهم لفكر الخليل. أقول هذا مقالة متأكد قدم الدليل تلو الدليل على ذلك).

ــ وهنا يبرز سؤال أستاذي الكريم خشان خشان، حول ما تذكره مرارًا من أن الرقمي رسالة فكرية لا تقف عند العروض بل تتعداه لما هو أخطر وأهم، هل ترى لمنهجك هذا علاقة بواقع الأمة وعلاجه، وهل ترى في افتئات بجور غير بحور الخليل تحطم منهجه شبها مع ما يفتأت على الإسلام من تصرفات وأقوال تسيء إليه؟

ــ طرح هذا السؤال في ذاته يطمئنني إلى وصولك أستاذي إلى الغاية التي أرمي إليها من موضوع الرقمي ...إنه ليس منهجي يا أستاذي، إنه منهج الخليل بن أحمد في الجانب العروضي والأدبي منه. منهج بهذا الشمول في العروض واللغة، يجعلني أطرح التساؤل التالي: أيعقل لمن هذا شمول فكره أن يقتصر طرحه على الناحية الأدبية دون سواها؟ هل كانت للخليل مؤلفات أخرى طمست كما طمس منهجه في العروض؟

ثم لو دققنا بشكل أعمق لوجدنا أن هذا هو منهج الإسلام. أنقل إليك من موضوع "الفرق بين العروض وعلم العروض": (الشمولية المطلقة "أساس الأسس" هي البدء بالتوحيد توحيد الله سبحانه وتعالى والانطلاق منه إلى سواه. وفي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام معتبر لأولي الألباب.ليس مطلوبًا من كل الناس إيمانًا كإيمان إبراهيم عليه السلام فثمة طرق أخرى تؤدي إلى الإيمان ولكن أسماها وأليقها بالإنسان ما ذكره القرآن الكريم عن إبراهيم عليه السلام.ما أحوج الإنسان إلى هذه الرؤية في الأمور كلها ولا يتسع المجال هنا لذكر المجالات الحيوية والمصيرية التي يضل فيها الأفراد وتضل فيها الجماعات جراء طغيان الجزئيات على الكليات، فكم طمست كلية بكلمة حق استغلت في تضخيم جزئية، فقادت إلى باطل. ومن نافلة القول أن هذا القصد لا يرد في مجال العروض ولكنها تداعيات الشمولية الفكرية، والفكر لا يكون إلا شاملًا .(

الفكر - أيا يكن تعريفه - متعلق بالذهن، وهو يتبنى المبدأ، أي المنطلق الذي يبدأ منه ووفقه صدور الأحكام كافة في التعامل مع الواقع. وآلية المبدأ هي المنهج وهو كما أفهمه التجسيد الكامل للمبدأ المنطلق منه إلى عالم الواقع كمرجعية بسيطة واضحة شاملةمتسقة ذاتية المصداقية ومهمته تنزيل أحكام المبدأ على الواقع التطبيقي بتفصيلها وتقديمها كجزئيات تناسب قضايا ذلك الواقع. فتأتي هذه الجزئيات فيما بينها منسجمة متناسقة. ويستمر الفكر حارسا لصلة المنهج بالمبدأ. وبذلك تكون هذه العناصر معا منظومة واحدة تنهار بتخلف أي من عناصرها عن دوره. فلنسم هذه المنظومة الأولى (أ) هل يمكن أن تتغير هذه المنظومة لدى جماعة ما؟

نعم، ولمعرفة نمط التغيير ومواصفاته نستعرض الدوافع المحتملة للتغيير:

أ ــ التغيير الموضوعي الذي يقوده الفكر لتبنيه مبدأ آخر، وفي هذه الحالة يتم التغيير بصراحة ووضوح وتمايز واضح بين المنظومة الأولى (أ) والمنظومة الثانية (ب) ذلك أن الفكر بقي يمارس دوره في الحالين. وتكون المفاضلة موضوعية لا دور للذاتي أو اللعمي فيها. فالمؤسس الحارس هو المغيّر.

(اللعمي) نسبة إلى (لعم)، اللام من (لا) و (عم) من (نعم) ويقصد بها التمويه والضبابية لمرحلة انتقالية من منظومة لمنظومة على غير أساس الفكر بل للسبب للدافع رقم 3 أدناه، أي المصلحة.

ب ـــ الهوى، وقد يقترن بالتغيير أو باتخاذ موقف ابتداءً، ويغلب على المواضيع الإنسانية ومنها علم العروض، ويكون موقف من يمضي في هذا السبيل ذاتيا لدرجة يتوحد فيها الموضوع مع صاحبه فيدافع عن طرحه بمنطق رد الفعل الفطري في الدفاع عن النفس، وأدلته نابعة من نفسه لا تلزم سواه ولا يستطيع إقامة حجة عليها إلا ما وقر في نفسه من الهوى غير القابل للبرهان الموضوعي. فإذا ما ووجه بمرجعية موضوعية ما، تراه يتهرب من وجودها أو ينكر صحتها أو يغالط فيها، وقد يتم ذلك دون وعي منه شأن من يتعرض لأذى فيتصرف بتلقائية. وقريب من صاحب الهوى من لا يملك مقومات فهم موضوع ما ولكن يخوض فيه.

جـ ــ المصلحة، والمخطط لهذا ماكر يستغل المنظومة (أ) وصولا إلى منظومته (ب) دون الاصطدام بالمنظومة (أ) بل بتفكيكها وإعادة صياغتها لتخدم مصالحه.

عرفنا أن الفكر هو أساس المنظومة التي تحدد الحكم على الواقع، وسأستعرض هنا حالات من التغيير في أنواعه الثلاثة:

أ ــ التغيير الموضوعي، ومثاله: حلول منظومة الإسلام محل ما سبقه من منظومات التصورات، فكان في غاية الموضوعية والوضوح. ولا مجال فيه للذاتية، وحسبك مثالًا على ذلك ما ذكره تعالى من أقوال أعداء الإسلام عن الرسول عليه الصلاة والسلام، من أنه ساحر ومجنون الأمر الذي لو لم يذكر في كتاب الله فلربما تحاشى البشر ذكره ظنًا منهم أن ذلك مما يطعن في رسالة الإسلام. بل إنه سبحانه طرح للحوار إمكانية عدم وجود خالق للكون في قوله تعالى:

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾[الطور: 35] ولم يطرح ذلك ليمر عليه الإنسان مرور كرام، وهو سبحانه يعلم أن من البشر من يتخذ من ذلك مبدأ. أرأيت وضوح كل من الـ (لا) والـ (نعم) في المنهج الموضوعي.



ـــ معك الحق العروضي الكبير خشان محمد خشان... إنه الخليل بن أحمد الفراهيدي، ذلك العبقري الذي كلما تتبعت ما أنتجته العقول الواعية والمدركة لما خلَّفه الرجل للبشرية من علوم ينوء بحملها غير المتخصص، ولو أراد أن يحيط بها لعجز ولو أحاط لكان متعمقًا في ناحية ومتساهلًا في أخرى والشواهد على هذا كثيرة، ولو نقلت ما كتبه الأقدمين لما اتسع الكتاب، ولكنني سأحاول أن أنقل بعض ما دونه المحدثين ممن تخصصوا في علوم كان مصدرها الخليل بن أحمد وأشهرها على الإطلاق "معجم العين" وماذا قالوا عنه وفيه:

يقول الدكتور مهدي المخزومي: (كنت تلمذت للخليل وصحبته، وقد أفدت من التلمذة، وأنست بالصحبة، وأحسبني من تلاميذه الأوفياء، فما برح الخليل مرجعي إذا ألمت بي حاجة إلى توضيح غامض، وتبيين مبهم، ومازال مرجع الدارسين جميعًا، فقد كان أستاذ الأساتيذ وعلم الأعلام منذ تصدَّر مجلس الدرس) [الفراهيدي عبقري من البصرة].

صحب الدكتور المخزومي الخليل عبر ثمانية أجزاء حقق فيهم معجم العين يشاركه العمل الدكتور إبراهيم السامرائي، وقد كتب في المقدمة: (إن الخليل بن أحمد من الأمثال أضربه لأدلل على جهلنا بتاريخ هذه اللغة. لعل الكثيرين من الدارسين وذوي الاختصاص لا يعرفون سوى أنَّ الخليل من النحاة المتقدمين الكبار)، وتكلم عن مدى علمهم القاصر بالخليل وبعلمه وبما عمل، فأراد المخزومي أن يقهر هذا اللاعلم بالخليل، فقال: (إن أشياء كثيرة من علم الخليل قد خفيت على جمهرة من الدارسين. أقول: إن الخليل أحد الكبار العباقرة الذين هم مفخرة الحضارة العربية، إنه مبدعٌ مبتكر، والإبداع عند الخليل متمثل في عدة عناصر منها: أن الخليل قد وضع أول معجم للعربية فلم يستطع أحد ممن تقدمه أو عاصره أن يهتدي إلى شيء من ذلك.....لم يستطيع معاصروه أن يضيفوا شيئًا أو يقوموا بما قام به كما لم يستطع من خلفه أن يأتي بما أتى).

ويقول أيضًا: (إن الخليل أول من التفت إلى صلة الدرس الصوتي بالدراسات اللغوية الصرفية، الصرفية والنحوية ، ولذلك كان للدراسة الصوتية من عنايته نصيب كبير، فقد أعاد النظر في ترتيب الأصوات القديمية، الذي لم يكن مبنيًا على أساس منطقي، ولا على أساس لغوي، فرتبها بحسب المخارج في الفم ، وكان ذلك فتحاً جديدًا، لأنه كان منطلقًا إلى معرفة خصائص الحروف وصفاتها)[ في النحو العربي، قواعد وتطبيق].

يقول الدكتور يوسف بن محمود فجَّال: ( قليل أولئك العلماء الذين تُجمِع كتب التاريخ على نبوغهم وعبقريتهم وعلميتهم بله صلاحهم وتقواهم وزهدهم، الخليل بن أحمد الفراهيدي أحد أولئك، أولئك الذين سطَّر التاريخ كل ما استطاع أن يسطَّره منهم، بل الخليل فوق ذلك كُلَّه، إذ كان محورًا لصنيع الحياة العقلية العلمية العربية الإسلامية)

وبعد أن استعرض الدكتور فجَّال عبقرية الخليل في اللغة والنحو والعروض والشعر والذكاء والزهد انتهى إلى معجم العين، فقال: (وفي اللغة هو أول من ضبطها، وأول من حصرها في معجم اسمه "العين"، الذي هو أصل كتب اللغة ومنه تفرعت، وهو الذي يحفظ نصف اللغة أو ثلثها) [الخليل بن أحمد عبقري العلماء].

إن الخليل، تناول اللغة بالدرس من القاعدة، وليس من قمة الهرم، كما فعل من سبقه من علماء اللغة؛ فبدأ الدرس اللغوي بما يجب أن يبدأ به، بدأه بدراسة الأصوات "الحروف" التي تتألف منها مفردات اللغة؛ فمن الناحية المنهجية "الميتودولوجية)، الواقع الإجرائي للغة يفرض هذا الأساس كمنطلق قاعدي، لأن الجانب المادي هو المدرك بالدرجة الأولى من قبل الحواس وخاصة "السمع" الذي يستقبل "الصوت" المرسل المسموع، أما من الناحية المعرفية "الإيبستيمولوجية" ألا يدل هذا على وجود نظرية معرفية قائمة بذاتها؟..... يعد الخليل بعلمه الإبداعي أول ممثل لنظرية التشريع الوضعي للغة ويتمثل ذلك في ابتداعه لأصوات اللين القصيرة.... كأن الخليل كان يؤسس لعلم الفيزياء الصوتية عندما كان يختبر الأصوات على مستوى علاقة اللفظ بالمعنى، لأنه جعل مفهومه لفيزيائية الصوت، ولتصنيفه لمخارج الحروف على أساس مناطق النطق الفيزيولوجية دعامة لعلم فقه اللغة. ومن هنا تأتي مسألة المنهج الذي اتبعه الخليل ليؤكد صحة رأيه ؛ فهل كان منهجه معياريا أم كان موضوعيًا؟[بتصرف، أنظر: جعفر يايوش، الصوت بين المعيارية و الموضوعية عند الخليل الفراهيدي].

ومن أحسن ما عرض له العرب في دراسة الأصوات ما نجده عند الخليل من وصف الجهاز الصوتي، وهو الحلق والفم إلى الشفتين، وتقسيمه إياه إلى مناطق ومدارج يختص كل منها بحرف أو مجموعة حروف، وما أشار إليه من ذوق الحروف لبيان حقيقة المخرج، فقد هدي بذكائه المتفوق في ذلك إلى مقاييس صحيحة أقرّ كثيراً منها علماء الأصوات المحدثون[مصطفى السقا وآخرون، مقدمة تحقيق سر صناعة الاعراب].

يرصد الدكتور محمد حسين علي الصغير "الصوت اللغوي في القرآن" أهم ما توصل إليه الخليل في علم الأصوات ووجده في: (حصره للمعجم العربي بأبعاد صوتية فضلاً عن وصف الأصوات منفردة ومجتمعة منضمّة إلى سواها. وإني ليمتلكني العجب حينما أجده يضع حدًا جديدًا، ومعيارًا فنيًا متوازنًا، للكلمات العربية باشتمالها على الحروف الذلق والشفوية؛ وللكلمات الأعجمية التي لا تتشمل على واحد من حروف الذلاقة والشفة. هذا المقياس الفني الصوتي لدى الخليل لم يخطيء ولا مرة واحدة حتى في كلمة واحدة، فيما له من مقياس ما أكلمه. وليس جديدًا بعد العروض السابقة القول بأن الخليل كان ضليعًا بكل تفصيلات الجهاز الصوتي عند الإنسان).

لقد أهتم علماء الأصوات المحدثون بوصف الجهاز الصوتي، وبيان وظيفته في تفصيل دقيق استعانوا على تحقيقه بعلم الصوت الفسملجي، فأعطوا ثمرات جيدة ومفيدة، ولكنها لا تختلف إلا قليلًا عن معطيات قدماء العرب، ولقد اقتصر العالم اللغوي دي سوسور أبرز لغوي أوروبي في العصر الحديث اقتصر في وصفه لجهاز الصوت على تجويف الأنف، وتجويف الفم، والحنجرة بما في ذلك فتحة لسان المزمار الواقعة بين الوترين الصوتيين، وكانت المفردات التي أخضعها للدراسة عبارة عن الشفتين، واللسان، والأسنان العليا، والحنك، واللهاة. بهذا أعطى دي سوسور تفصيلاً مكثفًا لإحداث الأصوات وتوليدها من أجهزتها، يستدرك الدكتور على الصغير فيقول منتصرًا للخليل: (ولكن هذا التفصيل لم يكن ليتأتى له لولا تطور الدراسات الصوتية فسلجيًا وفيزيائيًا وتشريحيًا، أما الخليل فقد اهتدى لذلك فطريًا على وجه العموم، واكتشف ولأول مرة كل التفصيلات الصحيحة لجهاز النطق وإحداث الصوت بذهنيته الوقادة دون الاستعانة بأي علم يتسع لمثل إبداعاته الصوتية في بيئته البدوية. ولم يكن فهم الخليل لأبعاد إحداث الأصوات بمنأى عن الفهم عند دي سوسور، بل لقد زاد عليه في كثير من الخصوصيات الانطلاقية لهذه الأجزاء ـ التي قد تعتبر أولية في مدرسته الصوتية ـ تنم عن إدراك متكامل للموضوع ، وتمرس عميق في قضايا صوتية معقدة).

ونصل الآن إلى النظرية الخليلية الثانية، وكأن كل ما قدمناه سابقًا هو دوراننا في فلك النظرية الخليلية الأولي..(ترجع أصول النظرية الخليلية الحديثة إلى الأعمال الجليلة الرائدة التي قدمها الخليل بن أحمد الفراهيدي مجسدة في أول معجم عربي وهو معجم العين، وفي آرائه العلمية التي تربو على ستمائة رأي) [الكفاية العلمية والتعليمية للنظرية الخليلية الحديثة: يحي بعيطيش، مجلة التواصل ع 25]، لنا أن نسأل ما هي اللسانيات الخليلية الحديثة؟.. والإجابة: هي نظرية عربية جديدة تمثل امتدادًا لنظرية النحو العربية الأصيلة التي وضعها الخليل بن أحمد، نسبها مؤسسها وناشر أفكارها الدكتور عبد الرحمن صالح إلى الخليل لأنه كان الأسبق من غيره إلى استعمال المفاهيم الرياضية لضبط نظام اللغة ووضع علم العروض واختراع الشكل ووضع الحركات على الحروف كما وضع معجم العين، ولماذا هيَ ثانية لأنها امتداد منقى مختار من الآراء التي وضعها النحاة العرب الأوائل وبخاصة الفراهيدي، وتقوم في الوقت نفسه بالتنظير والبحث في الأسس النظرية الخليلية الأولى، وبهذا فهي تعكس بصدق الفكر الخليلي المبدع الخلاق في أسسه ومبادئه النظرية ومفاهيمه ومصطلحاته وإجراءات التطبيقية، يقول الدكتور بشير إبرير: (وإذ يتعذر عليَّ أن أتناول أصالة الخطاب الخليلي المتميز لأنه يحتاج إلى بحث أكاديمي يأخذ حقه من التوثيق وإجادة القراءة ويحتاج إلى زاد معرفي لساني متميز عميق وإلى حنكة منهجية رصينة، فإن أصالة اللسانيات الخليلية تكمن فيما تميزت به من نزعة علمية واتجاه منهجي وعبقرية في الاكتشاف والاختراع) [أصالة الخطاب في اللسانيات الخليلية الحديثة، مجلة العلوم الإنسانية 2005].

أما المعنى الكامن في أصالة الخطاب فيوضحها مؤسس النظرية الدكتور عبد الرحمن صالح، فيقول: (أن يكون الشيء أو الإنسان مبدعًا مهما كان عصره؛ أي أن لا يكون نسخة لغيره بالنسبة إلى الأفكار التي ينتجها، فالأصيل من هو ليس نسخة لغيره مهما كان الزمان، وقد تكون أصالة في زمن قديم وقد تكون أصالة في زماننا هذا، وقد يكون الرجل فريدًا من نوعه في ميدان خاص أو استعماله لبعض الوسائل العقلية وهذا ينطبق على الخليل: الذي لَمْ يُرَ مثله قط في استعماله للوسائل العقلية الرياضية في ميدان اللغة...)[النظرية الخليلية الحديثة، ص86].

وبعد كل ما قدمته وكان من الممكن أن أقدم أكثر منه ــ مكتفيًا بالمحدثين ــ ليبين موافقة العلم الحديث لما توصل إليه الخليل الفراهيدي، ولم أشأ أن ألجأ إلى شهادات المعاصرين له أو من لحقوهم من القدامى، وكان ذلك مقصودًا أمام تلك الأصوات التي تخرج علينا مدعية التطوير مع غمط الرجل حقه ولا تجد من أقوالهم سوى ألاعيب لفظية غامضة تصدر في كتب ثم تتبعها مقالات تشيد بمن كتبوها وما توصلوا إليه وتبشر بهم وبفتوحاتهم.

يقول علوي الهاشمي في كتابه: "فلسفة الإيقاع في الشعر العربي": (إن الأصل المدرك والمحسوس لإيقاع الشعر العربي، منذ بداياته التي نعرفها تاريخيًا، يتمثل في الصورة الصوتية التي كشف عنها الخليل عن وجه من وجوهها الكثيرة، ولم يكشف عنها كما يظن الكثيرون، بقدر ما كشف رؤيته لجانب من جوانبها العروضية، المرتكزة على نظام التفعيلة ضمن وحدة البيت. وبقيت وجوه كثيرة لم يكشف عنها الخليل أو لم تتكشف لرؤيته العروضية ذات البعد اللغوي من جهة والرياضي من جهة ثانية، وذلك لأسباب كثيرة يضيق المجال عن ذكرها).

ثم يقول في موضع آخر: (وهذا يعني أن الخليل لم يكشف عن كل أبعاد الظاهرة الإيقاعية حتى في إطار مستواها الصوتي والكمي "القافية والوزن"، بل ربما أستطيع أن أزعم أنه لم تتجاوز رؤيته سطح الظاهرة الإيقاعية، حيث الأبنية اللغوية والرياضية والمنطقية في بعديها الكمي والصوتي، أي الوزن الخارجي ــ كما ذكرت ــ أما العمق الثاوي تحت ذلك السطح الساكن متموجًا مضطربًا، بل ومكونًا في النهاية صورة الوزن الخارجي، فهو أمر لم يلتفت إليه كثيرًا الخليل بن أحمد إلا في إطار ظاهرة ما سميَّ بالعلل والزحافات، وتُغني هذه التسمية التهجينية عن التكهن بدورها الوظيفي في بنية الإيقاع الوزني ضمن المنظور العروضي أو الرؤية الخليلية...إننا مطالبون بوضع عروض أو رسم خارطة إيقاع الشعر الحديث.. وأرى أن حصر تجارب الشعراء المعاصرينن وخاصةً شعراء الريادة ممن كتبوا على أكثر من نظام إيقاعي "البيت، التفعيلة، النثر"، في جداول إيقاعية من قبل فريق من الباحثين العرب يعد خطوة موازية لعمل الخليل ومكملة لجهوده، ومفضية في الوقت نفسه إلى اكتشاف أبنية أو مجالات إيقاعية جديدة تتميز بالجوانية والخفاء).

يقول الشاعر فرج العربي "ضرورة ايقاع الايقاع و المعنى": (إن ارتباط الايقاع بالوزن الخليلي هو ارتباط بأسباب هي ذريعة قد انتهت وأوتاد لا يمكن لها أن تشدنا وفواصل لم تعد موجودة في الحياة, حيث إن بيت الشعر قد صار شقة أو بيتا فسيحا من الصالات والغرف والفضاء، فالسبب في الأصل هو الحبل والوتد خشبة تغرس في الأرض لتثبت بها حبال البيت, والفاصلة هي جزء من قماش البيت وكلها لبيت الشعر وارتباط هذه المفاهيم ببيت الشعر هو ارتباط أملته ايقاعات قديمة لواقع استوجب هذه التسميات, وحتى الحديث عن التغيرات التي طرأت على التفاعيل مثل الزحاف والعلة لعسر الشاعر أحيانا على أن يكون موقفه دقيقا في الأوزان وحالات الشكل والرقص والكشف والبتر والملم هي حالات ارتبطت بزمن وبوقت لم نعد نعيشه فما الذي يعنيه البتر والرقص والملم عندنا اليوم( [مجلة نزوى ع13]. يقول يوسف الخال: (القافية التقليدية ماتت على صخب الحياة وضجيجها، الوزن الخليلي الرتيب مات بفعل تشابك حياتنا وتشعبها وتغير سيرها) [مجلة شعر، ع3].

يقول منصف الوهايبي "الإيقاع... المصطلح الأجنبيّ ونشأة المفهوم": (أنّ تحّري شتّى الملابسات التي اكتنفت نشأة مفهوم الإيقاع ممّا يمهّد السّبيل لقراءة مجدية تبعدنا عن التّصّورات والتّقديرات المتهافتة كتلك التي تزعم أنّ الإغريقيّ القديم اكتشف"الإيقاع" وهو يتأمّل لعبة الأمواج على ساحل البحر، أو أنّ الخليل بن أحمد استنبط أوزان الشّعر العربيّ وإيقاعاته، من ممرّ له بالصّفّارين، من وقع مطرقة على طست. فمثل هذا الزّعم أو ذاك يجعل مفهوم "الإيقاع" نهبا للصّدف والأهواء العارضة وثمرة الأوهام المتخيّلة، وليس محصّلة تدبّر معرفيّ متأنّ وجهد فكريّ دؤوب. بل ليس ثمّة أقلّ "فطرة" و"سجيّة" من تدبّر مفهوم مثل مفهوم"الإيقاع" يتبدّى لنا ملازما كأشدّ ما يكون التّلازم لصور الحركة المبينة بشتّى تجلّياتها جسدًا أو جسمًا ــ أي نصّا أو خطابا أو موسيقى ــ مرتبطًا بها كأوثق ما يكون الارتباط، شأنه في ذلك شأن كلّ محمول لا ينفكّ أبدًا عن موضوعه.ويشقّ علينا أن نصدّق أنّ قدامانا وقداماهم ـ ونحن نحاول أن نراقب نشوء أفكارهم في"الإيقاع" ومولدها ونموّها وترعرعها، ونتقصّى آثارها ونتتبّع أدوارها ـ وضعوا هذا المفهوم أو ذاك في تسمية الحركة المنظّمة دون أن ينعموا النّظر في بنية الأشياء أو دون أن يستأنسوا بنظرية في"الوزن" أجروها على صور الرّقص أو تموّجات النّشيد، أو من طرائق الشّعراء في إنشاد شعرهم) [مجلة الأوان].

سأترك العلماء يردون على علاقة العبقري اللغوي العروضي الخليل بن أحمد الفراهيدي بالإيقاع، وردهم على ما أثاره الدكتور علوي هاشم وغيره:

يتحدث الدكتور زهير غازي زاهد عن نظرية الخليل العروضية في كتابه القيم "دور البصرة في نشأة الدراسات اللغوية (العروض)"، فيقول: (أدرك من ترجم له ــ أي للخليل ــ من القدماء أن معرفته بالإيقاع والنغم أحدثت له علم العروض فرأهما متقاربا المأخذ، فوزن الشعر هو موسيقاه في الوزن الشعري والإيقاع الموسيقي واحد لأن "نسبة وزن القول إلى الحروف كنسبة الإيقاع المفصل إلى النغم فأن الإيقاع المفصل هو نقلة منتظمة على النغم ذوات فواصل ووزن الشعر نقلة منتظمة على الحروف ذوات فواصل ).


ويرى الدكتور غازي أن نظرية الخليل العروضية تقوم على ثلاثة أسس: أولها، الاستقراء اللغوي الشامل وإدراكه طبيعة اللغة والأسس التي تقوم عليها في أصواتها ومقاطعها وأوزان صيغها وتلك ثمرة وعية للغة والاحاطة بشعرها ونثرها عامة ووعيه القرآن الكريم وقراءاته، وثانيها، القياس وأبعاده اللغوية والعقلية وتدخل في هذا المجال معارفه التي ساعدت في إعطاء القياس عمقًا وأبعادًا اتصف بها الخليل فقياسه قياس لغوي وهو طابع القياس لدى لغويي عصره حتى نهاية القرن الثالث، وآخرها، التعليل وما كان لديه من القدرة على إعطاء التفسيرات والتبريرات للظواهر اللغوية التي تشذ أو تخالف القواعد المطردة، لقد أحس مترجموه بهذه القدرة فذكروها له فهو "استخرج من العروض واستنبط منه ومن علله مالم يستخرج أحد".

يبين الدكتور زهير غازي علاقة الخليل بالإيقاع فيقول: (لقد استطاع الخليل بعد استقرائه الشامل للعربية أن يوجد أساسًا للإيقاع فوجد العربية مؤلفة من أصوات وحروف، هذه الحروف أساسها المتحرك والساكن وفي ذوقه للحروف حاول أن يحدد مخارجها وقد وجد أن الساكن لاينطق به إلا في ظل الحركة وأن الساكنين لا يجتمعان في العربية إلا إذا كان أولهما صوت لين ووجد أنه لا يجتمع أكثر من أربع متحركات في الشعر وعلى هذا حاول أن يبدأ بإيجاد مقاطع تؤلف أجزاء يقيس بها الوزن).

يقول الأستاذ ميشيل أديب كلمته في إيقاع الشعر وموسيقاه مفندًا، ومحللًا تلك الأراء القديمة الجديدة في العلاقة بين الخليل والإيقاع: )ممّا يدلّ على سذاجة الرؤية إلى علم العروض لدى كثير من العروضيين، أنهم ربطوا بين النغم والإيقاع في الشعر، وبين الأصوات التي يسمعها من يقصد سوق النحّاسين، فقبلوا أن يكون دافع هذا العلم لدى الخليل، أنَّه مرَّ بسوق الصفّارين، فسمع وقع مطارقهم على الطسوت، فأداه ذلك إلى تقطيع أبيات الشعر.وبرؤية أعمق، جاء في مقابسات التوحيدي [414هـ/1023م]: "يقال ما الإيقاع؟ الجواب: فعلٌ يكيل زمان الصوت بفواصل متناسبة، متعادلة". وأكثر من كاتب أو باحث أو دارس، ممّن تصدّوا لموضوع الإيقاع الشعري، ربطوا بين التلوينات اللفظية وبين التناسب بينها في البيت الشعري، كما ربط الموسيقيون بين النقرات في أدوارهم والإمساك فيها، وبين الفواصل الزمنية المتناسبة في هذه الأدوار؛ لذلك يقول السيوطي [911هـ/1505م] في المزهر: "إن أهل العروض مجمعون على أنه لا فرق بين صناعة العروض وصناعة الإيقاع/. ولقوة هذا التشابه بين رموز العروض ورموز الإيقاع، وصف الكندي [250هـ/864م]، السبب الخفيف في الإيقاع، فقال: نقرة وإمساك، ورمز له 0- "حركة وساكن عند الخليل 10" كما رمز للوتد المجموع "00-" وهو نقرتان وإمساك "حركتان وساكن عند الخليل 00/"، واسحق الموصلي [285هـ/898م]، عرّف الإيقاع بأنَّه حركات متساوية الأدوار، تضبطها نسبٌ زمانية محدودة المقادير على أصوات مترادفة في أزمنة تتوالى متساوية، كل واحدة تسمَّى دورًا"، وفي الفصل الثاني والثلاثين من المقدمة، جاء قول مؤلفها ابن خلدون [808هـ/1405م] أثناء حديثه عن صناعة الغناء:"هذه الصناعة في تلحين الأشعار، والموزونة بتقطيع الأصوات منتظمة معروفة.... يلذُّ سماعها لأجل ذلك التناسب..."، وعندما قرأ المستشرقون والمتأثرون بهم من العرب ما يعانيه دارسو العروض من مصاعب هذا العلم، وغموض دوائره وكثرة ألقابه، لكثرة زحافاته، ظنّوا أنهم مطالبون بتحديث العروض وإدخال بعض المصطلحات الجديدة على علم العروض، ممّا لم يذكره الخل

التعليقات