الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

التحليل السياسى

الكاتب : د/ حسن الغنيمى


هو عملية البحث في الاحتمالات الممكنة لمسارات التفاعلات بين القوى السياسية في المجتمع وتفسير علمي واضح لنوع العلاقات بين هذه القوى السياسية الداخلية والخارجية، وهو الطريقة التي نحكم بها على الظواهر والأحداث السياسية محلياً وإقليمياً وعالمياً، ولذلك فهو يحتاج إلى فهم الواقع السياسي للبلد وعلاقة هذا الواقع السياسي بالسياسة الدولية.

ولهذا فإن التحليل السياسي هو شكل من أشكال العمل السياسي، والحكومات الناضجة تعتمد على التحليل السياسي في اتخاذ قراراتها السياسية فيما يتعلق بالشأن الداخلي أو الخارجي للدولة، ويتم التحليل السياسي وفق معايير وقواعد وأسس محددة.

ما المقصود بالتحليل السياسي؟

التحليل السياسى هو عملية بحث وتفسير حدث معين، ومعرفة أسبابه والاحتمالات الممكنة له. وغالباً ما يتعلق بفهم وشرح موقف اُتخذ من جانب جماعة أو حزب أو دولة..إلخ تجاه موقف محدد وتفسير ذلك.

و هو في النهاية وسيلة يتم من خلالها إيصال فكرة أو وجهة نظر معينة إلى المتلقي من خلال عرض جميع جوانب الحدث واستنتاج أسبابه ودوافعه، وتوقع ما سوف تؤول إليه الأحداث في المستقبل، ومعرفة تأثيراته على الواقع، وذلك بأفضل وأسهل أسلوب ممكن أن يستوعبه المتلقي محاولاً الإجابة عن الأسئلة المعلقة والمبهمة لديه، وكذلك محاولة التأثير عليه، وبالتالي يكون لدى المتلقي تصور ورأي تجاه حدث يشاهده ويسمع عنه.

وهو علم وفن لا يتقنه إلا القلة من السياسيين والإعلاميين، فهناك خلط واضح وكبير بين إبداء الرأي وطرح فكرة أو تصور تجاه قضية محددة، والتدليل على صواب الرأي وبين التحليل السياسي، الذي يجب ألا يحمل رأي المحلل، ولكنه يكون عرضاً للحقائق المصحوبة بالدلائل والوثائق والبراهين.

وكذلك من الأمور المهمة التي يجب مراعاتها في التحليل السياسي الفصل بين الإمكان والنية، فالإمكان هو قدرة طرف معين باتخاذ طريقة حل معينة. والنية هي العزم والإصرار على تنفيذ هذه الطريقة، وهذه أصعب بكثير من معرفة الإمكانات.
مثال على ذلك: هل لدى إسرائيل القدرة على ضرب المفاعل النووي الإيراني؟ وهذه تسمى الإمكان، أما النية فهي هل إسرائيل سوف تقوم بضرب المفاعل النووي الإيراني؟، وهنا يتضح الفارق الكبير بين الإمكان والنية فمعرفة الإمكانات أسهل بكثير من معرفة النوايا.

ما هى مواصفات وإمكانات المحلل السياسي الناجح؟

المحلل السياسي هو ذلك الشخص الذي يقوم بعملية التحليل. وكلما كان لديه معلومات كثيرة وصحيحة ومصادر متعددة كانت رؤيته السياسية صائبة، وكان تحليله أقرب للحقيقة.

وعملية التحليل السياسية عملية معقدة وصعبة، وتحتاج إلى الكثير من المهارات والصفات الواجب توفرها في المحلل السياسي، وأهمها:

المعرفة والثقافة:
وهي الأساس الذي يجب أن تتوفر في المحلل مثل التأهيل المناسب وقاعدة معلومات وبيانات وكذلك مواكبة الأحداث والمتغيرات على الساحة السياسية ومراعاة الظروف السياسية الراهنة.

التخصص:
لا شك أن الثقافة العامة مطلوبة في كل شيء لاسيما في المحلل، ولكن يجب أن يكون المحلل شخصاً متخصصاً في الموضوع المراد تحليله سواء كان سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً وغيرها من المجالات، فالخبرة والمعلومات التي يمتلكها المتخصص لا تتوافر لدى الآخرين وتكون ذات فائدة كبيرة.

الدقة:
على المحلل دائماً تحري الدقة والابتعاد عن المعلومات الخاطئة والمضللة والبعيدة عن التهويل أو التهوين وإنما عرض الحقيقة المجردة حتى تكون لديه المصداقية في تحليله.

بُعد النظر:
ويقصد به أن يكون لدى المحلل الرؤية الثاقبة للموضوع وما قد تؤول إليه الأحداث وعدم الانخداع ببعض المؤشرات، بالإضافة إلى القدرة على ربط الأحداث واستخلاص النتائج، وكذلك على المحلل الابتعاد عن الأحكام المسبقة والقياس على أحداث مشابهة دون مراعاة اختلاف الظروف والمعطيات.

التجرد من العاطفة:
وهذه من الملاحظات المهمة التي يجب مراعاتها بحيث لا يخلط المحلل بين معتقداته وعواطفه، ففي الحقيقة كلما كان عرض الموضوع بحيادية وموضوعية كان ذلك في صالح التحليل.

القدرة على الإقناع:
وهذه ملكة قل ما يتصف بها شخص معين، وهي تحتاج إلى صقل وتدريب واستخدام أساليب مشوقة لشد انتباه المتلقي، وكذلك التركيز على النقاط المهمة ومحاولة أبرازها بشكل واضح.

ما هى فوائد التحليل السياسي؟

1) البعد عن الأحكام المطلقة، والبحث في كافة الاحتمالات الممكنة، ودرجة القوة في هذه الاحتمالات ومدى تأثيرها، ومن ثم ترك المجال لتعدد وجهات النظر وقبول الرأى الأخر.

2) معالجة القضايا والمواقف بشكل أكثر وعياً وعمقاً، والبعد عن المعالجة العاطفية أو التي لا تستند إلي أدلة واضحة يمكن أن يقبل بها الطرف الأخر.

3) عدم الوقوف عند رأى واحد وإغلاق الباب أمام آراء الآخرين حتى وإن كانت أكثر قناعة أو موضوعية، وبالتالي القدرة علي مناقشة الآراء وتفنيدها، ومراجعة النفس إن وجدت الصواب أكثر في رأى غيرها، والتعود علي احترام الرأى الآخر.

ما أبرز مدخلات التحليل السياسي؟

1) الخبرة التاريخية والمعلومات السابقة عن الموضوع المطروح للتحليل.

2) المعلومات الحالية مثل أقوال المسؤولين– المفكرين– صانعي الأحداث–الأخبار الموثقة المتداولة في وسائل الإعلام من إذاعة وصحافة وتليفزيون وإنترنت … إلخ.

3) المعلومات الخاصة التي يمكن أن يحصل عليها كاتب التحليل السياسي بحكم موقعة أو اتصالاته أو بحثه، وكذلك مدى عمق خبرته في المجال الذي يكتب فيه.

كيف تكون لغة التحليل السياسي؟

لغة التحليل السياسي ينبغي أن تبتعد عن المبالغات وكثرة ضرب الأمثلة ، وأن تبتعد عن اللغة العاطفية أو الأدبية الزائدة، وكذلك أن تبتعد عن التوجيه المباشر أو الخطابة أو الإقناع بالتخويف أو إطلاق الاتهامات دون بحث ومعلومات. كما يستخدم التحليل السياسي المصطلحات السياسية المعروفة التي لها مدلولات محددة في ذهن غالبية القراء مثل: حلف الناتو – اتفاقية الجات –الحرب الباردة – اتفاقية أوسلو …. إلخ.

ما الفرق بين التحليل والمقال؟

المقال يعالج فكرة واحدة يدعو إليها أو يرفضها، ويحمل رأى كاتبه ويقدم رؤيته حسب خبرته وتجربته واجتهاده، أما التحليل فيعالج العلاقة بين القوى المختلفة، والمفترض أنه لا يحمل رأى كاتبه ولكن يسير وراء الأدلة والبراهين، وبالتالي يتسم بالموضوعية والعلمية.

هل التحليل السياسي ينبغي أن يكون محايداً وموضوعياً؟

في كل العلوم الإنسانية: الآداب - الاجتماع – الفلسفة – التدين والعقائد – السياسة.. إلخ، من الصعب أن يكون الكاتب محايدا حياداً كاملاً؛ لأن الكاتب في كل الأحوال يتأثر بثقافتة وبيئته ورؤيته الشخصية وتجربته الخاصة وهدفه من وراء هذا التحليل، وكذلك الصحيفة أو المجلة التي يمكن أن تنشر هذا التحليل، والدولة التي ستسمح بنشره … إلخ، ولكنه عموماً أكثر حياداً من أشكال أخرى في العلوم السياسية. إلا أننا إذا كنا نتحدث عن الوضع الأمثل للتحليل السياسي، فإنه يمكن القول إن التحليل السياسي ينبغي أن يكون محايداً وموضوعياً.

كيف تكتب تحليلاً سياسياً؟

كاتب التحليل لابد أن يكون قارئاً جيداً خصوصاً في المجال الذي يرغب في الكتابة فيه، ولا يمل من البحث عن معلومات حقيقية من مصادر موثوقة. ومصادر المعلومات إما حية وهي الأشخاص وإما غير حية مثل الكتب والوثائق والصحف وأجهزة المعلومات: إذاعة – تليفزيون – إنترنت.. إلخ.

وكاتب التحليل يتصور كافة الاحتمالات المطروحة في محاولة للتفسير الموضوعي والمقنع والمحايد للأسباب وكذلك للنتائج المتوقعة أو أقربها إلي ذلك. وكثرة الكتابة والمتابعة وقراءة نماذج من التحليلات السياسية سوف تؤدي بالتالي إلي الإجادة سواء من حيث طريقة العرض أو سلامة الأسلوب أو حجم المعلومات المتوافرة.

كيف يمكن تحليل النص السياسي؟

هناك أربع مراحل يمر بها العقل الإنساني خلال قراءاته للنص السياسي بغية تحليله سياسياً لتحقيق الهدف، وهو أن يحصل علي ثلاثة أنواع من المنتجات الفكرية حول النص السياسي: معلومات وبيانات خام (أرقام – حقائق) عن أشياء أو أحداث معينة، وتحليلات وتصورات عن هذه الأحداث والأشياء، ومواقف واتجاهات لكاتب أو اتجاه إزاء الأحداث والأشياء. وأما الخطوات الأربع التي يمر بها العقل الإنساني، وهو يقوم بتحليل النص السياسي فيمكن تبسيطها فيما يلي:


الأولي: مرحلة تركيز النص:

تشمل معرفة كل ما يحيط بالنص من بيئة معينة تؤدي معرفتها لزيادة الفهم والمعرفة بالنص السياسي المعين ويشمل ذلك معرفة:

- التاريخ:

فمعرفة توقيت كتابة النص السياسي أمر ذو دلالة في بعض الأحيان

- المؤلف:
من المفيد لتحليل النص السياسي أن نعرف جيداً أكبر قدر ممكن من المعلومات حول الكاتب: مركزه ودرجته العلمية، اختصاصه الأصلي، دراسته الأصلية، لأن ذلك يعين علي فهم أسلوبه، وصلاته بأي من الأجهزة أو الهيئات الحاكمة وغيرها مما يساعد علي فهم وتفسير اتجاهات كتابته.
- أين:

ترد علي الإطار الضيق أو المرجع الذي نشر فيه النص السياسي ( كتاب- صحيفة- مجلة)، وبالتالي يكون للنص اتجاه سياسي معين، أو قيمة علمية تبعاً لذلك، فأهمية المقال أو النص السياسي تكون وفقاً للمصدر المنشور فيه.

الثانية: مرحلة استكشاف النص السياسي:
يحاول المحلل في هذه المرحلة أن يوضح الغامض أو المبهم من التعبيرات سواء أكانت كلمات بسيطة أو مفاهيم أساسية أو أفكار … إلخ. فلا يجب أن يهمل أيه كلمة لا يعرف معناها أو يأخذ المعني المباشر الذي قد يتبادر إلي الذهن لأول وهلة – خاصة إذا كانت الكلمة ترتبط بحقل علمى معين كالسياسة، أو القانون أو الفن، أو الآداب، فيجب أن يحدد معني الكلمة في هذا الحقل العلمى ثم معناها في الاستخدام الشائع. أما بالنسبة للأفكار، فعادة يضم النص السياسي عدة أفكار أساسية، أو فكرة محورية، وهناك عدة أفكار أساسية في كل تخصص أيا كانت التعبيرات المستخدمة للدلالة عليها، ففي السياسة هناك عدة أفكار أساسية في مجال القيم السياسية كالعدالة والديمقراطية والمساواة، وفي مجال الحركة السياسية كالتوازن والتطور، والتحديد، … إلخ. ويجب وهو بصدد تحليل النص السياسي – أن يفحص هذه الأفكار بدقة، لأنها تعطيه إطاراً عاماً عن النص السياسي أو تكون ما أطلقنا عليه ( النظام العام ) للنص السياسي.

الثالثة: مرحلة الغوص في بنية النص السياسي:

يتوقف المحلل في هذه المرحلة أمام موضوع وجسد النص السياسي ويفحصه من الداخل، وهناك ثلاثة أنواع من البني يشملها النص السياسي يتم التوقف أمامها:

أ- البنية الطبوغرافية للنص السياسي:
بمعني تضاريس النص السياسي وهيكله، عندما يقوم المحلل بتحليل النص السياسي سوف يجد أن بعض النصوص السياسية مقسمة إلي عدد من المقاطع كل مقطع عادة ما يتضمن فكرة معينة، ومن تجميع المقاطع تتجمع الأفكار الأساسية في النص السياسي.

وأحياناً تكون في النص السياسي فكرة واحدة حاكمة ومحورية ينبثق منها عدة أفكار جزئية ومساندة تدعمها، عندئذ يكون النص السياسي مجمعاً حول هذه النقطة.
فيجب الالتفات إلي كل هذا وأخذه في الحسبان وأيضاً يجب الالتفات إلي مسألة التسلسل في الأفكار وانتظام تنسيقها.

ب- البنية اللغوية:
وهي ذات دلالة خصوصاً فى النصوص السياسية الهامة، وتشمل البنية اللغوية كل ما يندرج في إطار اللغة مما له دلالة: صيغ الجمل خاصة صيغة النفي والنهي، محل الجملة من الإعراب – حروف الوصل والإشارة.. إلخ، لأن هذه الصياغات في كثير من الأحيان كاشفة عن غايات النص السياسي.

ج- البنية المنطقية للنص السياسي:
المنطق هو لغة العقل المنظم، وعادة ما يحتوى النص السياسي الجيد علي قاعدة منطقية أو أكثر يدور حولها بناء النص كله ويستدل منها علي النص السياسي، ومن هذه القواعد المنطقية ذات الدلالة التي ينبغي الانتباه اليها عند تحليل النص السياسي:
- الانتقال من القاعدة الكلية إلي الوقائع والأحداث الجزئية: أي أن ما يصدق علي الكل ينصرف بالضرورة علي المكونات والأجزاء الداخلة في تكوينه، فإذا كان التحليل الكلي قد توصل إلي أن نظاماً معيناً يتسم بالفساد السياسي، فإن ذلك بعدا دالاً على أن أنظمته الفرعية أ- النظام الاجتماعي ب- النظام الاقتصادى ج- النظام الثقافي د- النظام السياسي تتسم بنفس السمة التي تسم النظام ككل باعتبارها جزء منه.
- الانتقال من الوقائع الجزئية إلى القاعدة الكلية: أي أن ما يصدق علي "الجزء" يصدق بدرجة احتمال عالية علي "الكل" أو علي مجموع الأجزاء، فإذا صدق تحليل جزئية معينة من النظام السياسي بأنها تتسم بسمات محددة معينة فمنطقى أن الأمر يصدق علي النظام السياسي بوجه عام ككل. فإذا كان النظام القضائي مثلاً غير منضبط فإن الأمر الأكثر احتمالاً أن ذلك يتصرف أيضا الي كافة الأنظمة الرئيسية كالنظام الإداري والتنفيذي …. إلخ.

المرحلة الرابعة: البحث عن غاية النص السياسي:

السؤال الذي يبحث عنه المحلل في هذه المرحلة هو: ماذا يريد الكاتب أو صاحب النص السياسى أن يقوله لمن يوجه إليهم الخطاب في النص السياسي أو ما هى الرسالة التى يحملها النص السياسى ويريدها أن تصل للقارئ؟. وبالطبع فإن البعض قد يتعجل من القراءة الأولية للنص السياسي، ويحاول أن يستخرج غايته، ولكن هذه العملية لا تكون منهجية إلا إذا كانت تتويجاً للمراحل السابقة ويتم الاستعانة بهذه المراحل جميعا سواء المرحلة الأولى أو الثانية أو الثالثة …. إلخ.

المرحلة الخامسة: في هذه المرحلة وبعد المرور بكافة المراحل السابقة يصل المحلل إلى فهم:

- غاية النص السياسي بعد التنقيب وليس انطلاقا من أحكام أولية.
- العناصر الأساسية في النص السياسي (معلومات، أفكار، مفاهيم).
- تقسيمات النص السياسي.
وبالطبع يستطيع المحلل بعد ذلك أن يقدم تعليقاً علمياً على النص السياسي، ومن تجميع هذه التعليقات حول أكثر من نص سياسى حول ذات الموضوع يستطيع المحلل أن يكون له رؤية سياسية خاصة حول موضوع من الموضوعات بطريقة علمية ومنهجية.

ما المبادئ الأساسية للتحليل السياسي؟
- تعدد العوامل وتباين أوزانها النسبية:

لتحليل الظاهرة السياسية أو الحدث السياسي ينبغي الرجوع لعوامل كثيرة اقتصادية، استراتيجية، ثقافية، اجتماعية … إلخ، ولا ينبغي الاعتماد علي عامل واحد في التحليل والتفسير مهما كانت أهميته ويرجع ذلك لاعتبارين:

أ- تعقد الظواهر السياسية وتشابك أبعادها.
ب- كلما تعددت النوافذ التي نرى منها الظاهرة السياسية كلما كان الفهم والتحليل أقرب الي حقيقة الواقعة أو الحادثة السياسية.

- تطور البعد الزماني للظاهرة السياسية:
فالظاهرة السياسية "حلقة" في سلسلة من الأحداث والوقائع لا يمكن فصلها عن بعضها ومن ثم فالظاهرة السياسية: لها ذاكرة تاريخية أي لها ماض معين وسوابق محددة. ولها واقع حال، ولها تأثيرات وتفاعلات تتعدى واقعها المحدود لتؤثر في المستقبل أى أننا كى نفهم الظاهرة السياسية ينبغي أخذ الأبعاد الثلاثة في الاعتبار تاريخ الظاهرة – واقع الظاهرة – مستقبل الظاهرة.

- إطار تفاعل الظاهرة المكاني: المحلي والإقليمي والدولي:

هناك ثلاثة أطر أساسية لتحليل أية ظاهرة أو حدث سياسي محدد وذلك علي النحو التالي:
أ- الإطار المحلي: الذي تنبع منه الظاهرة أو يقع في إطاره الحدث السياسي ويشكل البيئة الداخلية له.
ب- الإطار الإقليمي (القومي): الذي ينتسب إليه الإطار المحلى ويؤثر فيه بدرجات متفاوتة وقد يكون بالغ الأهمية ويفوق الأول في تأثيره.

ج- الإطار العالمي: وهو الإطار الكلي الذي تحدث أو من المفترق أن تحدث في ظله الظاهرة السياسية وأحيانا يكون الفاعل الأساسي وغيره في ذلك الأمر أقل أهمية.

وهذه الأطر الثلاثة لازمة عند تحليل آيه أحداث أو ظواهر سياسية أيا كانت طبيعتها ونلاحظ أن البعض في الوقت الراهن يضخم من مستوى الإطار الثالث في التحليل ومن ثم ينبغي ملاحظة ما يلي:

أ- ضرورة عدم الوقوع في تضخيم دور العامل الخارجي والاستراتيجيات الدولية ودور أمريكا والصهيونية العالمية.

ب- توخي عدم الوقوع في شراك التفسيرات التآمريه للأحداث والوقائع السياسية المختلفة وهو التفسير الذي يأبي إلا أن يرى ما يحدث في كل بقعة من بقاع العالم الثالث جزءاً من مؤامرة أو مخطط كبير مرسوم ومعد مسبقاً في البيت الأبيض أو داوننج ستريت …… إلخ.

ولا نريد هنا أن ننفي ما للدول الكبرى من دور بل أدوار خطيرة في صنع القرارات السياسية في العالم الثالث وما يخططون له باستمرار لإجهاض حركة الشعوب، أو سعي بعض الأنظمة للتحرر من الدول الكبرى فكثير من مصائب العالم الثالث وويلاته كتبت سيناريوهاتها في الشرق والغرب، ولكن المبالغة في هذا التفكير تفقد الأفراد والجماعات توازنها الفكري والسياسي حيث أن لذلك سلبيات عديدة منها:

* تعطيل وتجميد العقل عن التفكير في خلفيات ودوافع الأحداث حيث أن تسمية كل حدث بأنه مؤامرة وحبك قصة أو سيناريو معين هو أسهل أنواع التحليل السياسي.

*تضخيم مبالغ فيه في قدرة الأعداء علي صنع الأحداث من أكبرها حتى أدقها وهذا من شأنه أن يخلق حالة من الانهزامية لدى الشعوب والجماعات أمام القوى الكبرى.

* أن هذا التفسير للأحداث هو تبرير مقنع لدى الكثيرين للتقاعس عن العمل لإحداث التغيير في مجتمعاتهم، حيث أنه بزعمهم لا يمكن إحداث تغيير نظام سياسي أو إحداث تطور سياسي في أي بلد إلا بعد الحصول علي أذن وتصريح من أمريكا.

* التقليل من دور الشعوب في العملية السياسية، حيث أن كثيراً من الأحداث العامة في العالم هي من صنع الشعوب أو نتيجة كفاح الحركات والتنظيمات الثورية في العالم.

- اختلاف طبيعة التحليل وفقا لطبيعة الأنظمة السياسية الحاكمة:

حيث تختلف طبيعة المدخل التحليلي لأي حادثة أو ظاهرة سياسية وفقاً لطبيعة النظام السياسي– كفاعل أساسي – فيها وهذه الأنظمة هي النظام الدكتاتوري – الشمولي – التسلطي – التعددي – الديمقراطي.
ما الفرق بين التنبؤ والتوقع والتخمين؟
التنبؤ هو تقدير مستقبلي معتمد علي نماذج إحصائية تم اختبار سلامتها، وجربت وتعطي نتائج دقيقة – تقدير مقتبس يمكن التدليل والبرهنة لكل تفاصيله وعمومياته.

أما التوقع، فهو تقدير مستقبلي معتمد علي القدرة الذاتية في تطويع البيانات المتسقة بالمحتوى المراد تقديره – تقدير موجه عام ولكن غير مقتبس يمكن تدليل عمومياته فقط ولكن التفاصيل لا.

وأما التخمين فلا يستند إلي أي أسس أو مؤشرات ولكن فقط خيالات.

ما أهمية التنبؤ واستشراف المستقبل السياسي؟

تعد دراسات المستقبل أحد العلوم المهمة المبنية علي أسس واقعية، ودون الدخول في تفاصيل فإن الأحداث أو الظواهر الأساسية المهمة غالباً ما يكون لها امتداداتها أو تأثيراتها المستقبلية، فلا يقتصر تأثيرها علي الواقع اللحظي أو الآني بل ربما يمتد لأجيال بعيدة، ومن هنا تأتي أهمية التنبؤ بالأحداث والوقائع السياسية أو بآثارها المستقبلية (وكانت قديماً شائعة في الفقه الإسلامي محاولات من هذا القبيل: الفقه الافتراضي).

كيف تستطيع التنبؤ؟

* حدد وحلل ما تم إنجازه مسبقا (في حالة وجوده) وكيفية الاستفادة منه.
* حدد ظروفك البيئية الحالية.
* حدد أهم العوامل أو القوى المحركة لهذه الظروف.
* حدد أثر هذه العوامل أو القوى المحركة في المستقبل.
* فكر بجدية "ما المحتمل ظهوره علي الساحة في الفترة القادمة من هذه العوامل سواء عوامل جديدة أو سبق ظهورها من قبل"؟.
* جمع البيانات وقيم المعلومات التي وصلت لها، وحاول أن تربط بينها وتجمع الأمور لتصل إلي شيء محدد، وعليك أن تستخدم في ذلك رأى من له خبره بالأمور عن اتجاهات المستقبل والتغيرات المتوقعة في سلوك الأفراد والمجتمع

التعليقات