الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

السيرة والمصطلح والنظام

- سار.. يسير.. سيرًا.. فهي سيرة..
ثم ينتقل بنا الأستاذ الأزهري إلي التعريف الاصطلاحي للسيرة، والتي يخصصها للرسول محمد بن عبد الله ــ عليه الصلاة والسلام.
ما زالت هذه الواقعة شاخصة في ذهني، رغم مرور أكثر من ربع قرن عليها، حين كنتُ طفلاً اتلقى العلم في أحد المعاهد الأزهرية في إحدى مدن صعيد مصر، فقد تعلمت من هذا الأستاذ الأزهري؛ والذي لا أتذكر اسمه ولا الكثير عنه؛ أهم درس في حياتي العلمية والعملية كلها، وهو درس المصطلح.
قال لي الأستاذ الأزهري: بالمصطلح تزيل الضباب بينك وبين الآخرين، وتقيم جسور الحوار معهم لأنكم تكونوا بعد ضبط المصطلح تتحدثون عن الشيء نفسه ومفهومه واضحٌ وجلي في أذهانكم جميعًا، لا تتحدثون عن شيءٍ وكل واحدٍ منكم يتصوره كما يشاء ويفهمه كما يشاء، فإذا بكم تفيقون ولا تجدون أي جسور بينكم، تنتبهون وإذا الضباب يغشاكم وكل منكم علي ضفةٍ بعيدة عن الأخرى ولا تكادون تسمعون بعضكم بعضًا.
وكلما مرت بي الأيام في حياتي العلمية أو العملية أجد كلمات هذا الأستاذ الأزهري ترن في أذني وتتشكل من جديد، فما يعترينا من خلاف يرجع في كثير منه إلي عدم ضبط مصطلحاتنا ولغتنا. النظام المصري قبل 25 يناير 2011م كان يقول: الديموقراطية، الممارسات الديموقراطية، الحقوق الديموقراطية. وتجد أنه يفهم الكلمة "ديموقراطية" بشكلٍ مختلفٍ عما يفهمها الكثير من أبناء الشعب المصري، لذلك، تجد أن الشباب نزل إلي الشوارع يصرخ بكلمة مادية لا تحتمل التأويل ولا اللبس ولا الخلط المفاهيمي ولا العمى الاصطلاحي: عيش.
رغم بساطة هذه الكلمة "عيش"، إلا أنها لخصت الكثير من الرسالة الشعبية، فهي تنادي بشيء مادي متفق عليه وعلي أهميته للإنسان المصري، "العيش" القاعدة الأولي في الطعام.. الحد الأدنى للحياة.. طعام الملايين من أبناء الشعب المصري. ثم أكملت الجماهير رسالتها: عيش.. حرية.. عدالة إجتماعية. وهي تمسك بلغة واصطلاحات بسيطة تراها آمالها، وكان ينبغي أن تكون محور دستورها الذي تأمل فيه، لكن هاهي النخب تعود للحكم دون أن تحاول أن تفهم مصطلحات شعبها، وهي المصطلحات التي تعبر عن تطلعاته ورغباته الحقيقية، والتي لن يهدأ دونها: عيش (الباب الأول في الدستور)، حرية (الباب الثاني)، عدالة اجتماعية (الباب الثالث)، لكن الجميع كان مشغولاً حال صياغة الدستور الأخير بالأمن القومي للدولة المصرية والذي هددته جماعة الإخوان الإرهابية بعد استيلائها علي السلطة في مصر بعجرفة، فجعل الجميع يفقد بوصلته، واتجاهاته الحقيقية.
ولا يختلف الأمر في قاعة الدرس العلمي عن الشارع، فحياتنا العلمية مليئة بكثير من المصطلحات التي نتداولها دون أن ننتبه أو نعي أن بعضنا لا يكاد أن يفهم البعض الأخر، ودون أن يبذل بعضنا الجهد اللازم الذي بذله معنا ذلك الأستاذ الأزهري في ذلك الصباح البعيد ، حين وقف يوضح لنا أهمية المصطلح في درسنا العلمي وحياتنا العملية، وهو يشرح أول دروسنا في مادة السيرة النبوية، والتي لا أعلم إذا ما كانت لا تزال تُدرس في المعاهد الأزهرية حتى الآن أم لا.
قال لي أحدهم لماذا تهتم بالسيرة الذاتية وهي فن دخيل علي حياتنا الأدبية؟ فقلت له مشاغبًا: لعلك تقصد الترجمة الذاتية؟ فأجاب: نعم. فقلتُ: لكني أعمل علي السيرة الذاتية لا الترجمة الذاتية، فأيهما تقصد؟
أحس الرجل أنه سقط فيما لا يعرف، فقال: أيوجد فرق بينهما؟! فأجبته: عند من قالوا لك أن السيرة فن دخيل علي آدابنا العربية، لا يوجد فرق بين أي شيء. فهم يبخسوننا بضاعتنا التي بين أيدينا والتي هي تراثنا، ويتطلعون إلي بضاعة غيرهم، في حين أننا لا نبخس الآخرين بضاعتهم ونفهم عنهم صناعتهم، ونعتني ببضاعتنا وصناعتنا، قدر حرصنا علي التعرف علي بضاعتهم وتعلم صناعتهم.
في العلوم الإسلامية والعربية، والتي يحرص الأزهر علي تعليم أبناءه حظًا منها، نجد الدرس العلمي يبدأ بالتعريف اللغوي ثم الاصطلاحي داخل الحقل العلمي الذي يُدرس. إنهم يصنعون اتفاقًا عما يتحدثون ويدرسون، لا يتحدثون ويتخاصمون فيما لا يعرفون. فيتم التفريق بين الكلمة في المحيط اللغوي التواصلي والحقل التخصصي، ثم يتم وضعها في مقامها العلمي التخصصي كمصطلح.
لنتخذ من كلمة "سيرة" مثالاً لهذا، فنجد أن كلمة السِّيرة (بكسر السين) في اللغة تعني الطريقة، أما السَّيرة (بفتح السين) فتعني الذهاب نهارًا وليلاً، ويضاف إليهما السُّيرة (بضم السين) بمعني الشخص كثير السير. هذه الاشتقاقات من الفعل "سار" الذي مضارعه يسير، منه جاءت السيارة، والمسيرة، وغيرها من الكلمات التي نستخدمها في حياتنا اليومية. إن أقدم استخدام اصطلاحي لكلمة "سيرة" كان علي يد (محمد بن إسحاق) في كتابة "السيرة النبوية لابن اسحاق". وهي تشمل حياة النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل البعثة، وشيئًا من أخبار الجاهلية، ثم سيرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد الهجرة، ثم حياته في المدينة المنورة، ومغازيه، وبعوثه، حتى وفاته ـ صلى الله عليه وسلم. ومنهج ابن إسحاق في تحرير كتابه يقوم على إيراد الأخبار بالأسانيد التي وصلت إليه، وبعضها موصول، وبعضها منقطع أو معضل، في حين أن بعض الأخبار يوردها بدون إسناد. وبهذا المنهج يحاول ابن إسحاق أن يجمع في تحرير كتابه "السيرة النبوية لابن إسحاق" بين منهج المُحدثين القائم على الأسانيد، ومنهج الإخباريين المتحررين من الالتزام بالأسانيد. وكان تدوينه هذا علي نحو منتصف القرن الثاني الهجري (حوالي: بداية النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي).
وقد تلاه في استخدام مصطلح "السيرة"، واشتهر بهذا الاستخدام ابن هشام الذي تُنسب السيرة النبوية إليه، إلا أنه كان له فضل التهذيب علي مصنف ابن إسحاق الأسبق؛ "السيرة النبوية لابن إسحاق"؛ ليضع لنا مصنفه الأشهر "السيرة النبوية لابن هشام" في بداية القرن الثالث الهجري (القرن التاسع الميلادي)، وقد أوضح ابن هشام لنا في مقدمته لكتابه "السيرة النبوية" ما أحدثه من التغييرات المنهجية في تهذيبه لكتاب ابن إسحاق. فقد حذف الكثير من الأخبار والروايات التي كانت بلا سند أو لا أصل لها في القرآن، أو تلك التي ليس لها مناسبة في سياق السيرة، كما حذف الأشعار مجهول المصدر وغير المشهورة.
لقد خُصص لفظ "السيرة" علي حياة الرسول وأعماله، حتي صار مصطلح "السيرة النبوية" يعني: "حياة الرسول ــ صلي الله عليه وسلم ــ مستقاة من الكتاب والسنة ومن أحاديث الصحابة والتابعين، ومتضمنة جوانب من حداثته وفتوته، وتلقي الوحي، وقيامه بنشر رسالته ومغازيه، وأقواله وأعماله وأخلاقه".
وبتطور حركة التأليف في الثقافة العربية/الإسلامية بدأت تدخل أصناف أخرى من السير علي استحياء إلي جوار "السيرة النبوية"، ربما بدأت بسير الصحابة والتابعين؛ فأول من ألف في طبقات الصحابة هو الإمام البخاري في كتابه "التاريخ الكبير". وهذا ما جعل المصطلح "سيرة" حتى منتصف القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) يحافظ علي هيمنة الطابع الديني والتاريخي عليه، مع تراجع الديني لصالح التاريخي. غير أن الملوك والأمراء زاحموا المصطلح بسيرهم، فأول سيرة ألفت بعد سيرة الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ وحصلت علي المصطلح إلي جوار اسم صاحبها هي سيرة (معاوية وبني أمية)، وكانت من تصنيف (عوانة الكلبي) (ت: 147هـ)، وقد ذكرها ابن النديم في "الفهرست".
وقد ظهرت في الثقافة العربية كتب الطبقات وهي سير خاصة بكل جماعة علمية، إلا أنها لا تعتبر سير بما يعنيه المصطلح من دلالة فهي ترجمات لأصحاب هذا الحقل العلمي، يستبدل فيها المفرد بالجماعة، لأن روح الجماعة هي التي أخذت تحل محل روح الفرد في البيئة العربية بعد ظهور الإسلام. لذلك؛ فقد أخذ المجتمع ممثلًا في نخبته يصطنع ذاتًا جماعية هي ذات جماعة العلماء (المفسرين؛ القراء؛ الفقهاء؛ النحاة؛ المُحدثين؛ الشعراء؛ المتكلمين؛ القضاة؛ المتصوفة؛ وغيرهم)، والعنصر الأساسي في محاولة فهم هذه الذات الجماعية هو صورة مكانته في التاريخ، فالأنبياء لا يورثون درهمًا أو دينار، إنهم يورثون علمًا، وكل جماعة من العلماء بحاجة إلي إبراز مكانتها العلمية التاريخية من خلال جمع علمائها والترجمة لهم وتأكيد مكانتهم التاريخية، وارثهم للعلم الذي هو ميراث النبوة. ومع القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) بدأت تظهر سير حياة الملوك وأصحاب السلطة، فلجأت العربية إلي كلمة "ترجمة" والتي تعني التبين والتفسير والنقل من لغة إلي أخرى لتخفف عن كاهل كلمة "سيرة" وتحافظ لها علي خصوصيتها التاريخية وارتباطها بالنبي عليه الصلاة والسلام.
وينبغي أن نؤكد هنا علي أن هذا الباب الذي فُتح لمصطلح "ترجمة"، يجعل عملية التأريخ للأشخاص وحيواتهم تتخلص من البعد الديني/الروحي الذي ظل يصاحب مصطلح "سيرة" رغم تباعد القرون، فالأكلاشيه اللغوي الرنان لـ"السيرة النبوية" يجعل أفق الانتظار ينفتح عند مقاربة لفظة "سيرة"، منتظرًا صفتها، وحتى لو خالفت الصفة المستخدمة الإحالة الدينية/الروحية، إلا أنها تظل قائمةً عالقةً في الذهن لقوة التركيب الأول وسطوته، إلا أن المصطلح "ترجمة" لا يجعل أفق الانتظار ينفتح إلا علي المعاني اللغوية المجردة لكلمة "ترجمة" ما بين التفسير والنقل، يتضح أنها ملحقة باسم شخص، لتقدم تاريخًا موجزًا لهذا الفرد وحياته.
إذن؛ يمكن أن يقال أن أحد الحدود الفارقة بين مصطلحي "سيرة" و"ترجمة"، أن الأول ذا ظلالٍ دينية/روحية، بينما الثاني بلا هذه الظلال مطلقًا.
لا أريد أوغل أكثر من ذلك في الحديث عن مصطلح "سيرة" وتطوره التاريخي، لكني اريد أن اعود إلي كيف نعتني بالمصطلحات التي هي وحدات مؤلفة من شكل ومحتوى (تصور ذهني) وهي تتطابق مع الكلمات تطابقًا ظاهريًأ فقط. وهذا ما يجرنا للحديث عن علم المصطلحات Terminology وواجبنا نحو العناية به، فهو وحده المسئول عن تطوير اللغات، وهو المبدأ الذي يسميه أستاذ الليسانيات الألماني (فوستر) باسم "التكوين الواعي للغة"، وكما تقول الأستاذة (ماريا تيريزا كابريه) بمعهد الليسانيات التطبيقية بجامعة بامبو فابرا Pompeu Fabra في أسبانيا: يعني علم المصطلحات بانشاء ما ينبغي أن يكون ويعمل بوعي بفضل التدخل في الوقائع الطبيعية بهدف تغيير مجراها.
علم المصطلحات ليس طرفًا، لكنه ضرورة علمية حقيقة لتكوين لغة علمية واضحة واعية لما تصف ولما تشتغل عليه، قبل الأحاديث الطنانة عن تعريب العلوم، ينبغي ضبط المصطلحات العلمية في كل التخصصات والحقول المعرفية من أجل تهيئة أرضية مشتركة اتفاقية لا ضباب بها كي نستطيع التحاور والتناقش.
اسمحوا لي أن انقل لكم جانبًا من الهوس الأوروربي بعلم المصطلحات من سبعينيات القرن الماضي، رغم أن الاتحاد الأوروبي يتكون من عددٍ من اللغات المتنافسة لا لغة واحدة، كما في حال الشعوب العربية. ستجد في ليون بفرنسا مركز البحث في علوم المصطلحات والترجمة التابع لجامعة لوميير، كذلك معهد الليسانيات التطبيقية بجامعة بامبو فابرا Pompeu Fabra في أسبانيا، وقسم خاص في معهد العلوم والتكنولوجيا في جامعة مانشسنر بانجلترا، ومركز الأبحاث في الهندسة التطبيقية المتعددة اللغات في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس في فرنسا، ومركز البحث في شئون علم المصطلحات النظري والمعلوماتي وتنظيم اللغات في جامعة السربون الجديدة بفرنسا، ومركز الأبحاث في الليسانيات التطبيقية بمعهد المترجمين والمترجمين الفوريين العالي في بروكسيل؛ وغيرهم من المراكز والمعاهد.
في الحقيقة قائمة المراكز البحثية والمعاهد المتخصصة في علم المصطلحات في دول الاتحاد الأوروبي كثيرة، وطموحهم العلمي في وضع معيارية ضابطة للمصطلحات في شتى لغاتهم تستحق الغبظة، ولا أجد من المحيط إلي الخليج من يحاكي هذا الجهد بدلاً من الحديث الطنان عن تعريب العلوم، ولا يقول لي أحد أن مجمعات اللغة العربية تفعل هذا؛ مع خالص تقديري لجهودها؛ لأن مخرجاتها بعيدة عما نذكر وما امتد له الأمر في ضبط مصطلحات العلوم التطبيقية التي هي عماد التطور التكنولوجي والصناعي.
في بضاعتنا/تراثنا كان ثمة اهتمام حقيقي بضبط المصطلح، جعل لدينا علوم وحضارة ذات يوم، لكن اليوم شعوبنا ومثقفيها يتطلعون إلي بضاعة غيرنا ويعجب بها.
انتبهوا إلي أهمية المصطلح في حياتنا العملية والعلمية، ليس فقط كشف الضباب كما قال لنا الأستاذ الأزهري صبيحة هذا اليوم البعيد، لكن بالمصطلحات نستطيع أن نميز التجارب وعناصر المعرفة وننظمها، ليكون النظام والتنظيم هو هدفنا المرحلي الذي نضعه نصب أعيننا، وإذا انتظمت المعرفة وحل النظام بحياتنا سنجد الواقع كله يخضع لهذا النظام طوعًا بأقل الجهود.

التعليقات