الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

صور الحب في فكر الدكتور محمد حسن كامل



إذا كان الحوار يشكل الركن الركين في مسيرة المفكر الكبير الدكتور محمد حسن كامل العلمية والأدبية، بحيث أطَّره بآداب وأصول، فإن الحب يأتي عنده موازيًا للحب لايسبقه ولا يتأخر عنه؛ فالعلاقة بينهما بالتوازي.

والحب اتخذ عدة صور تجلت في فكر الرجل، غير أن انطلاقته الكبرى من كتاب الله تعالى الذي عاش له وعاش فيه، فلا تكاد تفصله عنه؛ إذ يدور في فلك الدين وأقرب ما يكون لقول صاحب فصوص الحكم ابن عربي "المحبة أصل الموجودات"، وليس هناك شاهد أقوى من مقالته "هل تذوقت يومًا طعم الحب؟.. ذلك حين وقف على ضفاف الحب ورأى في صفحته: (المحبون يهيمون في دنيا الحب، يتناغمون والكون مع قيثارة الحب الأبدية، في لحظات سرمدية لا زمان ولا مكان لها، بل لها قلوب تخفق وتشفق، تتأوه وتعشق، وتضخ دماء في أوردة الإبداع وشرايين الخلود، صمت يلف الكون وهمس وحس، وعَبرة وعِبرة، وتراتيل التوحيد تخرج من قلوب الخلائق، وكأن كل مخلوق آلة موسيقية في محراب الحب).

يقول شارح الفصوص وكأنه يشرح تلك المقولات: (الحب موجود على الدوام متبادل بين الحق والخلق. والشوق والحنين واللقاء موجود على الدوام أيضا، لأن الحق دائم الظهور في صور الخلق، يدفعه الى ذلك الحب الكامن فيه نحو ذلك الظهور).

إنها صورة من صور الحب العديدة في فكر الدكتور محمد حسن كامل، تلك الصورة المغلفة بغلالة شفيفة من التصوف الحميد الحبيب إلى قلب الرجل، الذي تشرَّبه صغيرًا وأصر عليه والتزمه كبيرًا، يتجلى ذلك في نفحة من نفحاته، بينه وبين ربه تعالى في مناجاته، ذلك الذي لا يفارقه بين الناس وفي خلواته، فيقول: (أحبك بكل خلايا وجودي، بكل عنصرٍ بكل حدودي، عرفتك أنت وأنت معبودي، أترقب لقياك خارج الحدودِ، لا أطمع في جنة الذود، ولا خائف من نار الشرود، حبي لك تعدى كل الحدود، حدي تحت عرشك سجودي، والنظر لوجهك غير معدود، لازمان ولا مكان ولاسدود، نور علي نور لرب الوجود، هناك لن أعود هناك حدودي، أبدًا أنعم ُبحب محبوبي).. ولن يعدم المتأمل من ملاحظة التأثر ببعض أبياتها بقول رابعة العدوية الشهير، كما تتضمن المعرفة بالله الحقة تلك التي تقود إلى الشوق للقاء الله تعالى الذي عناهم رسول الله صلى الله عليهم بأنهم الأكياس أي الفطناء الذين هم أكثر ذكرًا للموت، وأشدهم استعدادًا له.

يقول الدكتور محمد حسن كامل: (أختم هذه القصة بسؤال عاصف للذهن :هل هناك في عالمنا نحن حب هكذا...قصة حب أسرع من الضوء في أبعد مجرة في الكون؟.. نعم أعيش أعظم من هذا الحب.....بيني وبين الله).
وينطلق الدكتور محمد حسن كامل من الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} في واحدة من دراساته العميقة نحو الحب وكلمة الحب التي أسهب في تحليلها وتقليبها على كافة المعاني، ثم ذكر كثرة كاثرة رائعة وبليغة من تعريفاته للحب لو ذكرتها لصار مقالي كتيبًا، وبعدها صحب محدثه في رحلة علوية مضمخة بأريج القرب، وعلوية الذات على الشهوات والملذات، ليسأله سؤاله الثاني [هل جربتَ الحبَ يومًا؟] بعد سؤاله الأول: هل تذوقتَ الحبَ يومًا؟، والدكتور يؤمن بالاشتراكية في الحب؛ إذ دومًا ما يدعو محبيه أن يداوموا على الحب إذا ما أحبوا، وأن يحبوا إن لم يكونوا أحبوا، ليبين لهم في تضادٍ مفاجيء المقابلة بين الحب واللاحب أو الكره أو التوقف عن الحب، من خلال عدة صور لايملكون حيالها غير استبشاعها، ومداومة الحب، وهذا ما يريده.

وبينما الرجل في تهويماته العلوية، غارقًا في الحب الإلهي، بين الخالق والمخلوق، يتذكر أن هناك حب بشري، أرضي بين المخلوق والمخلوق، وهيَّ صورة من صور الحب في فكر الدكتور محمد حسن كامل يبثها عبر مقالتين اجتماعيتين يبحر فيهما بعيدًا عن الأدب والعلم، فيقصرهما على حض الرجل والمرأة بصفة عامة والمرأة النكدية بصفة خاصة من التزام الحوار وتلك ركيزته الأولى في بنائه الفكري، إذ رأى أن حياة الأسرة لن تستقيم إلا بالحب والتراحم والتلاحم، ومن ثم فقد دعم تلك المقالة بأخرى تسبقها أو تلحقها، رصد فيها مائة صفة لو التزمت بها المرأة لأحبها الرجل، وهذه المقالة تأتي غريبة وجديدة بين مقالات المفكر الكبير، ولو قرأها قاريء دون ذكر اسم الدكتور ما نسبها إليه أبدًا؛ لالتزامها بالنهج الأصولي.
في صورةٍ بديعةٍ قشيبة تأتينا واحدة من صور الحب الغير تقليدية علينا، والأصيلة في منهج الدكتور محمد حسن كامل.. ذلك حين مد جسرًا بين الحب والعلم فصنع صورة كونية امتزج فيها السرد القصصي بالنسق الشعري أو القريب منهما، وزاوج بين الأسلوب العلمي والأدبي فيما يُعرَف بالأسلوب العلمي المتأدب، من خلال مقالتين لانستطيع سردهما لطولهما، أو إيجازهما فسنخل بهما معًا، وهما: قصة "حب أسرع من الضوء في أبعد مجرة في الكون" و "الحب لايعرف للإستنساخ سبيلاً".
ومن حيث درت أو رحت في مقالات ودراسات الدكتور محمد حسن كامل فلن تخطئك النظرة الخاطفة ناهيك عن المتعمقة، أنها كلها مكتوبة بيراع الحب، مغموسة ريشتها في دواة الوجد، ألوانها تشع بالدفء والحنين والحميمية، الحي يحوط سياجها، والقرب هدفها، بالانعتاق من أسر الجسد والحدود الجغرافية الأرضية، والاتصال بعلوية السماوات حيث (لا زمان ولا مكان) كما يشدو المفكر الكبير.

أنه المحب أبدًا.. المتأمل دومًا.. المفارق لذائذ الذات، ودنيا البشر، للاتصال بأشراف الأمور والإعراض عن سفسافها..المنقِّب عن كل قديم فينفخ فيه جديده، والآتي بالجديد الذي لم يلتفت إليه غيره.. الحب يغلف حركاته وسكناته، متوافق ظاهرًا وباطنًا، هاديء النبرات، قوي وجميل العبارات، يجيل النظر، ثم يأتي بالدرر، ويسوق العبر.. أنه سفير العلم والثقافة، الكاتب والمفكر الكبير الدكتور محمد حسن كامل، طاقة الحب التي لا تنفد أبدًا، وكيف تنفد والرجل يشرب من نبع الحب الإلهي، ويتضوع مشتاقًا بعبير الجنة التي يرومها، ويسبح في آيات الحق في كتابه المسطور القرآن الكريم، وكتابه المنشور الكون الكبير، ويعلم أن كل فوق كل عالمٍ عليم، فما فتيء يهيم ذرة حب ومحب في نهر العلم، وفلك المعرفة عالمًا ومتعلمًا.

التعليقات