الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

تسعة عشر عرضاً وفردية أسطورية

نظرًا لفقدان نص هذه الدراسة في السديم الإلكتروني، نعيد نشرها هنا، بعد أن كانت منشورة علي الرابط التالي:
http://qudapy.maktoobblog.com/947777/تسعة-عشر-عرضاً-وفردية-أسطورية/
واختفت.
وهذا نصها:
عادت عروض المونودراما تشغل مساحة ليست بالصغيرة من المشهد المسرحي المصري، وربما ساعد علي ذلك إقامة التنافسات المسرحية سواء في مصر أو خارجها، حيث يأتي مهرجان المونودراما الذي تنظمه ساقية عبد المنعم الصاوي كواحد من أهم التنافسات التي تعني بعروض المونودراما، وقد حافظت ساقية الصاوي علي إقامة مهرجانها بشكل منتظم وفي موعد منتظم، ليشهد تنافساً بين عدد غير قليل من الفرق المسرحية الحرة التي قدمت 16 عرضاً في الدورة الخامسة التي أقيمت في 18و19 أبريل/نيسان 2010م.
اشترك في هذه الدورة من المهرجان 22 عرضاً، قدمت 19 علي مدار ليلتين، ولا يتجاوز مدة العرض الواحد العشرين دقيقة؛ وكان هذاً شرطاً تنظيمياً من قبل إدارة المهرجان، مما قد يصيب المشاهد بالتخمة المسرحية حيث شاهد في الليلة الأولي 9 عروض، وفي الليلة الثانية 10 عروض، ولا يكاد يوجد فاصل بين العرض والعرض سوي 10 دقائق، مما يعني أن المشاهد حصل في الليلة الأولي علي حوالي 180 دقيقة مشاهدة، وفي الليلة الثانية علي حوالي 200 دقيقة مشاهدة.
حقاً تباينت المستويات وتعددت الأطروحات والرؤى بين العروض، لكن؛ كان هناك ثمة ملامح مشتركة انتظمت العروض في اقتسامها رغم تعدد الرؤى واختلاف الموضوعات وطرق التناول والمعالجات، وسيحاول الباحث رصد هذه الملامح، والتحاور مع العروض علي اختلافها، والتوقف مع بعد العروض للقراءة والتحليل والاختلاف.
وسنتوقف مع سبعة ملامح فنية سيحاول الكاتب استظهارها في مجمل عروض المهرجان، إلا أننا سنتوقف في البداية مع بعض الأرقام الإحصائية لعروض مهرجان المونودراما في دورته الخامسة.

1. الأرقام
هيمن المخرجون؛ وخاصة المخرجون الممثلون؛ علي عروض هذه الدورة، حيث بلغت نسبة العروض المقدمة من قبل مخرجون 79% (خمسة عشر عرضاً من تسعة عشر عرضاً)، في حين اكتفت المخرجات بنسبة الـ 21% من العروض (4 عروض فقط)، قد تجاوزت نسبة عروض المخرج الممثل الـ 36% من إجمالي العروض التسعة عشر.
وكانت ظاهرة المخرج الممثل هي الصفة السائدة في عروض المخرجات حيث قدمن ثلاثة عروض من أصل أربعة؛ هي أجمالي عدد عروضهن بالمهرجان؛ بواسطة المخرجة الممثلة، في حين أنها كادت أن تصل إلي نصف في عروض المخرجين، إذ بلغت عروض المخرج الممثل حوالي 46.7% (سبعة عروض) من إجمالي عدد عروض المخرجين. وشكلت ظاهرة المخرج الممثل في عروض عامة نسبة الـ 52.6% (10 عروض) من إجمالي العروض التسعة عشر.
وربما كان السبب وراء انتشار ظاهرة الممثل/الممثلة – المخرج/المخرجة؛ هو رغبة عدد من الممثلين في عرض قدراتهم التمثيلية الأدائية، إذ أن عرض المونودراما يُتيح للممثل استعراض قدراته وعضلاته التمثيلية، لذلك ظهر عدد من الممثلين في دور المخرج لأول مرة ـ وربما لأخر مرة ـ من أجل الحصول علي فرصة استعراض القدرات التمثيلية المتوهمة عند البعض.
وفي سياق أخر يتصل بالأرقام، فقد قامت الفتيات بتمثيل 47.4% من عروض المهرجان، وقدم الشباب النسبة الأكبر بقليل 52.6% من إجمالي العروض. ومما يلفت النظر عدم وجود عرض من إخراج مخرجة ويلعب بطولته فتي، فجميع عروض المخرجات من بطولة ممثلات هن في الأغلب المخرجات.
أما ظاهرة المخرج/السينوغراف؛ فقد كانت سائدة إذ استحوذت علي عروض المهرجان، فقد قُدم أحد عشر عرضاً (57.9%) بواسطة مخرج/سينوغراف. أما ظاهرة الممثل/السينوغراف/المخرج؛ فتجلت في أربعة عروض فقط حوالي 21%.

2. ليست ذات واحدة
تعتبر عروض المونودراما؛ باعتبارها إفصاحاً عن فردية الإنسان/البطل الملتحم بالهموم الاجتماعية والسياسية والفكرية الآنية؛ مفجرةً ومفتتةً للذات التي يحملها المفهوم البدائي لفكرة الشخص المتعين في جسدٍ شاخصٍ أمام أعيننا علي خشبة مسرح (مساحة تشخيص) حاملاً إشارات جسدية (فيزيقية) وأخري تعبيرية (لا فيزيقية) مقدماً الفعل الذي نتأوله عبر تطوره وتحولاته الممكنة والمحتملة، والذي يحمل أسطورة أنه يحدد هوية الذات باعتباره عينها؛ وفقاً لمفهوم (لاكان) حول المجال الذي يبدأ فيه تكوين الذات كهوية من خلال مرحلة المرآة The mirror phase لدي الطفل الرضيع.
فالذات يمكن التعرف عليها من خلال الهدف الذي تسعى إلي تحقيقه، أو من خلال مقاوتها لقوى أخرى قد تعمل ضدها. وترصد مصطلحات السميوطيقا نوعين من الذوات التقليدية؛ هما الذات الفاعلة في مقابل الذات الكامنة، حيث تستخدم الكتابات السميوطيقية مصطلح الذات الفاعلة للإشارة إلي الذات التي تحدث تحولاً من خلال علاقتها بالهدف، في حين تتعلق الذات الكامنة بأفعال الكينونة والملكية، ويشار لها أيضاً بمصطلح العاطل Patient، في مقابل Agent للذات الفاعلة. وأمام أسطورية هذه المصطلحات السميوطيقية التقليدية تسعي هذه الدراسة لتجاوزها، وإن كانت تنطلق منها ومن مفاهيمها أحياناً؛ فمصطلحات السميوطيقا المتعلقة بالذات والذاتية تعتمد علي تلك النظريات الأسطورية التي تميز بين الذات The subject والفرد The individual، عبر تلك النظرة الأسطورية التي تعتبر الفرد شخصاً حقيقياً في مقابل الذات التي يتم تكوينها وتركيبها بواسطة القيم الثقافية والأيديولوجيات المهيمنة علي سياقها. وستتعامل الدراسة مع الذات باعتبارها دالاً علائقياً يتصف بالسيولة والصيرورة، وليس باعتبارها كينونة ثابتة قد تتخذ لنفسها صورة خارجية تتجلى عبر أفعالها.
ويمكننا إذن؛ أن نلاحظ بشكل سطحي في عروض هذه الدورة من مهرجان المونودراما، مجموعة من الذوات المقهورة، وهي ملاحظة سطحية لها شواهدها وتبدياتها في معظم عروض هذه الدورة. في (عفواً ارسطو) المجتمع بصور متعددة يقهر ذات الإنسان/ الممثل، وفي (الممنوعات) يتكاتف كل من البيت ممثلاً في شخص الأم والمدرسة ممثلةً في شخص المربية والعمل ممثلاً في شخص المدير علي قهر الذات المتطلعة لتحقيق أحلامها، وفي (علامة استفهام) تتعدد تجليات القهر وصوره ما بين المحاور الذي يقهر الذات المتكلمة وزوج الأم والمسئولين، وفي (وقفة مصرية) نجد الصيغ الجاهزة والتنميط هي الأشياء التي تمارس قهر الذات، أما في (سفر الخروج) فنجد القهر ممثلاً في مفهوم الحرمان، وفي (حلم رجل مضحك) و(أفكار جنونية من دفتر هملت) تتعدد أوجه القهر ومصادره ما بين الآخرين والأرض بماديتها والجهل المعرفي، وفي (قضاء وقدر) يكون الإهمال مصدراً للقهر الحادث للذات ويسمى تسمية ساذجة بعنوان العرض، وفي (نون النسوة) و(قرار رقم 1) و(بلا معني) نلمح القهر الذكوري التقليدي علي ذات الأنثى ـ مع ملاحظة تباين الطرح في العروض الثلاثة، أما في (عديلة) فنجد القهر الذي يمارسه الوضع الطبقي (اجتماعي واقتصادي) علي الذات صاحبة القيم الاستهلاكية، وفي (أيوب) القهر التقليدي للنظم الحاكمة اللاإنسانية علي ذات المواطن، وفي (الهزيان) تكون الحرب بمآسيها ومخاطرها هي القاهرة للذات الإنسانية، أما في (بلا هوية) فالذات ساقطة في موقفٍ قاهرٍ أصلاً.
فالذات؛ وإن بدت مقهورة في معظم عروض هذه الدورة، إلا أننا نستطيع أن نميز مجموعة من الذوات لا ذات واحدة مقهورة في صور مختلفة من صور القهر الذي تمارسه مصادر أقوي وأكبر أحياناً، هذه الذوات هي: الذات المتأملة ذات الوعي بنفسها وبوجودها وبمحيطها الذي تتموضع فيه، والذات الفاعلة التي تتحمل التبعة الأخلاقية لأفعالها وهي ذات تراجيدية درامياً، والذات المنتدبة الظاهرة وأهم أدوارها البادية سرد الأفعال الماضية وحكايتها.
إن تفحصنا للذات المنتجة/المعروضة في تلك العروض عبر أربعة أسئلة رئيسية سيفتح علينا مجال تعددية المعاني والدلالات التي تتقنع خلفها الذات الواحدة؛ هذه الأسئلة الرئيسة هي: من يتكلم؟ ومن يفعل؟ ومن يحكي؟ ومن يتحمل التبعة الأخلاقية؟

3. الذات المتأملة
نستطيع أن نلاحظ الذات المتأملة تظهر بدرجات متباينة في عروض مثل: (نون النسوة)، (ملك بلا شعب؛ إخراج: أحمد قاسم)، (بلا هوية)، (بلا معني)، (حلم رجل مضحك). ومرجع التباين يعود إلي مساحة الوعي الذي تمتلكه الذات، فنجد مساحة الوعي التي تتأمل بها الذات عالمها كبيرة إلي حد ما في (حلم رجل مضحك؛ إخراج: محمد عبد الله) في مقابل ذلك نجد هامشاً من الوعي لدي الذات في (بلا معني؛ إخراج: منار زين العابدين)، وما بين هذين النموذجين من عروض المهرجان نستطيع أن نصف باقي العروض التي مثلنا بها علي وجود الذات المتأملة بدرجات متباينة.
لعل أكثر الذوات المتأملة وعياً ربما كانت تلك التي قُدمتْ في عرض (حلم رجل مضحك)، فهي ذات تعي نفسها، وتعي رؤية الآخرين لها علي أنها لشخص مضحك أو مجنون، وتجعل من الوعي هدفاً لها تتحصل عليه في نهاية العرض، فتغرق ضحكاً من فرط وعيها بذاتها وبعالمها.
إن سؤال عرض (نون النسوة) عن: من يتكلم به؟ سوف يجر وراءه سؤالين ضروريين هما؛ من يتكلم عن ماذا؟ ولماذا يتكلم؟ ولسوف نتخلى هنا عن أسئلة: متي وأين وكيف التقليدية. إذ أن الزمن في المونودراما هو زمن نفسي لا يتقيد بلحظة تاريخية؛ كما تقول الدكتورة نهاد صليحة؛ كذلك المكان لن يكون مكاناً تقليدياً نمطياً عادة، وإن كان من الممكن أن يكون مكاناً فيزيقياً إستعارياً متعين له حدوده التي يعيد إنتاجها الفضاء المسرحي، كما أن الفعل الدرامي أو السرد الإستعادي قد يجبرنا علي الانتقال اللحظي والآني داخل الفضاء المسرحي فيعيد إنتاج الفضاء المسرحي وفقاً للفعل أو للسرد الإستعادي، فيعيد إنتاج المكان داخل الفضاء المسرحي الذي سبق وأن عينه من قبل.
بالتأكيد لم تكن (رابعة العدوية) التي استعير كلماتها في بداية العرض ــ بواسطة أداء الممثلة (منال عامر) الصوتي ــ أو في نهايته ــ بواسطة صوت (أم كلثوم) ــ هي المتكلمة، ولا نموذج المرأة الزوجة أو نموذج المرأة الغانية، ولا امرأة (سعد الله ونوس) التي تقاوم إشعال جسدها علي المسرح للرجال، ولا (جميلة بوحريد)، ولا عشتار، ولا الفاطمات. إنها ذات تتأمل الوجود النسوى، وتتكلم معبرة عن واقع هذا الوجود المتعدد الأدوار والدلالات كما تتصوره، وهي ذات تعي أنها تحيا في عالم يحاول اغتيال نون النسوة، وهو اغتيال رمزي يُفصح عن عالمٍ يضع المرأة بجل دورها علي هامشه، وبالتالي فإن هذه الذات المتأملة تتكلم وهي تمتلك هذه المساحة من الوعي، غير أنه وعي زائف سطحي، يفضحه الحضور النصي لأشعار (رابعة العدوية) والذي وُضِعَ كلام الذات المتأملة بينه، كأن كلام (رابعة العدوية) المستعار هو إطار ــ أو أقواس معقوفة ــ لهذا الكلام الذي تنطق به الذات المتأملة. فأما الإطار الأول؛ فهو الأداء الغنائي لـ (منال عامر) الذي نصه "عرفت الهوى مذ عرفت هواك"، وأما الإطار الأخير؛ فهو تسجيل صوتي بأداء (أم كلثوم) نصه "وأما اشتياقي لقرب الحمي، فنار حياتي". لقد زيف هذين التناصين اللغويين الذين استخدمهما المخرج (هشام السنباطي) كإطار للعرض وعي الذات المتأملة التي كانت تتكلم طيلة العرض بما حمله هذين التناصين اللغويين من دلالات تعيد المؤنث إلي هامش الوجود الذي مركزه المذكر الذي هو مبدأ الهوى ومحط الاشتياق، رغم توكيدات خطاب الذات الرافض لاغتيال نون النسوة.
كذلك نجد الذات المتكلمة في عرض (ملك بلا شعب؛ إخراج: أحمد قاسم) حيث أن لديها وعياً فائقاً زائفاً، وهي تخبرنا به مباشرةً، وهو وعيها بتقمصها لشخصيات أخرى (ذوات منتدبة) تؤديها، ووعي الشخصيات الـمُتقمصة (المؤداة)، غير أن الذات المتأملة في هذا العرض تتخفي وراء الذوت المنتدبة؛ وهي متعددة بتعدد الشخصيات (الذوات) التي تتقمصها الذات المتأملة؛ وتكشف عن سيطرة الذات المتأملة علي الذوات المنتدبة للتكلم، دون أن تكون ذاتاً فاعلة، إذ هي ذات تتعامل مع الهدف (الذوات المنتدبة) باعتباره أشياءً تمتلكها.
أما في عرض (بلا هوية)؛ فالذات المتأملة لديها رغبة في استكمال وعيها عبر فعل التأمل الذي تعبر عنه بلفظ التفكير الذي تعبر عن احتياجها له وتتبدى ذاتاً فاعلة من أجله. وفي عرض (بلا معني) تتبدي أمامنا ذات لديها بالكاد هامش من الوعي، وتفتقد كذلك إلي الوعي الميتافيزيقي.

4. الذات الفاعلة
سبق وأن أشرنا إلي أن الذات الفاعلة هي التي تتحمل التبعة الأخلاقية لأفعالها، وهي ذات تراجيدية درامياً، لأنها تتحمل تبعات خياراتها، فهي ذات مسئولة، وإن كانت تتوارى قليلاً وراء الذات المتكلمة أو الذات المنتدبة، لكنها تفعل في الأعمال الدرامية وفقاً لمخطط نموذجي يتألف من ثلاثة وحدات متتالية تعقب عقدٍ تأسيسي بين الذات باعتبارها مرسل وبين الجمهور المستقبل لتجلياتها عبر الذات المتكلمة عادةً أو الذات المنتدبة أحياناً.
سنجد أن هذه الذات الفاعلة التراجيدية لم توجد سوي في عرضين اثنين فقط من مجمل عروض مهرجان الساقية الخامس للمونودراما؛ وهما: (علامة إستفهام) و(قرار رقم 1)، بينما يمكننا أن نصف بقية العروض بالاستغراق في الميلودرامية حتى وإن حاولت أن تتحلي بروح كوميدية ساخرة.
تقوم الذات في (قرار رقم 1) بنقل رغبتها في إزاحة الرجل عن مركزيته، وقدرتها علي التخلي عن الرجال، وهذا هو العقد التأسيسي الذي سوف تخوض الذات بعده ثلاث وحدات اختبارية تقوم الذات فيها بتأكيد اختيارها وقدرتها كذات فاعلة. وهو الشيء نفسه الذي نجده في (علامة استفهام) وإن اختلف الموضوع (الهدف)، فالذات هنا تنقل لنا رغبتها في مستقبل حقيقي آمن، وقدرتها علي تقديم تصور بديل لما هو سائد، ثم تنطلق هذه الذات لتقتحم الاختبار الأول لها مؤكدة علي اكتسابها القدرة اللازمة لتقديم التصور البديل للمستقبل، وكذلك تؤكد علي امتلاكها للمعرفة الكافية لتحقيق اختيارها (الهدف)، وهو ما تؤكده الذات المتكلمة بتكرار قولها "المسألة تخصك"، فالتصور البديل يعتمد علي أن الهم الإنساني بالمستقبل واحد لا يتبدل وإن تعددت زوايا النظر إليه. وفي الوحدة الاختبارية الثانية تتعرض الذات لاختبارٍ حاسم ، وهو ما يمكن أن نسميه الحدث الرئيسي، وهو اختبار يضع قدرة الذات الفاعلة باختياراتها علي المحك، فنجد أنها تُقابل بعدم اهتمامٍ متعمد من الجميع (الأسرة ــ المسئول/المحاور ــ الجمهور المتصور)، كما أنها تعاني من عدم التواصل الإنساني مع المحيطين مما يشعرها بالعزلة، وأخيراً عدم التعاطف مع ما تقدمه من تصورات مستقبلية. هذا الاختبار الحاسم الذي تتعرض له الذات في (علامة استفهام) يجعل المتلقي يتصور أن اختيار الذات (الهدف) يتعرض للخطر من قبل الذوات المضادة لها والمقاومة.
عادةً ما يتم في الوحدة الاختبارية الأخيرة أن تحصل الذات علي نتيجة اختيارها وتتحمل مسئوليته، وعند هذه المرحلة تتم عملية تقييم الذات وتقديرها من قبل المتلقيين، فالذات إما أن تنجح في تحقيق الهدف فتُمجد، وإما تفشل فتُعاقب، وهذا التمجيد أو العقاب هو جوهر تراجيديتها وجوهر مسئوليتها الأخلاقية عن أفعالها واختياراتها، غير أن الذات في (علامة استفهام) تواصل التأكيد علي التمسك باختياراتها بأن تواصل الكلام ومحاولة عرض تصوراتها المستقبلية، وعلي كل متلقي عبر المشاهدة الفعالة أن يقوم ــ علي حدةٍ ــ بعملية تقيم وتقدير لهذه الذات في فعلها التراجيدي المتواصل المتمثل في استمرارية المحاولة. وهو الشيء نفسه الذي تقدمه الذات في (قرار رقم 1) بتبنيه حيث تقرر الذات التخلي تماماً عن الرجل وتتمسك بهذا الاختيار، بل وتذهب في استبداله بحبل تراقصه، دون أن يحصل المتلقي علي نتيجة هذا الاختيار الأخير، ويُترك الأمر أيضاً لتقييم وتقدير المشاهد لهذه الذات عبر المشاهدة الفعالة. وكأن صانعي العرضين (مارجريت مجدي: مؤلفة وممثلة ومخرجة؛ قرار رقم 1) و(محمد زهير: مؤلف ومخرج؛ علامة استفهام) يؤكدان علي أهمية المشاهدة الفعالة، عبر إرجاء الأحكام التقييمية والتقديرية (مدح أو لوم، نجاح أو فشل) للذات وتركها للمشاهد.

5. الذات المنتدبة
سبق وأن أشرنا إلي أن الذات المنتدبة الظاهرة تعتبر سرد الأفعال الماضية وحكايتها واحداً من أهم أدوارها، وهذه الذات المنتدبة للحكي ـ كما سنلاحظ ـ كانت أكثر حضوراً من الذات المتأملة أو الذات الفاعلة، بل يمكننا الزعم أن الذات المـتأملة والذات الفاعلة كانتا تتخفيان وراء الذات المنتدبة كثيراً.
سنُرجأ الإجابة علي سؤال: لماذا كانت الذات المنتدبة أكثر حضوراً عن الذوات المتأملة والفاعلة؟ وسنبدأ بسؤال الذات المنتدبة للحكي بسؤالين تقليديين؛ هما: ماذا تحكي؟ ولماذا تحكي؟
سنجد في عرض (سفر الخروج) أن الذات المنتدبة للحكي تقوم بسرد مجموعة من القصص عن القطار وعلاقاته بالمحطات، والذات تمزج في حكاياتها بين الرؤى المثيولوجية والحكايات التاريخية التي لها علاقة بمدن الصعيد المصري التي يعبرها القطار المنطلق مدينةً تلو الأخرى، والذات تقوم بعملية سرد استيعادي وتستحضر بعض شخوص حكاياتها لتشخصهم كساردين لا كفاعلين في حكاياتها. وبسؤال تلك الذات المنتدبة في هذا العرض لماذا تحكي؟ سنجد أنها تقوم بفعل الحكي أمام الأخر لتبدو أكثر علماً ودرايةً وخبرةً بهذا القطار وعالمه، وهي تستعيد الحكايات التي تعرفها عن القطار ومدن الصعيد التي يمر عليها القطار لتؤكد علي هذه الخبرة والدراية في مقابل الآخرين المفتقرين لهذه الخبرة المعرفية التي تقدمها عبر مجموعة من الحكايات التي سردها هذا البائع المتجول بالقطار.
أما الذات المنتدبة للسرد في عرض (حلم رجل مضحك) فتحاول أن تكون معبرةً عن الذات المتأملة التي تطل علينا من خلف الذات المنتدبة كثيراً، والذات تحكي بوصفها فاعل، وهي تهرب من الحكي عما بالداخل إلي الحكي عما بالخارج.
إذا حاولنا تفحص الذات المـُنْتَجَة في عرض (حلم رجل مضحك) عبر أسئلتنا الأربع: من يتكلم؟ ومن يفعل؟ ومن يحكي؟ ومن يتحمل التبعة الأخلاقية؟ سنجد أن الذي يتكلم هو ذلك الشخص الذي لا يكترث به الآخرين ويتخذون منه موضوعاً لسخريتهم، وسنجد أنه لا يفعل شيء أو يخشى من الفعل لأنه لا يملك القدرة علي تحمل التبعية الأخلاقية لأفعاله، حتى أن فعل الانتحار الوهمي الذي توهمنا الذات المنتدبة بحدوثه لم يكن سوى حلم؛ أو محتملٌ لم يحدث لأن الذات الفاعلة لا تقدر علي تحمل التبعة الأخلاقية لأفعالها. لذلك؛ فإن الذات المنتدبة التي تتخفي وراءها الذات المتأملة صاحبة الوعي في هذا العرض، ستبدو أكبر بكثير منها، فهي قادرة علي الحكي والسرد حتى في الحلم والموت وهما منطقتين يتنحى فيهما الوعي البشري العادي، وبالتالي فإن الذات المنتدبة ستصبح هي الذات التي تمنح الذات المتأملة وعيها عبر استعادية السرد التي هي جوهر فعله في هذا العرض. ففي الحلم سنري رجلنا ميتاً محمولاً بواسطة آخرين، والذات المنتدبة ما زالت تسرد علينا ماذا يحدث لهذا الرجل/الجسد المحمول أمام أعينا عبر الصوت المنتج المستعاد بواسطة أحد أجهزة التسجيل، وهو ما يحقق انفصال الذات المنتدبة الساردة عن الجسد/الرجل/الشخص/الفرد.
إن الذات المنتدبة في عرض (حلم رجل مضحك) لم تكن سوى ذات ساردة قدمت لنا عبر سردها مجموعة من الأحداث والمواقف شخصية رجلٍ في موضع عدم اكتراث من الآخرين، ويحاول أن يتخلص من حياته، ولا يتخلص منها إلا في الحلم الذي تسرده علينا حتى يستيقظ النائم.
كانت الذات المنتدبة تقوم بعملية السرد طيلة العرض لتقدم للذات المـتأملة وعيها وخلاصها المتمثل في معرفة الحقيقة النسبية، فتظهر الذات المتأملة من خلف قناعها (الذات المنتدبة) لتقول لنا إنها عرفت الحقيقة، وتستغرق في فعل الضحك حتى الإظلام النهائي للعرض.
أما في عرض (قضاء وقدر) فالذات المنتدبة تسرد علينا جزئياً طرفاً من أربعة حوادث كان الإهمال سيدها (حريق مسرح بني سويف ـ حريق قطار الصعيد ـ غرق إحدى العبارات البحرية ـ مقتل مجند مصري علي الحدود) غير أن الحادث الأخير ليس بسبب الإهمال. والذات المنتدبة تسرد عليها هذه الحوادث من خلال مجموعة من المواقف التي تتموضع فيها الشخصية في أداء أحد الأدوار الاجتماعية (أخت ـ ابنة ـ زوجة ـ أم) دون أن يحدث هذا السرد تطوراً درامياً علي الذات أو الشخصية التي تنتهي حياتها كممثلة في حادث سقوط أحد كشافات الإضاءة عليها في أحد المسارح. إن السبب الوحيد الذي يمكن أن يقف خلف كل هذا السرد الذي تقوم به الذات المنتدبة هو التنبيه علي السلبية في التعامل مع حوادث بطلها الإهمال باعتبارها قضاءً وقدراً.
أما الذات المنتدبة في عرض (نون النسوة)؛ فتقوم بالسرد لتقدم مجموعة من النماذج التي تدلل بها علي مركزية المرأة المتوهمة في وعي الذات المتأملة، وهي تتأول نفسها في الزمن الجديد الذي تسرد فيه نماذجها؛ وتُعيد إنتاج الذات (عائلة الذوات: المتأملة ـ المنتدبة ـ الفاعلة المفقودة) ورؤيتها عن تلك الذات المتأولة عبر فعل السرد. والذات المنتدبة لا تجد نفسها في الذوات التي أعيد إنتاجها عبر السرد، لأنها غير متسقة من الذات المتأملة التي مازالت تحتفظ بمركزية الذكر في لاوعيها، بينما الذات المنتدبة تقدم مسرودات تتأول بها مركزية المرأة أو تعيد إنتاجها عبرها.
بينما لم تستحوذ الذات المنتدبة علي الموقف في عرض (بلا معني) أو في عرض (بلا هوية)، فلم يكن الحافز السردي متوفراً في الموقف الدرامي في كلا العرضين، وكذلك في عرض (قرار رقم 1) لقوة الذات الفاعلة به وسيطرتها علي الموقف والفعل الدرامي ، وكذلك نجدها بشكل جزئي في عرض (أنا مش شكسبير)، وإن كنا نستطيع أن نراها تستحوذ علي الموقف في عرض (أيوب) وعرض (أفكار جنونية من دفتر هملت) حيث تتناول الذات نصاً شعرياً لـ (نجيب سرور) تُعيد إلقاؤه علينا والفاعل في هذا السرد ليس (هملت)، وليس (نجيب سرور) نفسه، وليس ثمة وجود للذات المتأملة أو الذات الفاعلة، فقط الذات المنتدبة القائمة بالسرد الشفهي لما تم انتخابه من النص الشعري الذي هو ديون (نجيب سرور) "لزوم ما يلزم" بواسطة معد العرض (خالد حسنين).
نعود الآن إلي السؤال: لماذا كانت الذات المنتدبة أكثر حضوراً عن الذوات المتأملة والفاعلة؟ الذي أرجأنا الإجابة عليه؛ والسؤال "لماذا" يكشف عن القصد، ويذهب في شرح ماهية الفعل الكامنة خلف السؤال "ماذا": ماذا قدمت الذات المنتدبة بحضورها؟
إن الذات المنتدبة كانت تقدم في حضورها سرداً لأحداثٍ ماضية تستعيدها عبر فعل السرد، وما كانت تستعيده من أحداث يمكن تقسيمه إلي قسمين رئيسيين؛ هما: أحداث ماضية تتعلق بعائلة الذوات (المتأملة ـ الفاعلة ـ المنتدبة) أو لا تتعلق بها، وفي كلا حالتي (التعلق) يكون السرد عن أشياء خارج الذات أو بعيدة عنها زمانياً لأنها في الماضي حتى ولو كان هذا الماضي قريباً إلا أنه أصبح علي كل حال بعيداً وخارجياً، وهي بهذا تقوم بفعل هروبي بالانشغال بما هو خارجي وموضوي عما هو داخلي وآني، ولعل هذا كان أكثر وضوحاً في عرض (حلم رجل مضحك) حيث كانت عائلة الذوات تهرب من عجزها عن الفعل بالتقنع خلف الذات المنتدبة للحكي طيلة العرض، وفي عرض (نون النسوة) كانت عائلة الذوات تهرب من عدم اتساقها، وكذلك عدم اتساق وعيها الأنثوي مع لاوعيها الذكوري، فتهربت بالتخفي خلف الذات المنتدبة في كثير من أجزاء العرض المسرحي.

6. التناص
ليس المقصود بالتناص هنا المفهوم المابعد حداثي الذي أسست لها (كريستيفا) في عالم الأدب عن (باختين)، ولكن المقصود به هنا؛ التفاعل النصي الصريح مع نصوص قديمة سابقة بعينها، واستحضارها استحضاراً واضحاً، وتضمينها في النص اللغوي للعرض عن طريق آليات كثيرة ظاهرة، باستخدامها كجزء من النص المسرحي الذي ينطق به الممثل/الممثلة، أو كمسمع مستعاد عبر أحد مسجلات الصوت. أو استخدام النص الشعري الغنائي بأن يستخدم كأغنية يقوم الممثل/الممثلة بأدائها غناءً أو بترديد نصها فقط مع محاولة الحفاظ علي شكلها الغنائي السابق، أو استخدامها كأغنية خارجية تعلق أو تشارك في تكوين المشهد الدرامي باستعادتها عبر أحد مسجلات الصوت.
والعروض التي اعتمدت علي تقنية التناص في إنتاج جزء/أجزاء من نصها كثيرة؛ منها: (علامة استفهام)، و(وقفة مصرية)، (نون النسوة)، و(أنا مش شكسبير)، و(أفكار جنونية من دفتر هملت). أما العروض التي استخدمت التناص داخل نصها عبر استعادتها لنصٍ مسجل بواسطة أحد مسجلات الصوت (Playback)؛ فمنها: (وقفة مصرية)، و(قضاء وقدر)، و(أنا مش شكسبير).
وهناك عروض استخدمت النص الشعري لبعض الأغنيات علي لسان الشخصية؛ منها: (الممنوعات)، (قضاء وقدر)، (نون النسوة)، (بلا هوية)، و(بلا معني) الذي تناص مع النص الشعري لعدودة تراثية قامت الممثلة (وسام أسامة) بأدائها بشكل مؤثر.
كذلك استخدم عدد من العروض الأغنيات أو نصها الشعري عبر استعادته مسجلاً (Playback)؛ ومنها: (الممنوعات)، و(نون النسوة)، و(أنا مش شكسبير).
وقد مثلت عروض (أيوب)، و(الممنوعات)، (ملك بلا شعب) كنص مسرحي تم تناوله في عرضين مختلفين داخل هذه الدورة من دورات مهرجان الساقية للمونودراما، و(أنا مش شكسبير)، و(أفكار جنونية من دفتر هملت) حالات فريدة من التناص.
في حالة (أيوب) و(الممنوعات)، كان فرادة التناص بهما تتمثل في العنوان، فاسم (أيوب) في عنوان العرض يستدعي شخصية النبي (أيوب) الذي اشتهر بالصبر، وهي شخصية لها حضورها في التراث الشفاهي المصري بما تحمله من رموز ومدلولات ثقافية ترتبط بالصبر، ويستفيد منها العرض واستفاد منها تماماً في إنتاج معناه، فالشخصية التي يقدمها العرض والتي تتعرض للقهر ترى في الصبر مخرجاً وخلاصاً أولياً لها قبل أن يحصل لها التحول واكتساب الوعي عبر ما قامت الذات المنتدبة باستعادته عبر فعل الحكي. والصبر كخلاص أولي هو ذاته الدلالة التي ترتبط باستدعاء اسم (أيوب)، إنها دلالة جاهزة مستقرة في الشفرة التراثية الخاصة بالمشاهد المصري، غير أن الشخصية تتمرد بعد تحولها واكتسابها الوعي الذي أنتجته الذات المنتدبة عبر فعل السرد الاستعادي، فتخلصت من (أيوب) وصارت علي نقيضه تماماً.
وينبغي الإشارة هنا إلي أن استخدام الاسم (أيوب) في العنونة كشفرة، كان ذو ارتباط ثنائي الدلالة للشفرة؛ وهي شفرة واسعة الانتشار Broadcast Code؛ ومستوى الارتباط الأعلى لهذه الشفرة يكون لصالح الصبر، والأدنى لصالح التعرض للكرب والظلم، وهو ما يستدعي الارتباط الأعلى مرة أخري ليؤكد عليه ويستحضره تماماً. و(أيوب) كشفرة شائعة نستطيع أن نتنبأ بها وبما تولده من أكلاشيهات وأنماط دلالية، ووضعها في العنوان نوع من التشفير الزائد Overcoding للعرض جعله يسير جهة القراءة الحتمية شديدة التحديد لولا الفعل التحريضي المرجأ في نهاية العرض.
أما في عرض (الممنوعات)؛ فهو يستخدم تناصاً في العنوان ـ أيضاً ـ مع عنوان قصيدة "الممنوعات" للشاعر (أحمد فؤاد نجم)؛ والتي يقول في مطلعها:
"ممنوع من السفر
ممنوع من الغنا
ممنوع من الكلام
ممنوع من الاشتياق
ممنوع من الاستياء
ممنوع من الابتسام
وكل يوم فى حبك
تزيد الممنوعات"
وهي شفرة ضيقة الانتشار Narrowcast Code علي نقيض شفرة (أيوب) الشائعة؛ فليس كل الجمهور يعرف الشاعر (أحمد فؤاد نجم)، وليس كل الجمهور يعرف قصيدته "الممنوعات" أو يعرف أن الشيخ (إمام عيسى) قد قام بتلحينها وغناءها، وقليلون هم الذين سمعوها بلحن وأداء الشيخ (إمام عيسي)، وقد حاول البعض الخروج علي لحن الشيخ (إمام عيسي) بوضع ألحانهم الخاصة لهذه القصيدة المجهولة بالنسبة للجمهور، مثال ذلك ما فعله (سعيد صالح) في أحد عروضه المسرحية وقام بغنائها أيضاً.
العرض المسرحي (أيوب) استفاد من تناصه مع شفرة شائعة الانتشار، وأجاد التعامل معها، بينما لم يستفد العرض المسرحي (الممنوعات) من تناصه مع شفرةٍ ضيقة الانتشار.
ويأتي نص "ملك بلا شعب" الذي قدم برؤيتين إخراجيتين، لقدم تناصاً علي مستوي البنية الدرامية مع المسرحية الغنائية "ناطورة المفاتيح" للأخوين (رحباني)، والتي يفقد فيها الملك شعبه بسبب ظلمه وعدم اكتراثه به، لكن يبقى أحد أفراد الرعية التي ترك معها الشعب مفاتيح البيوت، وطيلة العرض يحاول الملك أن يستعيد شعبه دون فائدة، ولا يستعيده إلا عندما يعترف بأخطائه ويعتزم تصحيحها. إن نص "ملك بلا شعب" ينطلق من التناص مع هذه الفرضية الدرامية الخاصة بهجران شعب لمملكته تاركاً ملكه وحيداً، غير أن الملك هنا يناقش المشكلة مع نفسه، ولأن ذاته لا تمتلك الوعي الكافي لإجراء مثل هذه المناقشة فقد استدعت شخصيات يتقمصها الملك ليناقش معها الأمر من وجهة نظره التي تعطي الأولوية للملك علي الشعب.
أما عن التناص في عرض (أنا مش شكسبير)؛ فإنه مبني علي التناص وهو ما جعل العرض مثقلاً بالتشفير الذائد. فالعرض ينني عبر مجموعة من التناصات بعضها في بنية النص ذاته، أو في مجموعة النصوص التي يستعيدها عبر مسجل الصوت (Playback)، أو باستخدام النص الشعري الغنائي كأغنية خارجية تعلق أو تشارك في تكوين المشهد الدرامي يستعيدها عبر مسجل الصوت (Playback). إن الذات المنتدبة هي التي يقوم بكل عمليات التناص تلك لتخفي عجز الذات الفاعلة عن القيام بدورها، كذلك لأن الذات المتأملة قد أسلمت نفسها لمجموع النصوص التي قامت الذات المنتدبة باستدعائها.
ستجد نصوص شكسبير حاضرة دون تأويل أو إعادة إنتاج مثل "هملت" أو "الملك لير"، أما "يوليوس قيصر" فقد قام بإعادة أنتاجه بأن جعله مشاكلاً للرئيس المصري الراحل (أنور السادات) رغم أنهما ـ يوليوس والسادات ـ مختلفين، إلا أنه جمع بينهما في صورة واحدة، فحاكي الزي الروماني واستعان بالغليون، واستخدم نص شكسبير "يوليوس قيصر" مع أداء يحاكي به بعض خصائص الأداء الصوتي التي اشتهر بها الرئيس السادات. لقد شاكل بين يوليوس قيصر والسادات في أن الاثنين قتلا غدراً دون أن يحدد القاتل، وهذا التشفير الزائد المعقد المعتمد علي شفرات ضيقة الاستخدام ـ في حالة التشاكل التي أعاد إنتاجها ـ كان مجاني وغير متأول لتعقيده الزائد عن الحد.
في عرض (انا مش شكسبير) يتناص مع نصوص شكسبير كما ينتاص مع أغنيات الشيخ (إمام عيسي) والسيدة (أم كلثوم)، ومسمع لأحد مشاهد فيلم (إسكندرية ليه؛ إخراج: يوسف شاهين؛ 1979م) بصوت الفنان (محمود الميليجي)، وكذلك مسمع مسجل من أحد البرامج التلفزيونية به شكوى ومعاناة أحد المواطنين، وهي تناصات جلها يتسم بالغموض وعدم الوضوح الدلالي كشفرات خاصة استخدمت في هذا السياق المصطنع من مجمل هذه التناصات.

7. المحرمات
تعاملت عروض الدورة الخامسة لمهرجان الساقية للمونودراما بحياد ـ بل وباستحياء ـ مع التابوهات التي عادةً ما نجد عروض الشباب تذهب إلي مناقشتها طارحةً رؤى تخرق المحرمات السياسية وتنتقدها، وأخرى تفسر التاريخ، وثالثة تحطم التابو الجنسي الذي قد يفترضه المجتمع.
لعلنا نجد أن العرض الوحيد الذي اقترب من الميتافيزيقا واستخدمها بخوف في أحداثه هو عرض (حلم رجل مضحك)، وقد طرحها علي أنها مجرد حلم، وليس هناك حرج أو ممنوعات في الأحلام. أما التابو الجنسي فقد اقترب منه عرضين برؤى مشوشة وغير منضبطة؛ ولا نستطيع أن مناقشتها لتشويشها؛ وهما عرضي (نون النسوة) و(قرار رقم 1).
أما عن العروض التي تقوم بطرح رؤى تخترق المحرمات السياسية، فقد كانت متعددة رغم سطيحة مناقشاتها أو عدم جديتها. ويمكننا أن نقدم قائمة بمجموعة من العروض التي ناقشت الهم السياسي في سياقها أو أشارت إليه؛ منها: (بلاهوية؛ إخراج: جورج فوزي)، و(أفكار جنونية في دفتر هملت؛ إخراج: وائل أحمد زكي)، و(أنا مش شكسبير؛ إخراج: منير يوسف)، و(أيوب؛ إخراج: حمدي التايه)، وأخيراً عرض (الممنوعات؛ إخراج: إبراهيم الشيخ) والذي كان أكثر العروض محاولةً لاختراق المحرمات السياسية.
أما العروض التي لم يكن لها شاغل إلا الهم السياسي ومناقشته كمحور أساسي في رؤيتها، فهي جد قليلة، وهي: (ملك بلا شعب) في نسختيه الإخراجيتين لكل من (أمير وجدي) و(أحمد قاسم)، وعرض (علامة استفهام؛ إخراج: محمد زهير). ولعل السر في عدم اهتمام العروض باختراق التابوهات أو مناقشتها مناقشةً عميقة، هو انشغال العروض؛ أغلب العروض؛ بالهموم الفردية وبمحاولة استجلاء الذات، أو بمحاولة مناقشة أفكار الخلاص سواء في بنيتها العميقة أو السطحية.

8. العنف كحل
قدم ثلاثة عروض العنف كخلاص هروبي من موقف الذات المأزومة في هذا العالم، كسلوك مقترن باستخدام القوة الفيزيائية، وليس باعتباره سلوكاً يحمل في طياته القسوة ومنع المودة. سنجد أن الشخصية التي كانت تلعبها الممثلة (منار) في عرض (الممنوعات؛ إخراج: إبراهيم الشيخ) قد عثرت علي خلاصها في التمرد، والذي تصورت أنه يمكن أن يتمثل في التعبير عن الرأي، لكنها صاحبت أداءها لفعل خلاصها (التعبير عن الرأي) بفعل فيزيقي مارست فيه القوة بشكل رمزي تعبيراً عن تحطيم العالم، بأن قلبت مجموعة الكراسي التي شكلت منها عالمها المسرحي طيلة العرض، ثم هربت من خشبة المسرح إلي الصالة حيث الجمهور.
أما الممثل (منير يوسف) الذي كان يبحث عن نفسه في دراما/نصوص شكسبير في عرض (أنا مش شكسبير؛ إخراج: منير يوسف) ولم يجدها، فثار علي عالمه وحطمه كفعل فيزيقي أخير.
أما الملك (محمود جمال) في عرض (ملك بلا شعب؛ إخراج: أحمد قاسم) فبعد أن يهبط من فوق خشبة المسرح إلي صالة المشاهدين خاطباً فيهم خطبةً تعتمد علي صيغ الاستفهام في إلقاء المسئولية علي الشعب أكثر مما تلقيها علي الملك، يصعد إلي خشبة المسرح ويحطم العالم الذي تمرد عليه.
حقاً لم يكن فعل العنف يلحق الأذى بالآخرين، لكنه كان فعل عدواني رمزي تجاه العالم والأشياء، وهو فعل خلقته مجموعة من عوامل القهر الخارجية التي التقت مع إحباطات الذات الداخلية، وهذا هو القاسم المشترك الأدنى بين هذه العروض الثلاثة.

9. الهبوط من خشبة المسرح
تعددت حالات هبوط الممثل من خشبة المسرح (مساحة الأداء المتعينة) لتمتد مساحة الأداء الخاصة به إلي حيث المساحة المخصصة للجمهور، ويمكننا أن نرصد قائمة من العروض التي تعدي ممثليها علي مساحة المتلقيين، بل ومن العروض من بدأ ممثلها من وسط الجمهور صاعداً إلي خشبة المسرح (مساحة الأداء)، وقد تنوعت الدلالة الناتجة عن هذا التعدي كما تنوعت صوره صعوداً وهبوطاً.
فحركة الهبوط أو الصعود من وإلي خشبة المسرح يمكن حصرها مبدئياً في غرضين رئيسيين؛ هما:
1. تنظيم فضاء الفرجة المسرحية؛ ففي عرض (حلم رجل مضحك) كان هبوط الممثل من المسرح ومشاركة الجمهور في معرض الحديث عن الجنة المتوهمة يوحي للمشاهد بأنه علي الأرض ويشاهد الجنة المتوهمة علي خشبة المسرح التي هبط منها الممثل تواً، وهو فعل له ارتباطات مثيولوجية. وفي بداية العرض استخدم فعل الصعود إلي خشبة المسرح للتفرقة بين مكانين أحدهما الشارع الذي جاء منه والأخر المنزل الذي صعد إليه. أما في عرض (الهزيان) فبعد أن صور الممثل للمشاهدين الماسي النفسية التي من الممكن أن يلاقيها الجنود في أحد الخنادق في ساحة القتال (خشبة المسرح) هبط الممثل ليطلب الحماية من المشاهدين الجالسين في المساحة الآمنة. فعل الهبوط في عرض (حلم رجل مضحط) يقسم المساحة إلي أرض وجنة، وفي عرض (الهزيان) ساحة قتال وساحة آمان. وفي عرض (أفكار جنونية من دفتر هملت) كان هبوط الممثل من خشبة المسرح إلي الصالة ليضع أسئلة علي لسان الصالة إلي العالم المتخيل الذي عرضت له الذات علي خشبة المسرح، ليصنع مسافة متوهمة بين السائل (عالم المتلقيين) والمسئول (عالم العرض المسرحي).
2. مخاطبة الجمهور عن قرب وبحميمية؛ كما في عروض: (علامة استفهام)، و(الممنوعات)، و(عفواً أرسطو)، و(نون النسوة)، و(ملك بلا شعب؛ إخراج: أحمد قاسم)، و(قضاء وقدر). وعادة ما يكون هذا الهبوط ختامي مصحوب بأسئلة أو بخطاب لغوي بلاغي.
وقد كان فعل الهبوط والصعود متكرراً في عرضي (حلم رجل مضحك) و(علامة استفهام) وإن تباين الغرض منه في كلا العرضين. أما في عرض (أنا مش شكسبير) فقد استخدم فعل الصعود للتدليل علي أن هذه الذات ىالمنتدبة قادمة من وسط المشاهدين وأنها واحدة منهم وتنتمي إليهم. أما باقي العروض التي أُشير إليها فقد استخدمت فعل الهبوط وفقاً للغرضين الذين سبق توضيحهما فيما سبق.

(الصورة من أحد عروض المهرجان)

التعليقات