أخر المقالات

مع الاعتذار للكلاب

الكاتب : كريم بهاء

لم يكن يجد ما يكتبه .. الوجوه و الاحداث كما هي .. لاجديد .. التاريخ اصابه الملل فاصبح يدور حول نفسه في دوائر مكررة .. ما كنا فيها بالامس اصبحنا عليه اليوم .. لاجديد .. فعن ماذا يكتب .. و المطلوب تسليم المقال خلال ساعات .. يعلم جيدا انها ستنقضي في لحظات .
وقرر ان يكتب عن الكلاب .. خاصة الكلاب الموجودة حول مسكنه تملاء الشوارع المحيطة بمنزله بالعواء و العويل .. بالصراع و الشجار .. و يمسي النوم ليلا امرا مستحيلا .
وكان هذا مقاله ..
" .. عزيزي القارئ لا يوجد في العالم اي جديد لنكتب عنه .. و لكن لدي كلاب الشوارع دائما الجديد .. فمقالي اليوم يا سادة عن الكلاب .. ليس انواعها و لا تصنيفاتها .. و لكن عن حياتهم في شوارعنا .. تلك الكلاب البلدي الوديعة .. التي تعوي عليك لتخيفك فما ان تنظر لها حتي ترتد هي خائفة منك .. انها الان في حالة حرب .. الكلاب في منطقتي تحارب بعضها البعض .
من الواضح انها حرب لتقسيم الشوارع فيما بينها .. كلاب تعوي من هنا و اخري من هناك .. و ستجد الامر واضحا حين تنظر الي تجمعات الكلاب .. كل مجموعة تقف متربصة بالطرف الاخر .. تعوي بين الحين و الاخر على بعضها البعض .. ربما تندفع مسرعة مهددة الطرف الاخر .. و لكنها ترتد دون شجار .
الشجار يبدأ حين يكتشف فريق من الكلاب وجود متسلل بينهم من الفريق الاخر .. هذا المتسلل ربما يكون كلب نحيف ضئيل الجسد .. ربما يكون لاجئ فر من فريقه .. ولكن حتي يدرك الفريق المتسلل اليه الامر .. يكون الكلب المتسلل قد تناول علقه ساخنة بالقضم و الجز بالاسنان على ساقيه .. وتحديدا في اعلي وركه حتي يتم شله حركته اوتقليلها .
لكن الفريق الاول لاحظ .. تكرار المتسللين .. كلب يأتي كأنه عضو في فريق الاستطلاع و يكون دائما ضعيف البنية .. وبالطبع ان يصبح اسيرا للفريق .. يصبح عليهم اعالته فلقد انضم اليهم بالقوة الجبرية الان و اصبح له مكان يقيم فيه .. حتي و ان كان هذا المكان هو الاماكن الاسوء في الشارع وهي تحت السيارات التي كثيرا ما تتحرك لتوقظ الكلب النائم تحتها .. و النوم تحت السيارات يعني تقبل ان يهاجمك الناس او يصرخوا في وجهك لمجرد رؤيتك .. وهكذا يكتشف الفريق خطورة الامر .. ان الفريق الاخر ينتحر بالتدريج ويرسل رعاياه الضعاف لينضموا الي فريقنا او يلقون بمهمة رعايتهم علي الفريق الاول .
هكذا بدون تفكير و بعد ان انهي تبوله فوق احد اطارات السيارات محددا جغرافية منطقته قرر ان يهاجم .. و مع اخر ضوء للقمر .. بدء هجوم الفريق الاول .. لن يكون هناك عواء من بعيد او قريب .. وهتافات و مناوشات .. بل صراخ كلابي و ضربات وقضمات .. ستكون معركة يفرض بها الفريق الاول انتصاره و يحتل كل الشوارع .
لكن المشكلة انهم حين تحركوا ناحية الشوارع الخلفية حيث الفريق الاخر لم يكن موجودا اي من كلاب المواجهة .. ولم يكن هناك خط امامي من الكلاب لذا استمروا في المتابعة وفي كل مرة يتبول القائد على اطار احدي السيارات محددا ارضه الجديد و مرسلا رسالة واضحه للجميع انه الان قائد الشارع الجديد و الشوارع الاخر .
وتابعوا التقدم حتي توقفوا لحظة و على مسافة مناسبة من كشك يحتل ارض فضاء .. كان الكشك يحتل الارض الفضاء سواء بمبني متهاوي او كم كبير من كراتين لمنتجات لا لزوم لها .. مساحة تعبر عن حجم استهلاك التفاهات .
وحول الكشك وقف المستهلكين من مراهقين اكبرهم لا يتجاوز السادسة عشر .. يمارسون هوايتهم الشهيرة في احترام بعضهم البعض بسب الاباء و الامهات لاي شخص حتي لو كان صديق او لاعب كرة يحبونه .
توقف الفريق الاول وتقدم قائدهم بخطي توحي لتابعيه بثقته بنفسه .. و لكنه لم يكن يخفي قلقه .. حين نظر للمراهقين .
القلق لم يكن من المراهقين انفسهم و لكن من واحد منهم فقط يدور حول كلب وولف ضخم .
الكلب الوولف لم يكن مثل الكلاب البلدي .. حفرت الحياة خطوط قوتهم و عجنت الشوارع داخلهم خبرة المعارك والمواجهات .
كان كلب ضخم قوية البنية تربية منازل .. كلب يبدو كخواجه بين الكلاب .
ولكنها منطقة الفريق الاول .. هكذا بدون تردد اندفعت الهوهوا من فم قائد الفريق الاول ليتشجع كل افراد فريقه وتنطلق الهوهوا .. و ما كان من الكلب الوولف الا ان رد بقوة و لكن ليس بالنباح .
بل اندفع نحوهم بعد ان فلت من يد صاحبه المراهق .. ليرتعد كل كلاب الفريق الاول و يهمون بالهرب .. و كان ابطأهم في التراجع قائد الفريق الذي ما ان وصل اليه الوولف حتي قفز فوقه من اعلي كأنه طائرة و اسقطه ارضا ليخلف القائد الراقد ارضا عاصفة من الاتربة .. و يحاول الهرب فيتعرض لضربه اخري من قفزة اخري .
ويتدخل المراهق مع اصدقائه و هم لم يتوقفوا عن الضحك والسخرية من الكلاب البلدي الحقيرة ..
تماسك قائد الفريق الاول و حاول ان ينسحب وهو يزك على ساقه .. انكسر داخله كل شئ .. ادرك لما اختفي الفريق المنافس له .. كانوا اكثر ذكاءا منه و اختبئوا في جحور كالفئران .. تفادوا مواجهة الكلب الوولف حفاظا على حياتهم لا كرامتهم ولا ارضهم .. تركوا له الشوارع يذهب و يجيئ فيها كما يريد .
انكسر قائد الفريق و هم بالرحيل .. و من المدهش ان انكسار روحه حوله مع الوقت الي كلب متسلل في فريقه فلم يعد قادرا على القيادة بعد اليوم .. خاصة و ان فرقتهم حاكموه و كادوا ان يطردوه لولا تاريخه و وقوف البعض معه .. فكان القرار ان يظل اداة يستخدموه وقتما احتاجه كمتسلل في معارك قادمة .
لكن قبل ان نذهب لمستقبل القائد المنكسر .. علينا ان نعود الي الكلب الوولف الذي وقف مختالا في منتصف الشارع .. متباهيا بانتصاره الطائرة على ارض الشارع .
وقف متباهيا بينما صاحبه المراهق يعوي بضحكاته مع اصدقاءه بصورة مزعجة للجيران اكثر من انزعاج السكان من نباح الكلاب .
و عيون تتابع من اركان مظلمة .. عيون الكلاب تتابع من جحورها وقوف الوولف وتمنياتهم رحيله .
قبل ان يأتي من قلب الظلام .. كيس يسقط من اعلي ممتلئ ببول بشري .. الكيس اصاب الكلب الوولف في وجهه مباشرة ليصرخ الكلب متأثرا و منزعجا .. صدر منه انين قوي طويل يزعج الاذان و شد انتباه صاحبه المراهق الذي اخذ يسب بغضب الشخص الذي قام بالقاء الكيس .. و لم يتوقف سبابه بحثا عن البني ادم ملقي الكيس واستمر يسبه مقرعا ابيه و امه .. لم يجيبه احد .. و الوولف مكسور افاق من انكساره سريعا و هو يشعر بمساندة صاحبه .. فأخذ يعوي بغضب .
الكلاب في جحورها .. الظلام يسيطر على واجهات العمارات .. كيس البول الادمي على الارض .. الوولف يعوي .. و يتمني ان يجد من ينقض عليه .. المراهق يسب الجميع حتي اصدقاءه الذين يحاولون تهدئته ..
وبقي المشهد كما هو متكررا كل ليلة ..
في نفس المكان ..
بنفس الطريقة ..
بنفس الاداءات ..
وكأن التاريخ اصابه الملل .. و لم يعد هناك جديد في حياة الكلاب .. "
انهي مقاله وهم بارساله مع سكرتيرته قائلا .
- ارسلي المقال لصفحة السياسة الدولية .
اخذت منه المقال و تابع قائلا ..
- قولي لهم ان يقرؤه جيدا .. فلربما غضب الكلاب منه ..
لم تفهم ما قاله الا انه ابتسم بهدوء و قبل ان ترحل سألته .
- المقال بلا عنوان ..
عاد من ابتسامته و فكر لبرهة قبل ان يقول لها ..
- ليكن العنوان .. مع الاعتذار للكلاب .

التعليقات