الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

طبيعة نظام الحكم خلال الفترة مابين تاسيس دولة الاسلام حين هاجر النبى و اصحابه الى المدينة الى أن قُتل عمر و استَخُلف عثمان ؟

الكاتب : د/ حسن الغنيمى


يثور التساؤل عن طبيعة نظام الحكم خلال الفترة مابين تاسيس دولة الاسلام حين هاجر النبى و اصحابه الى المدينة الى أن قُتل عمر و استَخُلف عثمان ؟
قد يظن البعض أنه كان نظاماً ثيوقراطياً يعتمد دائما على الدين . فالنبى هو مؤسس الدولة بأمر من الله عز و جل الذى اوحى اليه بمجملات و مفصلات الحكم و قد تنزل الحكم من النبى الى الإمامين الراشدين أبى بكر و عمر .
لكن هذا الرأى هو أبعد الآراء عن الصواب فقد كان الاسلام و مازال دينا وجه الناس الى مصالحهم فى الدنيا وفى الآخرة بما بيِن اليهم من الحدود و الاحكام . لكنه لم يسلبهم حريتهم و إنما ترك لهم خريتهم فى الحدود التى رسمها لهم و ترك لهم عقولاً تستبصر وأذن لهم فة توخى الخير و الصواب .
و قد أمر الله نبيه فى ان يشاور المسلمين فى الامر و هذا ما حدث فى كثير من المشاهد المعروفة . كما ان القرآن لم ينظم أمور السياسة تنظيماً مجملاً أو مفصلاً كما أن النبى لم يرسم بسُنَته نظاماً معيناً للحكم ولا للسياسة و لم يستخلف على المسلمين أحداً من أصحابه بعهد مكتوب أو غير مكتوب حين ثقل عليه المرض، وإنما أمر أبا بكر فصلى بالناس، وقال المسلمون بعد ذلك: رضيه رسول لله لأمور ديننا فما يمنعنا أن نرضاه لأمور دنيانا؟ ولو قد كان للمسلمين نظام سياسي منزل من السماء لرسمه القرآن أو لبين النبي حدوده وأصوله، ولفرض على المسلمين الإيمان به والإذعان له في غير مجادلة .
ومن أجل ذلك لم يورث السلطان عن النبي وراثة؛ لم يرثه عنه أهل بيته، ولم يرثه عنه أبو بكر نفسه، وإنما تلقى هذا السلطان من الجماعة التي بايعته به وائتمنته عليه، ثم لم يرث أبناء أبي بكر عنه الخلافة، ولم يرثها عنه عمر نفسه، وما كان استخلاف أبي بكر لعمر إلا مشورة على المسلمين، وآية ذلك أن عهد أبي بكر لم ينفذ ولم يصبح عمرُ خليفة إلا بعد أن بايعه المسلمون رضًا برأي أبي بكر وقبولًا لمشورته، وآية ذلك أيضًا أن عثمان خرج بعهد أبي بكر إلى الناس مختومًا وأبوبكر لم يمت بعد، فقال لهم: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ قالوا: نعم؛ لأنهم كانوا يثقون بأبي بكر ويرضون رأيه ويرون أنه لهم ناصح وبهم رءوف. ولم يرث أبناء عمر عنه الخلافة، وكره عمر أن تكون الخلافة بعده في أحد من ولده، وأشرك ابنه عبد لله في
الشورى على ألا يكون له في الأمر شيء، ومن أجل ذلك أيضًا سخط عامَّة المسلمين على
توريث السلطان في أيام معاوية، وقال قائلهم: إنه جعلها هرقلية أو كسروية. فإذا دل هذا كله على شيء، فإنما يدل على أن الحكم أيام النبي لم يكن مفروضًا من السماء لا رأي للناس فيه. وإذا كان الأمر كذلك أيام النبي الذي كان يتنزل عليه الوحي، فأحرى أن يكون الأمر كذلك أيام صاحبيه بعد أن تقطع عن الناس خبر السماء .
ويظن آخرون أن نظام الحكم أيام النبي وصاحبيه قد كان نظامًا ديمقراطيٍّا،وهذا تَجَوُّزٌ في الألفاظ وخروج بها عن الدقائق من معانيها. وقد ينبغي أن نتبين معنى الديمقراطية بالدقة قبل أن نقول إن نظام الحكم هذا كان أو لم يكن ديمقراطيٍّا .
فالديمقراطية لفظ يدل به على حكم الشعب بالشعب وللشعب، أي على أن يختار الشعب حكامه اختيارًا حرٍّا، ويراقبهم مراقبة حرة؛ ليتبين أنهم يحكمونه لمصلحته هو لا لمصلحتهم هم ويعزلهم إن لم يرض عن حكمهم ولم يطمئن إلى الثقة بهم .
فإذا فهمت الديمقراطية على هذا المعنى الدقيق، فليس من شك في أن نظام الحكم في الصدر الأول من حياة المسلمين لم يكن ديمقراطيٍّا؛ فالشعب لم يكن يختار حكامه وليس الشعب هو الذي اختار النبي ليبلغه رسالات ربه وليقيم الأمر فيه بالقسط والعدل، ولكن الله أرسل رسوله فاتبعه من اتبعه وخالف عنه من خالف عنه، وإذا قلنا إن الذين اتبعوا النبي من أصحابه قد اختاروه ليكون لهم حاكمًا، فهم لم يختاروه على النحو الذي يُختار عليه الحكام في النظام الديمقراطي، وهم لم يكونوا يراقبونه ولا يحاسبونه، وإنما كان النبي يستشيرهم فيشيرون عليه، وكانوا يشيرون عليه حسبة أحيانًا، وكان يقبل منهم أو لا يقبل. وليس من الدقة في شيء أن يقال إن حكم أبي بكر وعمر قد كان حكمًا ديمقراطيٍّا بالمعنى التدقيق، فليس كل المسلمين قد
اختاروا أبا بكر وعمر لأمر الخلافة، وإنما اختارهما فريق بعينه من المسلمين، وهم أولو
الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، على ما كان بينهم في ذلك من اختلاف أول الأمر
ولم يُستأمر العرب الذين مات النبي وهم مسلمون من أهل مكة والطائف والبادية في اختيار أبي بكر أو عمر، وإنما اختارهما أهل المدينة فسمع لهما سائر المسلمين وأطاعوا .

فإذا أطلق لفظ الديمقراطية بمعناه العام الذي يفهم منه حاجة الحكام إلى رضا الشعب عنهم وثقة الشعب بهم، وأخذ الحكام أنفسهم بأن يسيروا في الشعب سيرة تقوم على العدل والمساواة،وتبرأ من التسلط والاستعلاء؛ فأنت تستطيع أن تقول: إن نظام الحكم في الصدر الأول للإسلام قد كان نظامًا ديمقراطيٍّا بهذا المعنى العام الذي ليس له مقاييس ولا معايير ولا حدود.
و نرى أنه كان نظامًا عربيٍّا خالصًا بيَّن الإسلام له حدوده العامة من جهة، وحاول المسلمون أن يملئوا ما بين هذه الحدود من جهة أخرى. و مما نلاحظه من العناصرالتي كان هذا النظام يأتلف منها هى :
1- العنصرالديني:
فلم يكن هذا النظام، نظامًا سماويٍّا، وإنما كان نظامًا إنسانيٍّا، ولكنه على ذلك تأثر بالدين إلى حد بعيد جدٍّا. لم يكن الخليفة يصدر عن وحي أو شيء يشبه الوحي في كل ما يأتي وما يدع، ولكنه على ذلك كان مقيدًا بما أمر لله به من إقامة الحق وإقرار العدل واجتناب المنكر والصدود عن البغي .
2- الارستقراطية :
الأرستقراطية التي لا تعتمد على المولد ولا على الثروة ولا على ارتفاع المكانة الاجتماعية ، وإنما تعتمد على شيء آخر أهم من هذا كله: وهو الاتصال بالنبي أيام حياته، والإذعان لما كان يأمر به وينهى عنه في غير تردد ، والإبلاء بعد ذلك في سبيل لله في أوقات السلم والحرب .

فالذين سبقوا إلى الإسلام،والذين عُذبوا في لله، والذين هاجروا بدينهم إلى بلاد الحبشة ثم إلى المدينة، والذين آووْا ونصروا، والذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل لله، والذين لزموا النبي يسمعون له ويكتبون عنه — كل أولئك كوَّنوا هذه الطبقة التي أحبها لله ورسوله وأكبرتها عامَّة المسلمين. وهذه الطبقة لم تكن ترى نفسها أحق بالامتياز ولا أجدر بالاستعلاء، وإنما كانت ترى نفسها كغيرها من الناس، وكان تواضعها نفسه يزيدها حبٍّا عند رسول لله،ويرفعها درجات عند لله، ويعلي مكانتها في نفوس عامَّة الناس .
فمن هذه الطبقة وحدها يُختار من يخلف النبي في أمته، وعلى هذه الطبقة وحدها يَعتمد الخليفة في أن يسمع له الناس ويطيعوا، وإلى هذه الطبقة وحدها يلجأ الخليفة حين يحتاج إلى التشاور وإدارة الرأي.
على أن الأمر لم يقف عند هذا بعد وفاة النبي، فلم تكد تمضي أيام بل ساعات على وفاة النبي حتى عرف الإسلام نوعًا جديدًا من الأرستقراطية يتصل بالحكم نفسه اتصالاً شديدًا؛ وذلك حين تحدث المسلمون في أمر الخلافة، فقال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير وروى أبو بكر عن النبي أنه قال: الأئمة من قريش، ثم قال للأنصار: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. وقَبِلَ الأنصار ذلك لم يكادوا يعارضون فيه .
و لكن يجب ان نفرق بين فهم عمر و ابو بكر لتلك الارستقراطية الجديدة و فهم قريش لها . فما من شك في أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح لم يفكروا في إطلاق الإمامة لقريش كلها بغير تحديد، وأكبر الظن أنهم إنما فكروا في المهاجرين الذين سبقوا إلى الإسلام . فالكثرة العظمى من هؤلاء المهاجرين قرشية .
ولكن قريشًا فهمت قول أبي بكر على غير ما أراده هو وعلى غير ما فهمه أصحابه في ذلك الوقت، فاستيقنت أن الإمامة حق لها لا ينبغي أن يعدوها إلى غيرها، وأنها حق لها لمكانها من النبي. فحولت قريش ذلك فيما بعد إلى منافعها وعصبيتها، وخرجت بذلك عن أصل خطير من أصول الإسلام وهو المساواة بين المسلمين ولم تكد قريش تخطو هذه الخطوة حتى أتبعتها خطوة أخرى كان لها أبعد الأثر في حياة المسلمين، وهي تفضيل العرب على غيرهم من الذين اعتنقوا الإسلام، ولم يكن لهم في العرب نسب صريح. والناس جميعًا يعلمون أن استئثار قريش بالخلافة جر على المسلمين كثيرًا من الفتن.
وقد يكون من الإنصاف أن نلاحظ سياسة عمر لهذه الطبقة الممتازة من أصحاب النبي، فهو قد أمسكها في المدينة و لم يأذن لها في أن تتفرق في الأرض، خوفًا عليها وخوفًا منها. و بمفهوم عصرنا الحديث فقد أمسك عمر هذه الطبقة الممتازة فى المدينة خوفاً من استغلال النفوذ؛ فقد استقامت أمور المسلمين وأمور هذه الطبقة نفسها ما أمسكها عمر في المدينة ووقفها عند حدود معينة من الحركة والاضطراب، فلما تولى عثمان وخلى بينها وبين الطريق لم تلبث الفتنة أن ملأت الأرض شراً ، لا لأنها أرادت الشر أو عمدت إليه، بل لأنها استكثرت من المال والأنصار من جهة، ولأن الناس افتتنوا بها من جهة أخرى، فكان لكل واحد من زعمائها مواليه وأنصاره وشيعته. فضلاً عن أن عثمان وصلهم أيضًا بالصلات الضخمة من بيت المال،
وإذا كثر المال على هذا النحو لفريق بعينه من الناس، وأتيح لهم أن يشتروا الضياع في الأقاليم، ويتخذوا الدور في الأمصار، ويتخذوا القصور في الحجاز، ويستكثروا من الموالي والأتباع والأشياع في كل مكان؛ فقد فتحت لهم أبواب الفتنة على مصاريعها، وكان من أعسر العسر عليهم أن يتجنبوا الولوج في هذه الأبواب، وقد تجنبها منها متجنبون: تجنبها سعد بن أبي وقاصالذي لم يشارك في فتنة وإنما اعتزل الناس حين أخذهم الشر، وتجنبها عبد الرحمن بن عوف الذي يقال إنه ندم على ما كان من اختياره لعثمان،وتجنبها عليٌّ رحمه لله، فلم نعلم أنه اتجر أو اتخذ الضياع والدور في الأقاليم، وإنما أقام في المدينة حيث بوأه رسول الله، وكان
له مال في ينبع يذهب إليه من حين إلى حين .
و للحديث بقية ......

التعليقات