الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

ما طرأعلى نظام الحكم من متغيرات خلال خلافة عثمان

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

مشكلة كبرى و حل سياسى :
كان أول ما عرض لعثمان من الأحداث قبل أن يستتم اليوم الأول من أيام خلافته، قصةعبيد لله بن عمر الذي قتل الهرمزان وجفينة وبنت أبي لؤلؤة، فأبو لؤلؤة هو قاتل عمر؛ ولكنه قتل نفسه قبل أن يسأل في ذلك أو يجيب، وقال بعض الناس: إنه رأى أبا لؤلؤة والهرمزان، وكان قد أسلم، وجفينة وكان نصرانيٍّا، قد خلصوا نجيٍّا وفي أيديهم هذا الخنجر يقلبونه، فلما أقبل عليهم قاموا وسقط الخنجر من أيديهم. فلما مات عمر أقبل ابنه عبيد لله شاهرًا سيفه حتى أتى الهرمزان فقتله ثم أتى جفينة فقتله. ثم أتى منزل أبي لؤلؤة فقتل ابنته، وبلغ الخبر صهيبًا وكان على صلاة الناس، فأرسل إليه مَن يكفُّه من المسلمين، وقد انتهى إليه سعد بن أبي وقاص فساوره وما زال به حتى أخذ منه السيف، ثم حُبِسَ حتى يقضي الخليفة في أمره.

و أختلف أهل الشورى الى رأيين أولهما لأهل البصيرة والفقه وفيهم عليٌّ و أشاروا بالقَوَدِ؛ لأن عبيد لله قد تعدى حدود الله. و ثانيهما كان لقوم كثير من المسلمين قالوا : يقتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم .
فكان حكم عثمان ان قال : أنا ولي الهرمزان وولي من قتل عبيد لله، وقد عفوت وأدفع دية من قتل من مالي إلى بيت مال المسلمين. .
وفي إمضائه الحكم على هذا النحو سياسة رشيدة لو نظر الناس إلى القضية نظرة سياسية خالصة. فلم يبعد من قال من المسلمين: يقتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم؟! ولو قد قتل عثمان عبيد لله بن عمر في القصاص لغيَّر على نفسه قلوب آل الخطاب خاصة وبني عدي عامة، بل لغير قلوب قريش كلها وقلوب كثير من غير قريش. ولو قد عفا ولم يعقل القتلى لفتح بابًا من أبواب الفوضى لا سبيل إلى إغلاقه .
هل التزم عثمان بما أعلنه من تصورللسياسة التى أراد أن يحكم بها المسلمين ؟
لم يكد عثمان يستقبل خلافته حتى أصدر إلى الأقاليم كتبًا،منها ما وُجِّهَ إلى العمال، ومنها ما وُجِّهَ إلى قواد الحرب، ومنها ما وُجِّهَ إلى عامَّة الناس وأقلُّ ما تُوصف به هذه الكتب أنها تصور السياسة التي كان عثمان يريد أن يأخذ بها المسلمين . وهى لم تخرج على سياسة عمر فيما كان يأخذ به عامَّة المسلمين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتزام السنة الموروثة واجتناب التكلف والابتداع .
كما أجاز عثمان وصية عمر لمن يليه الخلافة بعدم عزل عماله على الأمصار لمدة عام . وعلق سلطانه في الولاية والعزل تعليقًا أثناء هذا العام .
ولكنه باشر ما عدا ذلك من شئون السلطان العامة، و اتخذ قرارات تجاوز فيها سياسة عمر مثل :
1- زيادته في أعطيات الناس؛ فقد زاد الناس في أعطياتهم مائة مائة؟ ولم يكن قد طرأ ما يوجب هذه الزيادة بين موت عمر واستخلافه. كما زاد الأعلام من أصحاب النبي فوق ما كان لهم من العطاء المفروض .
2- أذن لكبار الصحابة في أن يتفرقوا في الأرض ويخرجوا من الحجاز ويلموا بالأقاليم، وكان عمر يحبسهم في المدينة ويأبى عليهم الخروج إلى الأقاليم إلا بإذن خاص منه.
(( فأي غرابة في أن يعظم ثراء هؤلاء الناس من جهة، ويكثر أتباعهم وأشياعهم من جهة أخرى، ويصبح كل واحد منهم رئيس حزب من الأحزاب يراه أحق الناس بولاية أمور المسلمين، وينتهز الفرصة ليمكِّنه من ولاية أمور المسلمين؟ ))
** مباشرةعثمان سلطته فى التولية و العزل بعد عامه الاول :
- كانت الولايات تختلف فيما بينها و كان لبعضها خطر في السياسة والإدارة والحرب، وهي الولايات التي فتحت على المسلمين، واقتطع بعضها من الروم وغلب الفرس على سائرها، وكانت هذه الولايات الخطيرة أربعًا: الشام ومصر والكوفة والبصرة.
ففيها الجند المقيمون، وكانت مصدر ثراء المسلمين؛ فيها الحضارة المستقرة المترفة، وفيها الأرض الخصبة التي تُغِلُّ ما شاء لله أن تُغِلَّ من الثمرات، وتؤتي ما شاء لله أن تؤتي من الخراج، وفيها المعاهدون الذين يؤدون الجزية. ثم هي بعد ذلك وجوه الفتح ومصادره، إليها تجلب الغنائم التي يغنمها الفاتحون في كل عام، ومنها ترسل الأخماس إلى المدينة . و نتناولها فى عجالة
الكوفة :
قام عثمان بعزل المغيرة بن شعبه الثقفى عنها وولى عليها سعد بن أبي وقاص لكنه عزله بعد عام وولى بعده الوليد بن عقبه ( لم يكن المسلمون يطمئنون اليه لكذبه على الرسول و كفره بعد اسلام ثم عاد فأسلم و حاول الاصلاح من سيرته ) لكن عثمان عزله بعد ذلك لشربه الخمر و أقام عليه الحد .
و كان خليقًا أن يرد أمر الكوفة إلى رجل من أصحاب النبي وأهل الكفاية من المهاجرين والأنصار، ولو قد فعل ذلك لاستصلح هذا المصر ولم يدفع أهله عامَّة في الفرقة والخلاف. ولكنه عزل عن أهل الكوفة رجلًا من آل أبي معيط، وأرسل إليهم رجلًا من بني أمية هو سعيد بن العاص .
و قد أحسن أهل الكوفة استقباله، وأحسن هو سياستهم أول الأمر، ولكنه لم يقم في الكوفة إلا قليلًا حتى بَصُرَبحقيقة الأمر وأنبأ بها عثمان، وكان فيما بعث إلى عثمان من ذلك تصوير دقيق لا لحال الكوفة وحدها، بل لحال غيرها من الأمصار كذلك؛ فهو قد رأى أن الكوفة إنما تتعرض للفتنة لسببين :
1 - تضاؤل السادة الذين سبقوا إلى الفتح واستقروا في المصر وضعف أمرهم بمرور الزمن، وفيهم الشريف الذي كانت له الرياسة في قومه، وفيهم القارئ الذي كانت له المكانة الدينية لاتصاله بالنبي أو بأصحابه. وقد أخذ الموت ينتقص منهم في الحرب والسلم جميعًا
2 - تزايد الطارئين ( من الاعراب و الأسرى ) والناشئين وما أكثر هذا الجيل الجديد الذي أخذ فى النمو و ظهر أمره. وكلهم حظه من الجهل أكثر من حظه من العلم، ونصيبه من الغلظة والجفوة أعظم من نصيبه من الرقة واللين. والأعراب يقبلون بما حفظوا من غلظهم وجفوتهم وعصبيتهم وجهلهم والأسرى يقبلون بما ورثوا من حضارتهم، وبما تستتبعه الحضارة في أعقاب أمرها من الضعف والفساد، وبما تستتبعه الهزيمة والرق من انكسار النفوس وذلتها، وحسرتها على ما مضى، وبأسها مما يُقبل، وبغضها لسيدها وخوفها منه ومكرها به وكيدها له والناشئون بين أولئك وهؤلاء يأخذون بحظوظهم من أخلاق أولئك وهؤلاء، فتختلط الأمور عليهم، ويكونون مصدرًا لاختلاط الأمور على غيرهم من الناس. وبهذا كله تتعقد أمور السياسة تعقدًا شديدًا، ويجد الأمراء والولاة أنفسهم أمام مشكلات كلما حلُّوا منها طرفًا نجم طرف آخر .
البصرة :
وكان أبو موسى الأشعري عامل عمر على البصرة، فأقره عليها عثمان أعوامًا،. وقد استقامت أمور البصرة في عهده. لكن اهلها ما لبثوا ان اتهموا أبا موسى بأنه يأكل أرضهم ويطعم رهطه من الأشعريين، فعزله عثمان، واختار لولاية البصرة ابن خاله عبد لله بن عامر بن كريز، فدخل البصرة واليًا عليها وهو ابن خمس وعشرين سنة. و نلاحظ أن الناس لم ينقموا من عبد لله بن عامر إلا قرابته من عثمان وحداثة سنه.
الشام :
وكان معاوية أعظم الولاة حظٍّا من كل شيء أيام عثمان، وكان واليًا لعمر على دمشق،فلما مات أخوه يزيد بن أبي سفيان وكان والي عمر على الأردن، ضم عمر إلى معاوية عمل أخيه، ، وقد مات عمر ومعاوية على هذين الجندين، فأقره عثمان عليهما، كما أقر عمال عمر جميعًا عامه الأول. ولكن عبد الرحمن بن علقمة الكناني عامل عمر على فلسطين يموت، فيضم عثمان فلسطين إلى معاوية، ثم يمرض عمير بن سعد الأنصاري عامل عمر على حمص ويستعفي عثمان من عمله، فيعفيه ويضم حمص إلى معاوية، فتخلص له أرض الشام كلها، ويصبح أعظم العمال خطرًا وأعلاهم قدرًا أيام عثمان . وقد أحب أهل الشام وأحبه أهل الشام ورضي عنه الخليفتان جميعًا.ولم يشارك أهلُ الشام فيما شارك فيه أهل الأمصار الأخرى من اتهام عمالهم والتشهير بهم والخلاف على عثمان .
مصر :
وكان عمر قد ترك عمرو بن العاص واليًا عليها، فأقره عثمان كما أقر غيره من عمال عمر وقتًا ما. ولكن العام الأول من ولاية عثمان لم يكد ينقضي حتى جعلت قرابة عثمان تنظر إلى مصرنظرة لا تخلو من طمع فيها وطموح إليها. والناس يختلفون في عزل عمرو عن مصر وتولية عبد لله بن سعد بن أبي سرح عليها: فقوم يزعمون أن المصريين شكوا عمرًا إلى عثمان فعزله عنهم، وآخرون يزعمون أن عمرًا لم يعزل لسخط المصريين عليه أو ضيقهم به، وإنما هو الكيد عزل أميرًا وولى مكانه أميرًا آخر
ولم يكن عبد لله بن سعد بن أبي سرح رجل صدق، ولم يكن المسلمون يرضون عنه؛ فهو كان من الذين اشتدوا على النبي وأسرفوا في السخر منه، وقد نزل القرآن بكفره وذمه.
وقد أهدر النبي دمه يوم الفتح، ولكن عثمان جاء به مسلمًا إلى النبي، فلم يجد النبي عليه سبيلًا. وما من شك في أن سيرة عبد لله في مصرلم تكن رضًا لأهلها؛ فهو كان يكلفهم فوق ما يطيقون، و كان يظهر من الغطرسة والكبرياء على غير قريش من عرب مصرما أَحْفَظَهُم وأضجرهم، حتى شكوه إلى عثمان فعزله، وكتب بعهد مصر لمحمد بن أبي بكر.

ولن يتم الحديث عن سياسة عثمان وعامله لمصر حتى نذكر فتيينِ من فتيان قريش
كان لهما فيما انتهت إليه هذه السياسة من الثورة أثر أيُّ أثر، وهما: محمد بن أبي
حذيفة ومحمد بن أبي بكر.
فأما محمد بن أبي حذيفة فقد كان فتى كريم النسب في قريش فجده هو عتبة بن ربيعة أبو هند زوج أبي سفيان وأم معاوية. و ابوه أبو حذيفة من السابقين إلى الإسلام،وهاجر بامرأته إلى
بلاد الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة مع غيره من المهاجرين. وهو أحد الذين أبلوا في الدين أحسن البلاء وأكمله؛ ثم هو بعد ذلك قد مات شهيدًا في موقعة اليمامة أيام أبي بكر وقد ولد له ابنه محمد في الحبشة؛ فكان إذن حديث السن حين مات عنه أبوه، ولم يكن قد بلغ الرابعة عشرة بعد وقد كفله عثمان بعد موت أبيه فكان ربيبه، ثم تعهده أثناء شبابه، فلما استخلف عثمان ظن الفتى أن سيصيبه شيء من الولاية كما أصاب غيره من فتيان قريش، ومن ذوي قرابة عثمان بنوع خاص. ولكن الفتى لم يكن شديد الاستمساك بدينه .
ولكن المهم أن الفتى طلب ذات يوم إلى عثمان أن يوليه عملًا، فأبى عليه عثمان ذلك،
وقال له: لو عرفت فيك كفاية لوليتك، ولكنك لست هناك. قال الفتى: فأعني إذن على
الخروج والاضطراب في الأرض. فأعانه عثمان وأعطاه مالًا، وأذن له أن يذهب إلى حيث
شاء كغيره من الناس، فذهب الفتى إلى مصر. وما من شك في أنه خرج من عند عثمان
مغاضبًا له، ولم يكد يصل إلى مصر حتى أظهر المعارضة لسياسة عثمان والشغب على عبد لله بن سعد بن أبي سرح

وأما محمد بن أبي بكر فحسبه شرفًا أن يكون ابن الصدِّيق وأخا عائشة أم المؤمنين. وما من شك في أنه كان يطمع في أن يعرف له عثمان هذه المكانة ويكرمه ببعض الولايات التي كان يكرم بها قومًا من ذوي قرابته ، ولكن عثمان لم يلتفت إليه ولم يحفل به.
فخرج محمد بن أبي بكر إلى مصر كما خرج إليها محمد بن أبي حذيفة، والتقيا فيها أو في طريقهما إليها. ولم يكادا ينزلان مصرحتى أحس عبد لله بن سعد أنهما لم يقبلا لخير، فأنذرهما وحذَّرهما، ولكنهما لم يحفلا بنذير ولا بتحذير.
وخرج عبد لله للقاء الروم في ذات الصواري، وأكبر الظن أن أحدهما أقام ليفسد الأمر من وراء عبد لله، وأن الآخر خرج لينشر دعوته في الجيش وقد كتب النصرفي هذه الموقعة للمسلمين، وعاد عبد لله ظافرًا بقهر أسطول الروم ولكنه عاد وقد أفسد عليه ابن أبي حذيفة جيشه بما أظهر من النكير عليه وعلى خليفته، وبما كان يقول للمحاربين من أنهم يسعون إلى الجهاد، والجهاد وراءهم في المدينة حيث يقيم عثمان فيسوس الأمة على غير كتاب لله وسنة رسوله وسياسة صاحبيه، ويعزل أصحاب النبي عن العمل ويولي أمور المسلمين جماعة من الفساق وأصحاب المجون وانظروا إلى واليكم وقائدكم إلى الجهاد؛ إنه رجل نزل القرآن بكفره، وأهدر النبي دمه، ولكن عثمان يوليه أمركم على ذلك لأنه أخوه في الرضاعة. وانظروا إلى سيرته فيكم،أترونه يهتدي فيها بهدي النبي وصاحبيه؟ أترونه لا يغير ولا يبدل ولا يكلفكم من
أموالكم وأعمالكم ما لا تطيقون؟ كان ابن أبي حذيفة يذيع هذا في الجيش.
وكان ابن أبي بكر يذيع هذا في المصر. وقد أخذ المصريون بعد عودة الجيش يجتمعون إليهما
ويسمعون منهما، فأشفق منهما عبد لله بن سعد، وشكاهما إلى عثمان واستأذنه في البطش بهما. فكتب إليه عثمان ينذره ويلومه ويأمره بأن يترك محمد بن أبي بكر لأبيه الصديق وأخته أم المؤمنين، وبأن يترك محمد بن أبي حذيفة فهو ابنه وربيبه وفرخ قريش .
وما زال المحمدان بالمصريين يذيعان فيهم دعوة المعارضة، حتى استجاب لهما خلق
كثير، وحتى كان المصريون أشد الناس خلافًا لعثمان وانتقاضًا عليه.

اختلاف الرأى و نشاة المذاهب السياسية المتباينة :
كانت ظروف الحياة الإسلامية في ذلك الوقت بطبعها تدفع إلى اختلاف الرأي وافتراق الأهواء ونشأة المذاهب السياسية المتباينة. فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنة النبي وسيرة صاحبه كانوا يرون أمورًا تطرأ ينكرونها ولا يعرفونها، ويريدون أن تُواجَه، كما كان عمر يواجهها، في حزم وشدة وضبط للنفس وضبط للرعية.
والشباب الناشئون في قريش وغير قريش من أحياء العرب كانوا يستقبلون هذه الأمور الجديدة، فيها الطمع وفيها الطموح، وفيها الأثرة وفيها الأمل البعيد، وفيها الهم الذي لا يعرف حدٍّا يقف عنده، وفيها من أجل هذا كله التنافس والتزاحم لا على المناصب وحدها بل عليها وعلى كل شيء من حولها.
وهذه الأمور الجديدة نفسها كانت خليقة أن تدفع الشيوخ والشباب إلى ما دفعوا إليه. فهذه أقطار واسعة من الأرض تفتح عليهم، وهذه أموال لا تحصى تجبى لهم من هذه الأقطار، فأي غرابة
في أن يتنافسوا في إدارة هذه الأقطار المفتوحة والانتفاع بهذه الأموال المجموعة؟ وهذه
بلاد أخرى لم تفتح، وكل شيء يدعوهم إلى أن يفتحوها كما فتحوا غيرها، فما لهم لا
يسبقون إلى الفتح؟ وما لهم لا يتنافسون فيما يكسبه الفاتحون من المجد والغنيمة إن
كانوا من طلاب الدنيا، ومن الأجر والمثوبة إن كانوا من طلاب الآخرة؟ ثم ما لهم جميعًا
لا يختلفون في سياسة هذا الملك الضخم وهذا الثراء العريض؟ وأي غرابة في أن يندفع
الطامعون الطامحون من شباب قريش إلى هذه الأبواب التي فتحت لهم ليَلِجُوا منها إلى
المجد والسلطان والثراء؟ وأي غرابة في أن يهمَّ بمنافستهم في ذلك شباب الأنصار وشباب
الأحياء الأخرى من العرب، وفي أن تمتلئ قلوبهم موجدة وحفيظة وغيظًا إذا رأوا الخليفة
يحول بينهم وبين هذه المنافسة، ويؤثر قريشًا بعظائم الأمور ويؤثر بني أمية بأعظم هذه العظائم من الأمور خطرًا وأجلها شأنًا؟
والشيء الذي ليس فيه شك هو أن عثمان قد ولى الوليد وسعيدًا على الكوفة بعد أن
عزل سعدًا، وولى عبد لله بن عامر على البصرة بعد أن عزل أبا موسى، وجمع الشام كلها
لمعاوية وبسط سلطانه عليها إلى أبعد حد ممكن بعد أن كانت الشام ولايات تشارك في
إدارتها قريش غيرها من أحياء العرب، وولى عبد لله بن أبي سرح مصر بعد أن عزل
عنها عمرو بن العاص. وكل هؤلاء الولاة من ذوي قرابة عثمان؛ منهم أخوه لأمه، ومنهم
أخوه في الرضاعة، ومنهم من يجتمع معه في نسبه الأدنى إلى أمية بن عبد شمس.
كل هذه حقائق لا سبيل إلى إنكارها.
. وقد أنكر الناس في جميع العصور على الملوك والقياصرة والولاة والأمراء إيثار ذوي قرابتهم بشئون الحكم. وليس المسلمون الذين كانوا رعية لعثمان بدْعًا من الناس؛ فهم قد أنكروا وعرفوا ما ينكر الناس ويعرفون في جميع العصور .
لون جديد من المعارضة :
والشيء الذي ليس فيه شك آخر الأمر هو أن عصرعثمان شهد لونًا من المعارضة لم
يشهده عصرعمر. وكانت هذه المعارضة تكون في الأمصار البعيدة، وهي التي صورناها
فيما سبق، وكانت هذه المعارضة تكون في المدينة نفسها قريبًا من عثمان، وهي التي سنتناولها فى مقال أخر بإذن الله

التعليقات