أخر المقالات

حرب كل يوم

الكاتب : كريم بهاء

يبدأ يومه محاولا اصلاح علاقته المتوترة مع زوجته.. فتبادره الزوجة بعبارة واحدة :
- انا اكرهك .. منذ ان ماتت امي و انا اكرهك ..
قالتها بهدوء كالواقعة تحت تأثير مخدر .. واستمرت في التعبير عن مشاعرها بينما اغلق هو اذنيه و اخذ يفكر في متي تتوقف عن الكلام حتي يذهب الي عمله .. و ما ان لمح شفتاه تصمت حتي حمل سلسلة مفاتيحه و جراب نظارته و سجائره و اتجه ناحية الباب قائلا
- لو عايزه حاجه .. ابقي كلميني ..
تذكر تليفونه بعد كلمة كلميني فارتد خطوات و اخذه ثم تابع خروجه من الشقة بهدوء .. توقف على البسطه للحظة متذكرا حماته ..
لا تصدقه زوجته ابدا حين كان يقول لها انه لم يكذب .. بل كان يؤمن انها ستعيش .. فالسرطان له علاج الان .. الامر لم يعد مستحيلا .. و اثناء قيادته لسيارته باتجاه عمله .. تذكر عبارة قالها له صديق من اصدقاء الطفولة اصبح طبيبا مسئولا عن جزر الاجساد
- لما يجيلنا مريض بالسرطان و يكون ثمن العلاج اكبر من طاقته . باكتبله مسكن واخرجه من المستشفي حتي يموت بين اهله ..
ما هذه القسوة ! ، قالها لنفسه و رد عليها و هل هناك بديل ! ..
لكن في حالة حماته كانوا يملكون بديل و يملكون المال وبدؤا رحلة العلاج و لكن الام لم تنتظر و فضلت الرحيل بعد احتضار يوم كامل حاولوا انقاذها بكل شئ .. المحزن ان زوجته و بعد مرور عام كامل لم تسامحه على خطأه .
و خطأه انه اعطاها الامل في شفاء امها ..
غضب كثيرا من الفكرة و ما اغضبه اكثر ان يبدأ يومه بكراهية بختها زوجته عليه .. واستمر الغضب المكتوم في التزايد .. شوارع مزدحم .. تجبرك اثناء القياده على التفاعل مع عشرات الاشخاص بلا وجهه تنظر لقفاهم ؛ حين يكونوا امامك .. او الي وجوههم المشوهه عبر المرآه ؛ اذا كانوا خلفك .
و تابع مساره متفاديا الصدام متحركا بهدوء بين اشباح قادة السيارات المحيطة .. تمني ان يقود دبابة يدهس بها السيارات المتباطئة او المزاحمة لطريقه ! .
في النهاية ، يصل الي عمله منهكا عصبيا و ما يزيد من الانهاك البحث عن مكان لترك السيارة و تبدأ سيول التليفونات من زملاءه في الشركة بحثا عنه من اجل البدء في اجتماع هام .. تأخر بسبب تأخره .. تليفون بعد الاخر و هو لا يزال في بحثه عن "ركنه" ..
في الاجتماع كان النقاش حاميا .. و مناقشات جذبته بعيدا عن زوجته و اخرجته النقاشات من صندوق التفكير في الماضي .. لكن معركة جديدة قد اشتعلت .. حين اصطدمت به زميله في العمل .
وجهت له لوم شديد في الاجتماع و بشكل واضح و السبب ؛ انه بالامس كان عليه ان ينهي اعمالا اداريه فلم ينيهيا ورحل ، ليجبرها المدير العام على انهاء شغل زميلها مما اضطرها للتأخر ساعتين عن العودة للمنزل و قالت له بالحرف :
- مش مطلوب مني اشيل كسلك و اهمالك في الشغل .. انا مالي ..
اصابه ذهول من طريقتها في الكلام .. بينما ابتسم المدير العام بخبث و انسحب من الاجتماع بهدوء .. ما دفعه للذهول هو قيامها بالحديث عنه بهذه الطريقة و هي التي تجاوره في مكتبه و هي التي تحكي له عن صديقاتها و اراءها في العمل ، و هي التي تشتكي من خطيبها - زميلهما في العمل - فيتدخل و ينبهه لتنصلح علاقتهما ، و هي التي كانت بمثابة اخت له .. تطعنه في ظهره و في اجتماع عام !!! .
المشكلة التي أرقته اثناء جلوسه في الحمام مختبئا لبعض اللحظات يفكر .. ان ما قامت به زميلته يتسق مع شخصيتها التابعة و الطائعة و الخانعة للسياسات الفاشلة للاداره .. لقد استندت الادارة على الحائط المائل و الذي لم يكن الا زميلته .. و قيامها بعمله افسدت ما خطط له ..
كان يسعي بالفعل و عن قصد لتعطيل الشغل و عدم القيام به نظرا لانه منذ ثلاثة اشهر و هو يطالب بتغيير جهاز الكمبيوتر لقدمه الشديد مما يؤدي الي بطئه .. و لكن لا مجيب .. على الرغم من اعتراف الادارة بالمشكلة و لكن لا يعني الاعتراف بالمشكلة الالتزام بحلها .. وبالتالي قرر بالامس تعطيل العمل ولم يكن يدعي او يخدع احد ..
بالفعل الكمبيوتر بطئ .. بالفعل استمر نصف ساعة محاولا انهاء العمل .. بالفعل تأخر لبعض الوقت .. و لكنه سأل نفسه سؤال .. لما كل هذا ؟ .. فاغلق الجهاز ورحل .. ولم يكن يعلم انه حين سيري المدير العام رحيله .. فإنه سيتجه للحائط المائل .. الزميلة الضحية و يجبرها على العمل على الجهاز البطئ لانهاء الشغل ! .
لقد افسدت كل شئ باستسلامها .. و حتي بعد ان اعتذرت له قبل الانصراف من العمل لم يكن يبالي حقا .. فكر في ان يشرح لها ان ما فعلته لم يأذيه بل آذاهم جميعا و ان الاداره لن تغير جهازا واحدا بعد الآن طالما وجدت الموظفين يتحملون بطء الاجهزة .. فكر ان يخبرها بكل هذا و تراجع ..
اكتفي بابتسامه متقبلا للمرة ان تستمر الحياه في هزيمته .
و عند السلم كانت سيجارة الوداع مع زملاء العمل .. تحدثوا عن الوضع في سوريه .. الاسلام و المسلمين .. الدنيا و الدين .. والنساء الجميلات في الشركات الاخري واللاتي لا يعملن ابدا في شركتهم .. فشركتهم يبدو انها لا توظف الا خناشير .. و يضحكون .. حديث يومي متكرر مع انفاس سيجاره متلاحقة تلضم واحدة في الاخري .. كأن الجميع يؤخر لحظة انصرافه حتي لا يواجه معركة جديدة في الشارع .
لم يكن يشترك معهم في الحوار .. ماذا يقول عن الوضع في سوريه .. هناك حرب .. ود لو قال لهم اننا في القاهرة نحيا حرب كل يوم .. في البيت و الشارع و العمل .. ثم صمت .. عن الدين و الدنيا حظه من كليهما قليل .. اما الجميلات فلقد بات يؤمن - و قد تزوج من امرأة جميله حسده عليها الكثيرون - انه ما من امرأة جميله الا و تبحث عن رجل لكي .. " تطلع عين اهله " .. فكلهن جميلات و كلهن ماهرات في انتاج المشاكل و تصديرها بعد تعبيئتها و تغليفها باحسن صورة .
عن اي شئ يتحدث ! .. استعد لمواجهة وداع يوم العمل جامعا متعلقاته التي تسيطر عليه احيانا و تعطله ؛ فالموبايل تسلل منه تحت اوراق العمل و سلسلة مفاتيح السيارة اخفاها في مكان حتي لا تمتد لها يد ناشلة لعامل او موظف زميل .. وبعد ان يجد كل شئ يهم بالانصراف لفتت منه نظره ناحية مكتب المدير العام المفتوح ..
هل يبتسم في وجه عدوه الذي يفسد خططه .. ابتسم ابتسامه باهته و هز رأسه باتجاه الاسف لملي مترات كإيماءه لتحيته .. و بالطبع لم يبادله المدير العام بأي شئ فقط نظر له ثم عاد الي شاشة الكمبيوتر امامه ..
داخله .. سب الدين للمدير العام و لعن اعضاء امه التي انجبته .. اتجه الي سيارته في الشارع متسائلا لما القتل حرام ؟؟ .. ها هي نزعة داعشيه تسيطر عليه اتجاه مديره و ربما اتجاه مشاكله كلها .
معركة جديدة في زحام لا نهائي .. مئات السيارات منها من يكسر عليه او يكلكس له .. منها من يقفز امامه او يعطله .. اين القنائل المحرقة ليقفز بها على كل من يزعجه في الطريق .. ويفجر السيارات من حوله .. ولكن تفكيره للحظه هداه انه لو فجر السيارات امامه لتعطل الطريق و تعطل هو وصارت سيارته لا قيمة لها ! .. تبا حتي لو امتلك سلاحا للحرب ؛ فسوف يفشل في استخدامه ؟!
امين شرطة بدفتره يدون مخالفات ضد من ! لا يعرف .. و اخر يهم بايقاف السيارات للتحقق من رخصها .. مئة مرة تسأل لما يقف الناس لهولاء ؟ .. ما هي سلطتهم!؟ .. و حين اوقفه امين الشرطة و طرق على الزجاج الجانبي مشيرا بيديه الي الرخص ..
مسرعا اخرج الرخص و منحها له .. اطلع عليها سريعا ثم اعادها له ..
انتصر على امين الشرطة و رخصه سليمة ليعود للتحرك كأنه يهرب من الكمين على الرغم من انه لم يرتكب اي شئ ليهرب منه .. لربما بهجة الانتصار اليتيم في اليوم ..
تابع الحركة البطيئة للسير في الشارع .. قبل ان يعود للمنزل اكتشف انه لم يتحدث مع زوجته طوال النهار .. تذكر حماته .. و موتها فكاد ان يبكي .. كيف له ان يبرهن لزوجته انه كان يؤمن بالفعل بأنها ستعيش و انها ستنتصر على المرض .. و لكن الاطباء .. القدر .. الاهمال .. ارادة الام .. ما الذي يفسر الموت !؟ توقف عن التفكير و هو يهم بركن سيارته تحت منزله .. قرر الاتصال بزوجته ..
- الو ..
- الو .. انا تحت البيت .. عايزه حاجه ..
- لا مش عايزه ..
- طايب .. (بكسرت نفس ) سلام .
ولم ترد .. توقف للحظة امام مقود السيارة .. بالتأكيد فسرت قوله السلام بانكسار انه تجاهل منه .. و لكن كيف لها ان تعرف شيئا عن يومه .. و كيف له ان يحكي لها عن حرب كل يوم يخوضها مع الشارع رايح جاي و مع العمل .. و مع الحياة كلها ..
جلس في السيارة يفكر في البكاء و لكنه في الشارع ! .. و لكنه رجل ! ..
ففي نهاية اليوم .. هل هزم الدنيا اما هزمته ! لا فارق ففي النهاية تبقي الهزيمة هي سيدة نتائج الحرب .
الي منزله صعد .. حمام و طعام بارد ..
تلفزيون يقلب في قنواته بلا هدف يرجي و لا امل في مشاهدة شئ ذو قيمة ..
زوجة تبحث في الفيس بوك عن اي شئ و تتحدث في كل شئ .. سياسية لاغاني قديمة .. لملابس .. حنين الي ماضي كانت امها تشكل فيه جزء كبير من حياتها .. باتت اليوم ذكريات ترفض هي ان تتخلي عنها .
جلس متذكرا بيت شعر قديم داعبه حين توقف للحظات عند شاعر متخلف عقليا - من وجهة نظر - يلقي شعرا عن كوب النسكافيه البلاك .. و اللي بقي يوم جميل لما حبيبته حطط فيه اللبن ..
و السطر السابق لم يكن تلخيصا للشعر المتخلف .. بل هو فعلا الشعر المتخلف ..
حتي الفن انهزم في حربه للبقاء .. هكذا قال لنفسه و تذكر بيت الشعر عن يوميات النبي المهزوم الذي يحمل قلما و ينتظر نبيا يحمل سيفا ..
حتي الانبياء كانوا في حرب .. فما بالنا نحن ..
و ترك اليوم يهزم ما تبقي من جسده فنام امام التلفزيون .. وفي الصباح اكتشف ان زوجته قد غطته ..
وتركته نائما .. استيقظ لمواجهة يوم جديد
و حرب جديدة ..
وربما واجه من جديد هزائمه .


الصورة ل : علي نبيل

التعليقات