الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

كتابة الاعمال الفنية التاريخية و وهم التأريخ

الكاتب : كريم بهاء

توثيق التاريخ يكون مهمة كاتب السيناريو في الفيلم التسجيلي فقط ، و يجب عليه ان يعتمد الحقائق من عدة مصادر لكي يتأكد منها و يضمن توثيق دقيق للاحداث .
ويبقي السؤال هل على كاتب السيناريو التزام نفس الامر في الفيلم الروائي ؟ او المسلسل التاريخي ؟ او الدراما الاذاعية التاريخية ؟ او حتي الرواية و القصة القصيرة التي تعود احداثها الي فترة تاريخية مضت ؟.
هذه الاشكالية هي ما تصنع انتقادات و اسئلة تهاجم او تمدح عملا فنيا بناءا على مدي اتساقه بالتاريخ و جوده حكيه لما دار في فترة زمنية معينة ، و هذه الانتقادات جميعها لا محل لها من الاعراب عند كاتب السيناريو .

فليس على كاتب السيناريو ان يتحول الي محقق او باحث تاريخي وينتظر اراء المؤرخين و الباحثين التاريخيين فيما يكتبه ، لان هذا امر بعيد تمام البعد عما يقوم به الكاتب ، و نلاحظ دائما عناوين مقالات او دراسات تنتشر من قبل متخصصين في مجال غير سينمائية او فنية ، تعنون بالتعبير التالي ( الاخطاء التاريخية في مسلسل كذا .. او فيلم كذا ) لينهال كاتبها باللوم و الاهانه على كاتب السيناريو لانه اخطأ في واقعة تاريخية ما او صنع شيئا مخل بالتاريخ .
كسرا لهذا الجدل نجد تعليق من احد كتاب الدراما التاريخية المهمين و هو الكاتب الاردني وليد سيف حين يقول متحدثا عن العمل الفني التاريخي فيقول " .. لعمل الذي تدور وقائعه في التاريخ الماضي ليس عملاً تاريخياً تسجيلياً يروي وقائع التاريخ، وإنما هو يوظف المادة التاريخية بصياغة خطاب فكري وسياسي وإنساني وفني وجمالي معاصر، يصوغه كاتب معاصر ويتوجه به إلى مثقّفٍ معاصر في سياق اجتماعي ثقافي سياسي معاصر .. "
من هذا السياق نجد ان كاتب السيناريو عليه ان يتخلي تماما عن الدقة التاريخية فما يعنيه ليس التاريخ و تسجيل وقائعه و الا فعليه ان يكتب فيلما تسجيليا ، انما حين تدخل ابعاد قصصية و حكي بصري في الامر فإن هذا يتطلب مساحة من الابداع اكبر من التاريخ و تدفع الكاتب احيانا لاكمال الصورة التاريخية التي يخلقها كما يتصور هو لا كما يتصور التاريخ .
وهذا يردنا الي امر هام ما هو العمل الفني التاريخي ؟
العمل الفني التاريخي هو العمل الذي يقوم فيه الكاتب باعادة بناء الماضي بغرض توجيه خطاب حكائي للزمان و المكان الذان ينتمي اليهما الكاتب فيما يعني ان عناصر الحكي تخضع لادبيات زمن الكاتب و مكانه و ليس للماضي .
من هذا التعريف يمكن الاستدلال على التالي :
1- الحقائق التاريخية لا تعني كاتب السيناريو على وجه الدقة بقدر ما يعنيه عناصر الحكي البصري التي يعمل بها ، بحيث يصبح التاريخ بحقائقه و تفاصيله جزء من تفاصيل عمله الفني لا هي اساس عمله الفني ، و بالتالي يستعين بالملابس او الديكورات لبناء الصورة ، لكنه قد يحيل اللغة الي اللغة المعاصرة .
للتوضيح : حين يصبح الحوار في فيلم المهاجر ليوسف شاهين باللغة العربية لا يجد المشاهد اي غضاضة او اثر سلبي من متابعة الحوار فهو لا يعرف اللغة المصرية القديمة مثلا او عاش تجاربها و الشئ بالشئ يذكر فنموذج مثل فيلم الام المسيح لميل جبسون اعتمد على لغة غير منقرضة مثل المصرية القديمة بل اعتمد على لغة لا يزال هناك من يستخدمها داخل الاطار الكنسي .
2- الاحداث التاريخية لا تعني الكاتب ايضا بقدر ما تصنع خلفية لحدثه الرئيسي و سلسلة الاحداث المرتبطة به .
للتوضيح : فيلم مملكة الجنة للمخرج ريدلي سكوت الحدث الرئيسي هو محاولة البطل بليان لاعادة اكتشاف علاقته مع الله من خلال هجرته الي القدس ، في اجواء تاريخية للحملة الصليبية و عملية تحرير القدس من سيطرة الاوروبيين .
الحدث التاريخي المعروف هو قيام صلاح الدين كحاكم عربي بتحرير القدس و اعادة السيطرة العربية عليها بديلا للسيطرة الاوروبية لكن تاريخيا لم يثبت وجود شخص اصلا اسمه بليان هو من تصدي لصلاح الدين .
الامر مشابه جدا لما جاء في فيلم الناصر صلاح الدين ليوسف شاهين ، فالثابت تاريخيا ان عيسي العوام مسلم و ليس مسيحي ، و ان صلاح الدين و ريتشارد قلب الاسد دارت بينهما مراسلات و لكنهما لم يلتقيا ولو لمرة واحدة .
3- الكاتب يعود للماضي سواء على مستوي التفاصيل الحياتية او على مستوي الاحداث لا بغرض العودة للماضي بل بغرض فهم الحاضر ، و اعادة صياغته بصورة تاريخية تكسبه هالة من القبول المجتمعي في العصر الذي يعيش فيه الكاتب ، لذا لا يسعي الكاتب لخلق صدام مع المجتمع حول الحقائق التاريخية او الشخصيات التاريخية المحبوبة لديه الا اذا كان له هدف من وراء هذا ، انما يستعمل الحقائق و الشخصيات التاريخية لكي يعيد انتاجها بشكل معاصر .
توضيح : لا يذكر على الاطلاق ان صلاح الدين كان من القابه الناصر ! انما لقب الناصر صلاح الدين و هو عنوان فيلم يوسف شاهين ، كان بغرض ربط صلاح الدين بجمال عبد الناصر ! .
4- التاريخ مكتوب و مدون من قبل اشخاص ركزوا على الشخصيات من المستوي الاول ، اي الحكام القاده ، ثم الشخصيات من المستوي الثاني وهم ولاة الامور الذين لهم تأثير كالقضاة و الشيوخ و الصناع في بعض الاحيان ، اما المستوي الثالث و هم بالفعل الفاعلون و صناع التاريخ فهم المواطنون المجهولون ، و هم من لا ينظر لهم التاريخ ، فالكل يعرف ان علي ابن ابي طالب قتل ، لكن عدد قليل يعي من القاتل و ما الدافع وراء قيامه بالقتل ؟ .
الكل يعرف دور عبد الناصر في 56 و لكن من يعرف دور المواطن البورسعيدي في مواجهة العدوان الثلاثي ! .
هذا المستوي الثالث من الشخصيات في حقيقة الامر هو مستوي صناع التاريخ و هو مجهول و بالتالي قد لا يهتم المؤرخ بهم و لكن كاتب السيناريو هولاء بالنسبة له هم من يشكلون الصورة البصرية و القصصية التي يحكيها و يخلقها .
على هذا يكون على الكاتب حين يبني الحبكة الخاصة به ان يركز على الحبكة القصصية و ما سيستعين به من احداث التاريخية في مرحلة الملخص السينمائي .
مرحلة الملخص لها عدة مستويات في تفكير الكاتب بدءا من التفكير في الحبكة بمبادئها المشكلة و التفكير في زمان و مكان الاحداث و الشخصيات .
لذا فمن مرحلة الملخص يتضح اذا كان الكاتب بحاجه الي ابراز اي احداث من التاريخ و كيف يعمل على عرضها ضمن احداث فيلمه ، لذلك فكاتب السيناريو يسعي للبحث التاريخي اولا و استقراء الماضي قراءة موضوعية ، قبل ان يحيل الموضوعي الي تجربته الذاتية ، فالتاريخ - وان كان المؤرخون يورجون لانه مكتوب بموضوعية او ان من يكتب التاريخ هم المنتصرون - فإن الكاتب لا يمحي ذاتيته اثناء الكتاب لذا وارد ان يحب شخصيات تاريخية و يكره اخري فيستبعدها فليفعل ما يشاء ، فليست القضية ان ما يكتبه متسق مع التاريخ ام لا ، و لكن هل ما يكتبه متسق قصصيا ام لا .
تحول الاعمال التاريخية الي نوع فيلمي مستقل راجع الي مدي قوة تأثير الماضي على المجتمعات كافة ، خاصة فيما يتعلق بالقصص التاريخي و ربما كان هذا السبب وراء هواية البعض تحري الدقة التاريخية في الافلام او المسلسلات التاريخية و لكنه كما سبق و اثبتنا امر غير وارد في خيال كاتب السيناريو .
و قد تفرع النوع التاريخي ليضم انواع اخري سواء كان العمل الفني الديني المنبثق عن قصص ديني او افلام السيرة الذاتية التي تحكي حياة اشخاص عاشوا في الماضي و كان لهم ثقلهم و تأثيرهم في المجتمعات .
لذا فإن التاريخي حين تحول الي الديني اصبح هناك رغبة قوية في الزام الكاتب بالقصص الديني خاصة و انه قص و ليس حكي ، و لذا تخرج بعض الافلام الدينية جافة بلا روح او خيالية غير قابلة للتصديق .
الامر نفسه تكرر مع اعمال السيرة الذاتية فالملاحظ في مصر مثلا ، ان السلطة شجعت على انتاج مسلسلات تاريخية تقص السيرة الذاتية لاعلام الحياة الاجتماعية المصرية سواء كانوا فنانيين او سياسيين او اجتماعيين مثل مسلسل مشرفة ، قاسم امين ، ام كلثوم .. الخ .
لكن ظلت هذه الاعمال قيد تجربة و نظرة قاسية لا من المجتمع و لكن من الرقابة السلطوية التي شجعت هذه الاعمال من اجل تقديم صورة نموذجية مثالية مشرفة للشخصيات ، فخرج بعضها باهت و غير انساني و عصي على التصديق .
ان مأزق كتابة التاريخي لهو مأزق صدامي بين كاتب السيناريو و الصحافة او المؤرخين ، و لكن مأزق كتابة التاريخي الديني ، لهو كارثة على الكاتب نظرا لرفض المؤسسات الدينية الخروج عن التزامات بعينيها تقيد قدرات الكاتب ، فمثلا فكرة التجسيد مرفوضة في الدين الاسلامي تجعل الاعمال الفنية التي تناقش حياة الرسول تناقشها كما لو كان الرسول شبح او شخص ضعيف القدرات الصوتية فينقل الاخرون عن لسانه ما قال لضرورة عدم ظهوره ، و حين كسر الانتاج الدرامي الايراني هذه الرؤية اوقعت المؤسسات الدينية العربية في حيرة من امرها خاصة مع اقبال المشاهدين على مشاهده قصص ديني مجسد كما في المسلسل الايراني يوسف الصديق ، مريم .
مما ادي الي انتاج مسلسل بشكل اعلامي اكثر منه بشكل فني و هو مسلسل عمر ، و الامر لا يتوقف عن المسلسلات الدينية بل البعض يكسب شخصيات من الماضي قداسة و يرفض تصديق انها تخطئ او تسب او تلعن او تشرب الخمر او تدخن او تلعب القمار مثلا ! .. و بالتالي تخرج اعمال تناقش حياتهم يكون فيها الكاتب خاضع لسلطة اسرة الشخصية التي يكتب عنها و هي بالطبع سلطة لا تفهم الكتابة البصرية و لا تعرف مسبباتها و ادواتها .
على الكاتب اذن الدخول في مفاوضات احتوائية لحماية موضوعه و رؤيته ، و ما قد يحدث في الوطن العربي و مع شخصيات عربية لا يحدث بنفس الشدة و القسوة في المجتمعات الاخري مما قد يدفع البعض لانتاج افلام او كتابة اعمال لصالح مؤسسات غربية لتنتجها عن شخصيات معاصرة و هو الامر الذي حدث مع مسلسل منزل صدام من انتاج شبكة الاذاعة البريطانية و الذي يحكي فيه قصة صعود صدام حسين للسلطة حتي القبض عليه .
اشكالية الكاتب حين يتعامل مع التاريخ هي اشكالية انه امام منتج فني مطلوب على مستوي المؤسسات و المجتمع و لكنه مقيد بسلاسل من القيود الجاهلة تماما بطبيعة عمله ككاتب سيناريو و طريقة تقديمه لموضوعاته لذا عليه ان يكون متسلحا بالقدرات التفاوضية لكي يتمكن من انجاز عمله دون صدام مع السلطات المختلفة سواء سياسية او مجتمعية و في نفس الوقت ينجز عمله الفني بالشكل الذي يحب ان يقدمه و بالهدف الذي كان وراء سعيه لتقديم هذا العمل .

المراجع :
http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/4f706975-334e-4ab0-a71b-3625eef30e97

http://www.civicegypt.org/?p=59918

http://pensandbooks.com
/article.php?id=576

الصورة من الفيلم الجزائري بلديون للمخرج رشيد بوشارب

التعليقات